السبت 13-يونيو-2026 - 27 ذو الحجة ، 1447

خطبة الرسول يوم عرفة

99
2026-06-10


التعريف بالخطبة:

يتحدث الشيخ أحمد القطان رحمه الله عن جراحات الأمة الإسلامية ومآسيها الدامية في لبنان وفلسطين، مستعرضاً الدروس المستفادة من خطبة الوداع ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم الخالدة حول حرمة الدماء والأعراض، ويكشف الشيخ بأسلوبه الخطابي المؤثر زيف مؤتمرات القمة العربية وتخاذل المسلمين عن نصرة المستضعفين في مجازر «صبرا وشاتيلا»، مؤكداً أن المخرج الوحيد هو الاصطلاح مع الله، كما يسلط الضوء على استهداف الهوية الإسلامية للأيتام في ظل غياب الحاضنة العربية.

 

عناصر الخطبة:

  • إرث النبوة في ميزان الواقع المرير
  • المقدسات.. بضاعة في أسواق التنازل!
  • صبرا وشاتيلا.. صرخة العرض الموؤود
  • غيرة النبي لحماية العرض والدم
  • تآمر الذئاب على الحَمَل الوديع
  • الأيتام.. حصاد التخاذل العربي المر
  • وعد النبوة ضياء لا يعرف الأفول


 

نص الخطبة:

لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد..

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وقال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

اللهم إنا نسألك الثبات يوم الفتنة، ونسألك الستر يوم العورة، ونسألك الإطعام يوم الجوع، ونسألك السقيا يوم الظمأ، ونسألك الصبر يوم الجزع، ونسألك الأمن يوم الفزع، اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك أن تسترنا فوق الأرض، وأن تسترنا تحت الأرض، وأن تسترنا يوم العرض يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونعوذ بك اللهم من فتنة القبر وضمته، ومن هول يوم المحشر وغمته، ومن اجتياز الصراط وزلته، اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين.

 

إرث النبوة في ميزان الواقع المرير

أيها الأحبة في الله، وأنا في أرض عرفات، وأنا أعيش مآسي المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبالأخص التي تدور على أرض لبنان ولا تزال، جاء في خاطري خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة، وخطبته في يوم النحر في مِنًى، فبماذا أوصى الحبيب المحبوب وهو في المؤتمر العالمي العظيم الذي شهده جند الأرض وجند السماء؟

تلك الوصايا الخالدة التي قال فيما قال فيها: «أيها الناس، اعلموا أن أموالكم ودماءكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (رواه البخاري، ومسلم)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «واعلموا أن الصدور لا تغل على ثلاث»؛ أي الصدور المؤمنة الصادقة لا تنطوي على خيانات ثلاث: إخلاص العمل لله؛ أي لا تخون الصدور، والقلوب الصادقة لا تخون إخلاص العمل لله رب العالمين.

انظروا إلى وصايا الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم ونحن نربطها في واقع المسلمين اليوم، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم؛ «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله» (رواه مسلم)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إن كل مسلم أخو المسلم، وإنما المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ولا ماله، ولا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (رواه البخاري، ومسلم).

بمثل هذه الوصايا ودَّع الرسول صلى الله عليه وسلم أمته في هذا المؤتمر العالمي، كان يوصي على ماذا؟ على أن دم المسلم حرام حرام حرام إلى قيام الساعة إلا بحقه وماله وعرضه، وجاء اليوم الذي أصبح دم المسلم فيه أرخص من الرخيص، وذلك بانبثاقٍ من مؤامرات القمة! فوالله من يوم أن رأيناها وشهدناها ما رأينا على أثرها خيرًا، مؤتمر القمة العالمي بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم هذه قراراته، ومؤامرات القمة من الستينيات يوم أن عُقد أولها في مصر وآخرها في فاس، ما رأينا بعدها خيرًا قط إلا التقتيل والتذبيح والتشريد لعباد الله المسلمين.

 

المقدسات.. بضاعة في أسواق التنازل!

جاء في قرار من قراراتها الاعتراف باليهود! وقرار من قراراتها تعويض من لا يريد العودة إلى فلسطين! الله أكبر! وكأن المسجد الأقصى والقدس ومهبط عيسى عليه السلام ومرقد الخليل إبراهيم وثالث الحرمين وأولى القبلتين، كأنه بقالة أو دكان أو شقة يعطى عليه الإنسان خُلُوّ رجل! فالفلسطيني الذي لا يريد أن يعود يُعَوَّض! أو تُعَوَّض مقدسات المسلمين! إننا لا نلوم اليهود، ولا نلوم الكتائب، ولا نلوم أعداءنا من الصليبيين واليهود والماسون يوم أن تجرؤوا فهتكوا الأعراض وسفكوا الدماء وشردوا الأطفال، كيف لا يفعلون ذلك وهذه قرارات اثني عشرَ مؤتمرًا أو مؤامرة للقمة؟!

أيها الإخوة..

الرسول صلى الله عليه وسلم أشهد الله وملائكته والناس أجمعين على أنه بلغ، وكان في حكمة الإشهاد حكمة عظيمة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، ولكنه يعلم أن أمته ستعود بعده أذلة خانعة مستسلمة، إن كانت لها جولة وصولة على بعضها البعض يضرب بعضها رقاب بعض، أما على أعدائها فهم مستسلمون، لهذا قال: «هل بلغت؟»، قالوا: بلغت يا رسول الله، فأشار إلى الله إلى السماء، ثم أنزل إصبعه إلى الصحابة وقال: «اللهم اشهد»، وظلت شهادته عبر الدهور والعصور تقضّ مضاجع المجرمين إلى يوم الدين.

 

صبرا وشاتيلا.. صرخة العرض الموؤود

أيها الإخوة..

مجزرة مخيمي الفدائيين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا، ماذا أقول وكيف أصف وقد رأيتم بعيونكم ما نشرته الصحف والتلفاز؟ ولا تستوي المعاينة والخبر! رأيتم كيف بقرت بطون الحوامل، وكيف قطع الأطفال ولا يزالون معلقين بحبل السُّرَّةِ وأرحام الأمهات! رأيتم تلك الفتاة المسلمة -وأقصد المسلمة لأن أجهزة الإعلام العميلة ووراءها يهود العرب وطواغيت العرب يريدون أن يحصروا المذبحة في الشعب الفلسطيني ويجعلونها قضية قومية محصورة فقط في ذبح الفلسطينيين- وفي الحقيقة إنها حرب دينية عقائدية، وإن المذبحة يُعنى ويراد بها الإسلام والمسلمون، فقد ذُبح بجوار الفلسطينيين المسلمين اللبنانيون المسلمون سواء بسواءٍ، ولكن أجهزة الإعلام العميلة ووراءها الدول العربية دائماً تقوم بحراسات أعدائنا بالتعتيم والتعمية من قديم ولا يزالون، حتى يُضَلَّلَ الجيل المسلم، وحتى يعلم الجيل المسلم أنها حرب قومية، حرب على أرض، أو حرب من أجل لغة! لا، حرب مسعورة للقضاء على الإسلام والمسلمين.

فتاة لبنانية مسلمة تقول: هجم علينا اليهود والكتائبيون وجنود حداد، تقول: ففررت ثم عدت في يوم الجمعة في صباحها -وقد كان الهجوم بالليل- فوجدت اثنين وعشرين من عائلتي قد قتلوا! وبينما أنا أتفقد القتلى، وإذا بأربعة جنود يتكلمون اللغة العربية من الكتائب واليهود، يقتادها أحدهم من يدها ويقول لها: تعالي، ويدخلها غرفة من غرف بيتها والجنود فيها ينتظرون ويقولون: إننا لن نقتلك بمقابل أن تتجردي من ثيابك وتُسَلِّمِي نفسك لنا، فنظرت المسكينة حولها فماذا ترى؟ لم يبق أحدٌ من أهلها لا كبيرٌ ولا صغيرٌ! فأصيبت بالذهول وتوقف تفكيرها، وتقدم إليها المجرمون يعرونها من ثيابها ويتعاورون عليها كالوحوش الكاسرة ويتفننون في تعذيبها! من لها؟ من ينصرها؟ مؤامرات القمة؟ حكام العرب؟ الجيوش الصدئة؟ من لها؟ من لها تلك المسكينة؟ واليهود والنصرانيون يفترشونها على أرض مسلمة وعلى أسماع وأبصار مائة مليون عربي وألف مليون مسلم وواحد وعشرين جيشًا عربيًا! من لها؟

 

غيرة النبي لحماية العرض والدم

والرسول صلى الله عليه وسلم يوم أن علم أن يهوديًا عبث بذيل ثوب امرأة مسلمة من يهود بني قينقاع، مد يده على ذيل ثوب امرأة مسلمة، ماذا فعل عليه الصلاة والسلام؟ الخطوة الأولى: أول مسلم شهد الحادثة سل سيفه فأطاح برأس اليهودي، الخطوة الثانية السريعة: حصار الرسول صلى الله عليه وسلم لبني قينقاع، ثم تدخل أحد المنافقين فأمر بجلائهم، وماتوا هناك على حدود الشام في أذرعات الشام، أخذهم السرطان أخذا ولم يبق منهم أحد، من أجل ماذا؟ من أجل ذيل ثوب امرأة!

ويأتيه عمرو بن سالم مندوب قبيلة خزاعة يوم أن اعتدت قريش وبنو بكر وقتلوا الخزاعيين عند الحرم، جاء يستصرخ الرسول صلى الله عليه وسلم: «هم بَيَّتُونَا في الوتير هُجَّدًا، وقتلونا رُكَّعًا وسُجَّدًا»، فماذا قال له؟ ماذا قال له يا حكام العرب؟ ماذا قال له يا أصحاب المؤامرات للمؤتمرات؟ يا من تقولون عن اليهود أنهم حمائم سلام فإذا هم حمامات دم، يا من تعولون في قضاياكم على مجلس الخراب وهيئة اللمم، ماذا قال له؟ ماذا قال له؟ قال: «اصبر يا عمرو بن سالم»، هل قال له: سأرسل إلى قريش وبني بكر مذكرة شجب أو احتجاج أو استنكار؟ أم قال له: سأجمع لك بعض التبرعات وأشكل لك لجنة إغاثة اللاجئين؟ قال له: «نُصِرْتَ يا عمرو بن سالم»، أربع كلمات ما زاد عليها، ثم حرك الجيوش الجرارة وفتح مكة، والصحابة وكتائب الصحابة تكبر: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا»، هكذا! هذا هو منطق الإسلام.

أيها الإخوة..

الذين يريدون أن يحصروا المذبحة في الفلسطينيين ويعتمون على القضية ويظهرونها أنها قومية، ليسمعوا ماذا قال والد الهالك بشير، بيير الجميّل لما وصل ابنه إلى الرئاسة وجاءه أركان حزبه يدفعونه لإبادة المسلمين، ماذا قال أبوه العجوز؟ قال: «أتريدون أن نذل الكنيسة في لبنان؟ إن مهمة الكتائب في لبنان مهمة رسولية ولم يأن الأوان بعد، انتظروا لا تتعجلوا على إبادة المسلمين، إن مهمة الكتائب مهمة رسولية، مهمة دينية صليبية كنائسية، لا تعتسفوا الطريق لم يأن الأوان بعد»، والأنظمة العربية تقول: «إن قضية انتخاب رئيس لبنان قضية تخص اللبنانيين وحدهم»! تُرجمت هذه العبارة أن قتل المسلمين في لبنان من تخصص الموارنة وحدهم، هذه معناها! لكن لا يستطيعون أن يقولوا ذلك، يخافون، جبناء.

 

تآمر الذئاب على الحَمَل الوديع

تقاسموا الفدائيين وتآمروا عليهم وأخرجوهم من لبنان وأعطوهم العهود والمواثيق، وما حلت فرقة من فرقهم في بلد عربي إلا وجردوهم من السلاح ووضعوهم في مخيمات محاطة بالسياج والأسلاك الشائكة، والذي لا يصدق يذهب إلى سورية ويرى، لن تجد في جيب الفدائي طلقة! فلما جردوهم من سلاحهم ومزقوهم وجعلوهم أحاديث كما مُزقت أيدي سبأ، تركوا الأعراض، تركوا الأطفال، تركوا النساء بلا حماية ولا رعاية من وصُيُهم! فيليب حبيب! فيليب حبيب الذي يُشْرَهُ عليه ويعاتب عليه ياسر عرفات فيقول: «لقد أخذت منه العهود والمواثيق على حماية المخيمات!»، يا سبحان الله! أتأمن الذئب على الحمل الوديع؟ كيف يكون ذلك؟ كيف يكون ذلك؟ لا يُلامُ الذئبُ في عدوانهِ.. إن يَكُ الراعي عدوَ الغنمِ رأيت الناس خداعًا إلى جانب خداع يعيشون مع الذئب ويبكون مع الراعي هذا حالهم أجمعين.

ماذا يقول الله جل ثناؤه عن أعدائنا: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ)، اليهود والصليبيون والشيوعيون والهندوس وكل أعداء هذا الدين، القاسم المشترك في توحيدهم في صف واحد وجبهة واحدة هو الإسلام، كلهم يعادون الإسلام على اختلاف نحلهم ومذاهبهم، الله يقول: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) (التوبة: 8)، لا يرقبوا فيكم قرابة وإن كانوا يتكلمون اللسان العربي، بشير الجميل يقول: «لا تقولوا عني إنني عربي إنما أنا ماروني»! وأموال دول الخليج وكبار مؤسساتهم وشركاتهم لا يديرها إلا الموارنة، والله إن هذا لأكبر دليل على تآمرهم ضد المسلمين، لو كانوا صادقين في مؤامراتهم، مؤامرات القمة الاثنتي عشرة، لشهدنا يومًا واحدًا تُقْطَعُ دول النفط عن أمريكا التي بسلاحها ذُبِحَتْ بناتنا وأطفالنا ونساؤنا وهتكت أعراضنا ونهبت أموالنا وديارنا.

وإنما ومع الأسف الشديد يوم أن أردنا أن نعلن أمام العالم قلنا: إضراب يوم على الهجوم الذي حدث للمسجد الأقصى، وإضراب ثلاثين دقيقة أو عشرين دقيقة على مذبحة لبنان! وخرج الإضراب المسكين يستحي أمام الناس، مُطَأْطِئَ الرأس ذليل الجبين، فإذا مر على دول من دول أوروبا قالوا له: من أنت أيها الحقير المشرد؟ قال: أنا الإضراب العالمي، فيقولون له: ما لك هكذا راسبًا ملتصقًا في الأرض؟ قال: نعم، لأنهم لم يشيعوني (بأخي) النفط الذي من خواصه إذا ألقي بالماء طفا، لو شيعوني بأخي النفط لرأيتم كيف أسير مرفوع الرأس، ولو ألقيتموني في البحر لخرجت.

لا لوم على اليهود، لا لوم على الكتائبيين، فإن دينهم وعقيدتهم تأمرهم بذلك، أعداؤنا لا يستحون أن ينتسبوا إلى دينهم، سموا فلسطين بإسرائيل والاسم ديني، وسموا الأرض بأرض الميعاد والاسم ديني، وسموا الحائط بالحائط المبكى والاسم ديني، وجاؤوا ببيغن حاخام متخرج من أحبار اليهود، حافظ التوراة وحافظ التلمود، في زمان ماذا؟ في زمان تجرد فيه حكام العرب من دينهم وأصبحوا وصمة عار أمام العالم، لو أردنا أن نواجه العالم ماذا نقول؟ بماذا نواجه؟ بحكام واقع حياتهم خمر وعهر وزِنًى! فوالله إن تقبيل خد بغي عند واحد منهم في مواخير باريس أو في بارات هوليوود لَتُسَاوِي عند الواحد منهم جميع الأعراض التي هتكت في فلسطين وفي لبنان.

جاء اليهود بدينهم في زمان تخلى حكامنا عن ديننا، أول علامة: (أحدهم) تنحية كتاب الله وحكم الله والحكم بمناهج البشر، فالبركة بفرنسا والبركة بإنجلترا! كما نستورد منها مساحيق التجميل لإخفاء تجاعيد وجوه النساء والعجائز، نستورد منهم الدساتير، ونحَّينا كتاب الله، أحدهم يستحي أن يقول: أنا مسلم، أو أن يقول: أجاهد في سبيل الله، أو أن يذكر القرآن أو ينتسب إلى الدين، يستحون يستحون! ريغان عندما هنَّأَ بشير -لا بشره الله بالخير- قال: «وأتمنى يا صديقي لك من الله التوفيق»، الله أكبر! واليهود عندما يقتحمون مقرات الأحزاب الشيوعية التي يديرها خالد ومحمد وجيفارا يمسحون كل الشعارات ويكتبون فوقها: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة: 249)، نكاية في المسلمين، ثم نريد النصر من الله؟ لا والله، لا والله! حتى يعود أولاً حكام العرب فيصطلحوا مع الله رب العالمين، وتعود الشعوب ويقيم كل واحد منهم دولة الإسلام في نفسه قبل أن تقوم في أرضه، وإلا فالمذابح جارية وستستمر.

الدور على من؟ لا تقولوا على سورية، لا تقولوا لا، خلاص، سورية لا يحكمها المسلمون يحكمها النصيريون وولاؤهم معروف، وحادثة القنيطرة وحادثة الجولان وحادثة تل الزعتر ووقوفهم بخندق واحد مع الكتائبيين لقتل المسلمين من الفلسطينيين واللبنانيين شاهدة، وموقفهم الأخير في تنفيذ قاعدة القرن العشرين التي تقول: «قبل أن يشن اليهود والنصارى حرباً على المسلمين يجب أن تتحرك دولة ما من يهود العرب على ضرب الحركات الإسلامية»، ودرس التاريخ: ما من حركة قامت لليهود إلا وسبقها ضرب لحركة إسلامية.. وكان المفتاح لاقتحام لبنان وإبادة المسلمين فيها هو كسر ذلك المفتاح على أرض حماة يوم أن أُبيد عليها عشرون ألف مسلم.

هذه هي القاعدة: قبل أن يشن اليهود والصليبيون حرباً على المسلمين يتحرك عملاؤهم من يهود العرب فَيَضْرِبُونَ الحركة الإسلامية لِيُمَهِّدُوا لهم الطريق، لِيُغَيِّبُوا أسود الإيمان عن الميدان ويُحِلُّوا فيه الجرذان والفئران، لا طريق إلا طريق الدعوة إلى الله والاصطلاح مع الله، وإلا فالدور سيأتي الأردن، أي أردن؟ لم يَبْقَ من الأردن شيء! الضفة الغربية راحت، الأردن، الضفة الغربية والشرقية اسمها أردن، أما الآن ما في أردن، في ضفة واحدة! وسيأتيها الدور عاجلا أو آجلا، وليتذكر أهل الأردن يوم أن حشر حافظ أسد -لا حفظه الله- مع أخيه رفعت -لا رفعه الله- يوم أن حشر الجنود حول حدود الأردن وقام العالم العربي ولم يقعد، فليتذكر أن هذا الحشر لن يكون في المستقبل وحده، سيكون معه المارون الكتائبيون، وسيكون معه اليهود الصهيونيون جنبا إلى جنب لكي تبتلع الضفة الثانية كما ابتلعت الضفة الأولى، وينزل الذبح، ويل للعرب من شر قد اقترب.

اللهم إنا نبرأ إليك من شركاء الجريمة، اللهم إنا نبرأ إليك من شركاء الجريمة، اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين أنت ربنا ورب العالمين، إلى من تكلنا؟ إلى بعيد يتجهمنا؟ أم إلى قريب ملكته أمرنا؟ إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، غير أن عافيتك أوسع لنا، لك العُتْبَى حتى ترضى، اللهم إنا نسألك خليفةً ربانيًّا يسمع كلام الله ويحفظه، ويرفع آية لا إله إلا الله، ويقاتل أعداء الله تحت صيحة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، وما ذلك على الله ببعيد.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، أما بعد..

ومن علامات هذه المؤامرة الكبرى التي اشترك فيها أحفاد القردة والخنازير من صهاينة اليهود بالتذبيح والتقتيل، واشترك فيها الأمريكان بإمداد السلاح وهو الطرف الثاني، واشترك فيها الروس بإمداد الرجال والخبراء وهو الطرف الثالث، واشترك فيها يهود العرب بالحراسات والتعتيم والتنويم، يهود العرب! والله لولا حراساتهم لأعدائنا ما تمكن أعداؤنا منا.

 

الأيتام.. حصاد التخاذل العربي المر

مَن لليتامى؟ كوبا تستقبل خمسمائة طفل مسلم لتنشئهم شيوعيين! روسيا تستقبل كذلك، قبرص، إسبانيا، إيطاليا، سويسرا، ولا يوجد بلد عربي أو بلد مسلم واحد استقبل يتيمًا واحدًا! قاتلهم الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ! من لليتامى؟ لا هم حرسوهم، ولا هم أبقوا لهم آباءهم ليرعوهم، ولا أمهاتهم ليحتضنوهم، ولا تركوهم يهيمون على وجه الله في الأرض، فلسطيني مسلم في مخيم عين الحلوة يقول: «والله إن الموت أرحم لنا من الحياة، لا تتركوننا نَسِيحَ في الأرض ولا تحموننا من أعدائنا، كيف نعيش؟»، افتحوا لهم الحدود، القضية ليست قضية عربية ولا فلسطينية، وإنما هي قضية إسلامية.

وإن كان هناك أمل معقود ففي المجاهدين الأفغان، الذين أذيع خبر من خبرهم اليوم، أذاعته السعودية نكاية في أعدائنا، منذ عشرين يوما يحاصرون خمسمائة جندي روسي بدباباتهم وأسلحتهم، والخبر لم يُذِعْهُ الشيخ أحمد القطان حتى لا تقول الصحف العلمانية العميلة: إنه يثير معارك جانبية لكي يلهي الأمة العربية عن قضايا المصير، وإنما تُذِيعُهُ حكومة سعودية رسمية حامية للحرمين، تقول: «وقد سيطر المجاهدون الأفغان على كتائب الروس وقتلوا منهم مائتين وثلاثين وأسروا مائتين وسبعين وحطموا الآليات والدبابات وعادوا إلى جبهاتهم سالمين»، الأمل معقود بالله أولاً، وبمنهج الله ثانياً، وبالدعاة المخلصين ثالثاً، وبالمجاهدين الذين يرفعون راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ونسحب الثقة، وأزمة ثقة بيننا وبين حكام العرب وبين مجالس الأمة والنواب في جميع العالم العربي إلا من رحم الله، وليسوا بنواب وإنما هم نوائب مصائب، يدورون حيث يدور الطاغوت، هتافة التهريج، كالذباب يتساقطون على موائد الطواغيت.

من للأطفال اليتامى؟ لماذا لا تفتح لهم البلدان المسلمة فتحتضنهم لوجه الله؟ أليس الله بسائلنا يوم القيامة عنهم؟ سيخرج هؤلاء من كوبا ومن سويسرا وفرنسا وإيطاليا وروسيا وقد غُيِّرَت أسماؤهم وأفكارهم وقلوبهم وعقائدهم، وسيأتون يذبحون المسلمين في يوم من الأيام! أتلومون الشاب المسلم في أرض لبنان وفي مخيمات الفلسطينيين إذا ارتد وصار شيوعياً؟ والذي نفسي بيده لا ألومه، لا ربته مدرسة، ولا ربته بيئة، ولا ربته منظمة، ثم فتح عينه على الحياة فرأى أخته يُهرق دم عفتها على الأرض، ويرى أمه تُذبح كما يذبح الكلب، ويرى أباه يُقطع، ويرى أخاه يجول في طرقات الأرض بين الجبال عاريَ الجسد حافي القدم! كيف لا يرتد عن دينه ويكفر بكل شيء؟ لهذا ليتوقع يهود العرب ردة ما بعدها ردة، سيقودها الشباب على أرض لبنان انتقاما منهم، وسيأتي اليوم الذي له ما بعده إن لم يتداركنا الله برحمته، أين الجماعات الإسلامية التي تملك المال والسلاح؟ لو سألتها لماذا لم يدخل المقاتلون المسلمون؟ سيقولون: ما لنا في الأمر حيلة لا تفتح الحدود أمامنا! أرسلنا المتطوعين، والمسلمون حُصِرُوا في سورية وحُصِرُوا في كثير من البلاد العربية هم وأسلحتهم.

أيها الإخوة..

لا ملجأ من هذا الأمر إلا إلى الله، فلنصطلح مع الله ولنتذكر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

وعد النبوة... ضياء لا يعرف الأفول

ولا أذكر هذه المصائب تيئيساً وإنما عبرة، وأزف إليكم بُشْرَى الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم: «لقد زويت لي الأرض وإن هذا الدين سيبلغ ما زوي لي منها، إن أمر هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وسيدخله الله كل بيت بعز عزيز أو بذل ذليل، بعز يعز الله به الإسلام وذل يذل به الله الكفر» (رواه مسلم)، «تكون فيكم النبوة ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عَاضًّا ما شاء الله له أن يكون، ثم يرفعه الله إذا شاء أن يرفعه، ثم تكون حكماً جبرياً ما شاء الله له أن يكون، ثم يرفعه الله إذا شاء أن يرفعه، لا ملجأ إلا إلى الله، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة» (رواه أحمد)، وسكت صلى الله عليه وسلم.

واعلموا، أيها الإخوة، أن هلاك الطاغوت في ذاته، كلما ظلم، كلما استشرى، كلما تجبر، فإن أجله يَدْنُو إلى حتفه لا محالة: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (الأنعام: 123)، لمن؟ لليتامى! دعونا من أمر اليتامى أبناء المسلمين الفلسطينيين، لماذا تغلق أمامهم الجامعات والمدارس لماذا؟ لماذا تستوعبهم جامعات روسيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا الشيوعية، ومدارس العالم الإسلامي وجامعاتهم تغلق في وجههم لماذا؟ أليسوا مسلمين؟ أليسوا عربًا؟ أليسوا مُوَحِّدِينَ؟ أليس هذا من أعظم مؤشرات التآمر على الإسلام والمسلمين ومقدساتهم؟ ولكن:

لَقَدْ أسمعت لو ناديت حياً     ولكن لا حياة لمن تنادي

 

الخاتمة والدعاء:

اللهم ثقة بعلمك، وثقة بحكمك، وثقة بعدلك، وأنت الله الرحمن الرحيم العدل الحكم اللطيف الخبير القوي الجبار المتكبر، اللهم إنا نشكو إليك ظُلْمَ الطواغيت، اللهم نشكو إليك ظلمهم، اللهم أَرِنَا فيهم يوما أسودَ كيوم فرعون وهامان وقارون وما ذلك على الله بعزيز، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم نسألك قائدًا ربانيًا يسمع كلام الله ويسمعنا، اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرًا رشيدًا يعز فيه وليك ويذل فيه عدوك ويعمل فيه بطاعتك ورضاك يا أرحم الراحمين.

اللهم بك نجول، وبك نصول، وبك نحاول، وبك نطاول، ندرأ بك اللهم في نحور أعدائنا ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم أحزاب طواغيت العرب وطواغيت اليهود وطواغيت الصليبيين وطواغيت الشيوعيين وخذهم أخذ عزيز مقتدر، ربي لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.



تحميل