الأربعاء 15-أبريل-2026 - 27 شوّال ، 1447
جرائم الباطنية
التعريف بالخطبة:
يتحدث الشيخ
أحمد القطان رحمه الله عن تاريخ الباطنية الحافل بالمؤامرات والدماء، مستعرضاً
محطات غدرهم بالأمة منذ العصر النبوي وحتى الواقع المعاصر، ومحذراً من خطر تغلغلهم
في مفاصل الدول، وداعياً إلى التمسك بالعقيدة الصحيحة ووحدة الصف لمواجهة مكرهم
الذي يستهدف العقيدة والأرض.
عناصر الخطبة:
- غدرُ «عُرينة».. حين يُطعن الإحسان بالخيانة!
- خنجر المجوس.. ليلة غدر الفاروق!
- ابن سبأ.. الأفعى التي نفثتْ سُمَّها في جسد الأمة!
- تأليهُ عليّ.. نيران أُوقدت لإحراق الضلال!
- مئة ألف قتيل.. سيف «الخراساني» الملطخ بالدماء!
- نكبة البرامكة.. ضربة هارونية لقمع المؤامرة!
- سرقة الحجر الأسود.. دماء الحجيج في بئر زمزم!
- ابن
العلقمي.. حين فُتحت أبواب بغداد للتتار!
- من طهر «المحرابَ» قبل فتح «الأقصى»؟
- قرامطة العصر.. هل ننتظر التاريخ ليُعيد نفسه؟
إن الحمد لله،
نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، اللهم ألِّف على
الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور،
اللهم اجعلنا هادين مهديين، غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك، حرباً على
أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك.
اللهم إنا نعوذ
بك من زوال نعمتك، وفجاءة نعمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، اللهم أمّن روعاتنا،
واستر عوراتنا، وخفف لوعاتنا، واغفر زلاتنا، وضاعف حسناتنا. اللهم احرسنا بعينك
التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت
رجاؤنا يا أرحم الراحمين.
اللهم من أراد
بنا وبهذا البلد وبلاد المسلمين سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل
تدميره في تدبيره، اللهم أنت ملاذنا ومعاذنا ونصيرنا وظهيرنا وحسبنا ومولانا، فنعم
المولى ونعم النصير، اللهم إنا نعوذ بك أن نضل في هداك، أو نذل في سلطانك، أو نقهر
أو نضطهد أو نغتال أو نفتن أو نعذب، والأمر إليك وحدك لا شريك لك. اللهم منزل
الكتاب، ومجري الحساب، وهازم الأحزاب، اهزم أعداءنا يا رب العالمين. اللهم بك
نجول، وبك نصول وبك نحاول، وبك نطاول، ودرأ بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك اللهم من
شرورهم. اللهم إنا نسألك العافية في الجسد، والإصلاح في الولد، والأمن في البلد.
عباد الله..
أوصيكم ونفسي
بتقوى الله، العاصم من القواسم، الحبل المتين، والصراط المستقيم، تكشف الهموم،
وتدفع الغموم، وتبطل مكر الماكرين، وشر الأشرار، ألا إنها تقوى الله؛ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).
وأصلي وأسلم على
خير الخلق محمد، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة. اللهم لا تفتنا
بعده، وأوردنا حوضه، ولا تحرمنا أجره، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر
الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذي النورين، وعليّ أمير المؤمنين، وعن أصحاب محمد
رضي الله عنهم وأرضاهم. اللهم إنا نشهدك على حبهم، اللهم احشرنا وإياهم تحت ظل
عرشك، اللهم العن من يلعنهم، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، الذين يكفّرون أصحاب
نبيك، ويتهمون أمهات المؤمنين في أعراضهن فسلط اللهم بأسك عليهم.
اللهم عليك
بالباطنيين الحاقدين، الذين يتآمرون على ديننا، وأرضنا، وأعراضنا، أرنا فيهم عجائب
قدرتك، وحقق فيهم دعوة عبدك نوح: (رَّبِّ
لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) (نوح: 26)،
اللهم أرنا فيهم يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون، وما ذلك على الله بعزيز،
اللهم روّعوا الأطفال فلا ينامون في الليل إلا قليلاً، فروّعهم، اللهم عرّضوا
أعراضنا للانتهاب، فعليك بهم، اللهم ثقة بعلمك، وثقة بحكمك، وثقة بعدلك، افتح
بيننا وبينهم بالحق، وأنت خير الفاتحين.
غدرُ «عُرينة».. حين يُطعن الإحسان بالخيانة!
أما بعد، أيها
الأحباب الكرام..
الباطنية الحاقدة ، السوداء، ذات الرياح الصفراء العقيمة، عانى منها الإسلام، وعانى منها
المسلمون عبر التاريخ. ابتداء من عهد محمد صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه تسعة نفر
من عرينة، فبايعوه على الإسلام ظاهراً، وأبطنوا الكفر باطناً، وهنا تكمن الخطورة
يوم أن يصافحك عدوك باليمين، ويطعنك بالشمال، ووثق بهم محمد صلى الله عليه وسلم،
فأسكنهم المدينة، وأعطاهم من مال الزكاة، وأصبح لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على
المسلمين، ولكن الله الذي يعلم ما انطوت عليه قلوبهم، ابتلاهم بمرض الحمى في
المدينة، حتى اسودّ جلدهم، ودق عظمهم، والنبي صلى الله عليه وسلم، نبي الرحمة،
مأمور بأن يعامل الناس حسب ظواهرهم، فقال: «قُومُوا، فَقَدِ اسْتَوْخَمْتُمْ جَوَّ
المَدِينَةِ وَهَوَاءَهَا، اخْرُجُوا خَارِجَ المَدِينَةِ، وَاتَّبِعُوا إِبِلَ
الصَّدَقَةِ، وَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، تُشْفَوْنَ بِإِذْنِ
اللَّهِ» (أخرجه البخاري (233)، ومسلم (1671))، فقامت وتبعوا الإبل، وشربوا الوصفة
الطبية النبوية، فشافاهم الله سبحانه.
فكان هذا
الجزاء، جزاء المعروف والإحسان أن قتلوا راعي إبل الصدقة، وقطعوه في الصحراء،
وطردوا الإبل أمامهم وسرقوها وولوا مدبرين. فشكّل النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل
دورية تطاردهم، حتى جاءت بهم، أذلاء مكبلين، فأمر بهم، فوضعوا على حرة المدينة،
والحرة «صخرة سوداء» كأنها السكاكين واقفة، فالذي لا يرضى بأمان المدينة الآمنة،
والذي لا يرضى ببيوتها العامرة، والذي لا يرضى بمساجدها الطيبة، والذي لا يرضى
باليد الكريمة التي تمتد إليه، فلا موقع له إلا على الصخور السوداء، التي تعبر عن
سواد قلبه وسواد نيته. وأمر صلى الله عليه وسلم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف،
ثم أمر بتحمية المسامير في النار ثم سمل عيونهم، وألقاهم ينزفون على الصخور وهم
يصيحون أعطونا الماء، فلم يأذن لهم بشربة ماء، حتى هلكوا، وكان هذا هو حكم الله
فيهم؛ (إِنَّمَا جَزَاءُ
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا
أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ
خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) (المائدة: 33).
خنجر المجوس.. ليلة غدر الفاروق!
ويستمر التآمرعلى الإسلام والمسلمين، ويأتي من أرض فارس والمجوس، رجل اسمه أبو لؤلؤة المجوسي،
عليه لعنة الله، وقد توسط لإحضاره، وشفع له من أظهر الإسلام وأبطن الباطنية، وذات
يوم وعبيد الله بن عمر يمر على ثلاثة واقفين، الهرمزان، وغلامه، وأبو لؤلؤة
المجوسي، فلما مر بجوارهم عبيد الله بن عمر، سقط الخنجر من يد أبي لؤلؤة المجوسي،
فإذا به يرى خنجراً ذو حدين، يلوح السم من لسانه. فقام أبو لؤلؤة وأخفى الخنجر،
وعبيد الله بن عمر، ما خطر بباله أن هذا الخنجر هو محور التآمر للقضاء على
الفاروق، سيد العادلين بعد صاحبيه رضي الله عنه.
ويأتي الفاروق
لصلاة الفجر، وفي الظلام قد التوى عدو الله خلف باب المسجد، وما إن دخل الفاروق حتى انقض عليه، فطعنه في جنبه، ثم قطعه إلى خاصرته، ثم انكب عليه من أعلاه إلى
أسفله، فصاح عمر: كلب عقرني، وكان يظن أنه كلب عقره وعضه. ولكنها كلاب بشرية،
وذئاب بشرية، وقفز الصحابة رضي الله عنهم، فأخذ عدو الله يجول بهم ويصول، فقتل أحد
عشر صحابياً، حتى قام كثير منهم، وطووا عليه الحصير، حتى استطاعوا أن يمسكوه، فلما
أحس أنه ألقي القبض عليه، طعن نفسه وانتحر. صورة تتكرر في كل زمان ومكان، لهذا
الصنف المدمر المجرم.
ابن سبأ.. الأفعى التي نفثتْ سُمَّها في جسد الأمة!
وتستمر
المؤامرة، وتؤول الخلافة إلى عثمان ذي النورين، الذي مد الله الأرض بين يديه
بالخير، وجاء عبدالله بن سبأ، اليهودي، الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وألَّب أهل
مصر والعراق عليه، فجاؤوه وحاصروه، وذبحوه، والقرآن بين يديه يقرأه. وتستمر
المؤامرة، يوماً بعد يوم، حتى رأيناهم يؤلهون علياً بن أبي طالب في حياته، وبعد
مماته، إذ جاء نفر إليه وقالوا: أأنت هو؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: أنت الله، فقال:
أعوذ بالله، أعوذ بالله، من يقول بقولكم؟ قالوا: كثير، فأمر بإحضارهم، وحفّر
الخنادق، وأشعل فيها النار ترهيباً لهم، حتى ينخلعوا من عقيدة الشرك، فأبوا، فأمر
قائد حرسه قنبراً أن يلقيهم في النار، فألقاهم.
يقول علي:
لَمّا رَأَيتُ
الأَمرَ أَمراً مُنكَراً أَجَّجتُ ناري
وَدَعَوتُ قَنبَرا
ثُمَّ
اِحتَفَرتُ حُفَراً وَحُفَراً وَقَنبَرٌ
يَحطِمُ حَطماً مُنكَراً
فتقاذفوا في
النار ينتحرون فيها، ويقولون: الآن هذا يقيننا بأنك الله، لأنه لا يحرق بالنار إلا
صاحب النار.
تأليهُ عليّ.. نيران أُوقدت لإحراق الضلال!
وتستمر
المؤامرة، حتى إذا ما استشهد عليّ رضي الله عنه على يد الخوارج، جاء من ينادي ابن
سبأ وأتباعه، يقولون: إن علياً لم يمت، إنه مرفوع في السحاب، في مملكة السحاب،
الرعد صوته، والبرق سيفه، فإذا سمعوا الرعد ورأوا البرق قالوا: سبحانك، سبحانك يا
أمير المؤمنين. وطمس الإسلام في قلوبهم، فلم يبق لهم منه شيء، وتآمر الباطنيون على
دولة بني أمية، وأخذوا يدخلون في وزاراتها رويداً رويداً حتى تمكنوا، ثم بدؤوا
يقيمون لهم ثورات هنا وهناك في خراسان وفي غير خراسان، حتى استطاعوا أن يقضوا على
دولة بني أمية، فما نجا منهم إلا واحداً، فر سابحاً عبر النهر حتى دخل أفريقيا،
وهو صقر قريش عبدالرحمن الداخل.
مئة ألف قتيل.. سيف «الخراساني» الملطخ بالدماء!
وقتل الشعوبي
المجوسي الفارسي الحاقد أبو مسلم الخراساني، والي خراسان، في يوم واحد من المسلمين
العرب مئة واثنين وستين ألفاً صبراً بالسيف، حتى قال أبو جعفر المنصور لأخيه
الخليفة العباس: اتق الله، إن في سيف أبي مسلم رهقاً، فأمر باستدعائه، فلما دخل،
سلّم على السفاح، ولم يسلم على ولي عهده حقداً لأنه كان يعارض المبدأ، ويموت
السفّاح، وتؤول الخلافة لأبي جعفر، فاستدعاه من خراسان، فجاء وفي حراسته عشرون ألف
أعجمي باطني حاقد، وضرب معسكره قريباً من بغداد، فقال له أبو جعفر: إني عازم على
الحج، فتعال إليّ في القصر، فأيقن عدو الله بالهلاك، فضرب كفاً بكف، وجاء وهو شاق
السلاح، وقد أحضر المنصور داهية العرب، أحضر أربعة من قطّاع الطرق، أخفاهم خلف
الستار، فلما دخل عليه وجلس بين يديه، ثم قال له أبو جعفر المنصور: أتذكر حين دخلت
على أخي وأنا موجود، فلم تسلّم عليّ، فلما قلت لك، قلت: حق السلام لأمير المؤمنين،
ليس لي؟ أتذكر إذ قتلت بسيفك هذا مائة ألف مسلم في خراسان ويزيد؟ قال: في توطيد
ملككم يا أمير المؤمنين، قال: أرني هذا السيف، فلما سله المنصور رفعه وهوى به على
رأسه، فتلقى عدو الله ضربة المنصور بالوسادة، فجاء قطّاع الطرق من حوله، فتناهبوه
بالسيوف، وأراح الله منه البلاد والعباد، واحتار المنصور ماذا يفعل بالجيش العرمرم
الذي يحرسه، فتح خزائن الدولة، وأخرج دنانير الذهب، وصعد على القلاع والحصون، وأخذ
ينثرها لجيشه، فلما رأوا الذهب جاؤوا يلتقطونه؛ لأنهم مرتزقة، وألقى عليهم رأس أبي
مسلم الخراساني، فرفسوه بأرجلهم، ثم أخذوا الذهب وعادوا إلى خراسان، وارتاحت الأمة
الإسلامية من أعظم متآمر أباد البلاد والعباد.
نكبة البرامكة.. ضربة هارونية لقمع المؤامرة!
ويستمر التآمر بعد ذلك، في خلافة هارون الرشيد رضي الله عنه، الذي كان يقول للسحابة: أمطري حيث شئت، فإن خراجك يأتيني بإذن الله، وكان يجاهد عاماً ويحج عاماً، فشوّهوا سمعته، وعلى رأس المشوهين لسمعته الباطني الشيعي الحاقد الأصفهاني، في كتابه «الأغاني» الذي جعل هارون الرشيد «أراجوز» يسكر ويمكر ويلعب بالجواري، ويفعل الأفاعيل، كل ذلك لأن هارون الرشيد انتقم من البرامكة الشعوبيين الحاقدين. وحتى هذه اللحظة، سمعة هارون الرشيد ملوثة عند عموم المسلمين، هارون الرشيد، المجاهد الحاج، الذي استشهد في الجهاد هناك في طوس على حدود الروم.
دخل يوماً قصره
وعليه الهموم، وقال: يا مسرور، ما لي أرى قصور البرامكة، يدخل الناس عليها
ويخرجون، وقصري لا يأتي إليه أحد، ويأتي الخوارج فيضربون حصاراً على قصر الخليفة،
وقد استولوا على الموصل حتى حاصروا بغداد، وهارون يقول لجعفر بن يحيى البرمكي
وأخيه الفضل: أين جيوشكم؟ الفضل عنده آلاف مؤلفة من الحرس الخاص، لماذا لا يحمينا
الخوارج، فقال: لا عليك يا أمير المؤمنين، فبغداد محصنة، لا يستطيعون دخولها ولا
فتحها، وكان عدو الله يتآمر، حتى إذا اقترب الخوارج يعقد معهم معاهدة صلح، للقضاء
على الخليفة والإسلام، ولكن الله فتح على هارون الرشيد، إذ أرسل إلى حرس البوادي
بقيادة يزيد بن مزيد الشيباني، فجمع حرس البوادي كلهم، وشن حرباً ضد الخوارج، حتى
قتل قائدهم الوليد بن طريف الشاري، فولوا الأدبار، وهنا تفرغ الرشيد للبرامكة.
وذات ليلة لا
ينام، ويرى أنه أصبح خليفة اسماً، لا واقعاً ولا عملاً، عند ذلك قال لقائد الحرس:
اكتم عليّ الأمر، إذا أصبح الصباح، أغلق قصور البرامكة، وصادر أموالهم، ودعها في
بيت المسلمين، ثم أخذ طول الليل يفكر في هذه الليلة، وإذا به يسمع شاعراً يقول:
واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد فقال: لا والله، لست بالعاجز،
ولأستبد بحزم وعزم، يا مسرور: اذهب إلى جعفر بن يحيى وائتني برأسه، وذهب منصور
السياف ودخل على جعفر، وإذا به في جوف الليل الأخير، بدل أن يصلي ويركع لله، قد
وضع الورود والرياحين والجواري والقيان حوله، يقصفون العيدان، فاقتحم عليه مجلسه.
فقال جعفر: يا عدو الله، تقتحم عليّ مجلس مولاك دون إذنه، فتخطى مسرور الرقاب وأسر
في أذنه: أمرني أمير المؤمنين أن آتيه برأسك، فقال جعفر: رحماك، رحماك يا أخي، لك
نصف ثروتي، لا تقتلني، واذهب إلى أمير المؤمنين، فإن سألك عني، فقل له: قد قتلته،
لعله في الصباح يندم، ويعلم أنني على قيد الحياة، لعلها ثورة غضب، فقال مسرور: وما
يضمني أنك لا تهرب، أضعك في الحديد وأغلق عليك الغرفة، فقال: افعل، فوضعه في
الحديد، وأغلق عليه الغرفة، سبحان المعز المذل، سبحان الخافض الرافع، سبحان ملك الملوك،
وذهب مسرور السياف إلى هارون، وإذا به يراه يقطع الغرفة ذهاباً وإياباً، فقال له
مسرور: لقد قتلته يا أمير المؤمنين، فقال له هارون: أحضر الرأس. فعاد مسرور إلى
جعفر، وضرب عنقه بالسيف، ثم أمسكه من فروة رأسه المعطرة الناعمة، ثم وضعها أمام
هارون الرشيد، فأخذ يخاطبه ويقول: يا جعفر، تتآمر عليّ، وتريد إزالة سلطاني، وتخدع
المسلمين، رضعت الحليب من أمك، حتى صرت أخاك في الرضاعة، وأبوك أبي بالرضاعة، وأمك
أمي بالرضاعة وتتآمر عليّ.
أيها الإخوة،
عباد الله..
يتآمر على أخيه
في الرضاعة، هل يرحم غيره، لا ورب الكعبة، وكان هذا جزاء وفاقاً للمتآمرين. ألا
ضربة هارونية لبرامكة القرن العشرين! ألا ضربة هارونية للباطنيين! ألا ضربة
هارونية لمن زعزعوا الأمن وروعوا الصغار، وأفزعوا الأمهات في بيوتها!
سرقة الحجر الأسود.. دماء الحجيج في بئرِ زمزم!
ويمر التاريخ،
وهو يدون أحداثهم، وتكون المجزرة الرهيبة على يد الباطنيين القرامطة، كلهم من
مشكاة واحدة، هؤلاء القرامطة شكلوا دولتهم، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والتآمر
عليه، وقطعوا طريق قوافل الحج، والحجاج الآمنين، لهم أمن من الله، لهم أمن في
المكان، وأمن في الزمان، ففي أول حملة لهم، على الحجاج، أخذوا أموالهم وشقوا قرب
الماء، وتركوهم أطفالاً ونساء ورجالاً، فمات عشرات الألوف بلا ماء، وفي السنة
القادمة، قتلوا الحجاج عن بكرة أبيهم، وفي السنة الثالثة تركوا الحجاج، حتى إذا
جاء يوم عرفة، وفاض الناس، ثم جاؤوا يطوفون حول البيت، هجموا على مكة المكرمة،
وذبحوا الحجاج عند بيت الله الحرام. وأخذوا الجثث، وملؤوا بها بئر زمزم، ثم جاؤوا
إلى الحجر الأسود، ونقضوه وسرقوه، وكسروا مزراب الكعبة الذهب وولوا به هاربين، تحت
اسم من؟ تحت اسم الإسلام، والثورة ضد الأنظمة في ذلك الوقت.
ووالله لقد
سمعتها من إذاعة إيران، يوم أن قالت: سوف نحرر مكة والمدينة قبل تحرير بيت المقدس،
وحجاجهم في كل سنة يثيرون الشغب، وتعاني منه السلطات السعودية أشد المعاناة، لا
نستطيع أن نذكر الله في عرفات، لا نستطيع أن نذكر الله عند بيته، بسبب التشويش
الذي يقوم به الحجاج الإيرانيون، بالميكروفونات، وآخر تقليعة لهم يقومون بها هي
الصياح والتصفيق المصحوب بالأناشيد والأغاني، الذي يشارك فيه النساء والرجال،
بأعلى الأصوات، مما جعلنا نقوم برفع صوتنا بالتلبية لنغطي على غناء وأناشيد رجالهم
ونسائهم. وما صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية، ويمتد الأداء، وتعذر السلطات
السعودية فيهم، لأن المؤامرة لم تكن للكويت فقط، إنما بلغني أنها ممتدة الأطراف،
الأخطبوط على الخليج كله، ومن ضمنهم السعودية.
ولقد كانت
المؤامرة أبعد من ذلك، فالضربة الحقيقية ليست ضربة النهار، إنما هي ضربة الليل،
إذا كان التعتيم بانقطاع الكهرباء، والتسميم والحرائق التي لا تطفأ بالمصفاة،
والمطار يتعطل من استقبال الطائرات، عند ذلك يقومون بهجومهم الحقيقي، بالأسلحة
التي شاهدتموها في التلفاز، لا يتركون مؤسسة ولا مركزاً ولا بيتاً إلا ويدمرونه،
ولكن الله لطف، ولكن الله سلم، ولكن الله رحم، بدعاء الصالحين المصلحين، بدعاء
العجائز الركع، والأطفال الرضع، والبهائم الرتع. نسأل الله سبحانه وتعالى أن
يحفظنا بحفظه، ويكلؤنا برعايته، ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة أعين أو أقل من ذلك، هو
ولي ذلك والقادر عليه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه، إنه هو الغفور
الرحيم.
ابن العلقمي.. حين فُتحت أبواب بغداد للتتار!
الحمد لله رب
العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله الله ولي الصالحين، وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، أيها
الأحباب الكرام.. ويستمر التاريخ، يسود صفحاتهم بأحداث دامية، فحتى نهاية الخلافة العباسية في عهد المستعصم بالله العباسي، استطاع الباطنيون أن يصلوا إلى وزارة
الدولة، فأصبح المستشار الأول والثاني منهم؛ محمد بن أبي الحديد، ومحمد بن
العلقمي، وأخذوا يدمرون الدولة من داخلها تدميراً، ويوم أن يصل هؤلاء إلى النظام
وإلى الحكم، فقل على الأمن والسلام والأعراض العفاء، نعم، وإننا والله في كثير من
الجلسات التي تعقد أن كثيراً من الأخبار وأسرار دول الخليج لتخرج إلى أعدائها،
كيداً وحقداً، لأنهم وثقوا بهم، وأوصلوهم إلى المقام الذي يجب ألا يصلوا إليه.
ويتآمر نصير
الدين الطوسي، وهو مستشار الوثني المغولي هولاكو. كيف يلتقي مسلم مع وثني، إن كان
صادقاً في إسلامه؟ نصير الدين الطوسي، الذي يقول عنه حاكم إيران، لقد شُرخ الإسلام
بموت نصير الدين الطوسي، الإسلام تحطم بموت نصير الدين الطوسي، وهو وزير هولاكو،
وتآمر هو مع ابن العلقمي، وابن أبي الحديد، وذهبوا إلى المستعصم بالله، وقالوا: إن
هولاكو ما جاء ليحاربك، إنما جاء ليعاهدك ويصالحك، ويزوجك ابنته إذا أردت، وهو
يدعوك إلى وليمة، وقام الخليفة المسكين هو وأولاده وحاشيته وقضاته وعلماء البلد،
وأركان الجيش، بزيارة معسكر هولاكو على حسب العهود والأيمان التي حلفوا بها، فلما
دخل المخيم، قال هولاكو لجنوده: دعوا الخليفة تحت أقدامكم، ودوسوا عليه حتى الموت،
ثم أمر بذبح جميع أولاده، وأهله ومن كان معه من العلماء، ثم قال لهم: أبحت لكم
بغداد أربعين يوماً.
فدخلوا بها،
يذبحون بالسيف، والسهم، والتحريق، ويطاردون الناس فوق السطوح، ويذبحونهم عند
الميازيب، وهم يتراقصون، واختفى الناس، في البلاليع والآبار، والقبور، وبعد أربعين
يوماً أخذوا المكاتب الإسلامية التي تزخر بالعلم والنور، فألقوها في الأنهار، حتى
صارت مياهها سوداء، وأحرقوها، واشتعلت الحرائق، ثم خرجوا لما دخل الطاعون في
بغداد، لكثرة الجثث في الطرقات، ثم سحبوا النساء والعذارى، حتى إن الرجل منهم يذهب
إلى الحي الكامل، فيقول: أخرج كنوزك وبناتك وذهبك وألحقني بالمقبرة، فإذا ذهب مع
أهله وأولاده، أمرهم بحفر القبور، ثم يذبحهم ويلقيهم فيها، ثم يأخذ النساء والذهب
والكنوز ويولي بهم الأدبار. على أنفاس من كانت هذه المجزرة في التاريخ الإسلامي؟!
ذُبح الملايين في العراق على أنفاس هؤلاء الباطنيين الحاقدين؛ لأن المعاهدة بينهم
وبين هولاكو بعد فتح العراق أن يسلمهم السلطان ويسلمهم الملك، ولكن طلع هولاكو
أذكى منهم، إذ لما قام بتدمير العراق، ضرب بهم عرض الجدار، فمات ابن العلقمي، وابن
أبي الحديد مشلولين من الغل والحقد والكمد. وتستمر المؤامرة، يخرج المساكين بعد
مذبحة هولاكو من البواليع وقد انسلخت أجسامهم من الجوع والمرض، لا يعرف الوالد ولده
إلا باسمه لا بشكله، ثم جاءهم الطاعون، فلم يبق منهم أحداً.
صلاح الدين.. من طهر «المحراب» قبل فتح «الأقصى»؟
وتستمر المؤامرة
أيضاً، فهذا صلاح الدين الأيوبي يريد تحرير بيت المقدس من الصليبيين فلا يستطيع،
بسبب هؤلاء الباطنيين الذين يضعون أيديهم مرة مع اليهود، ومرة مع الصليبيين، ضد
صلاح الدين، فشن حملة شعواء أطاح بجميع الزعامات الباطنية في زمانه، ثم ذهب إلى
مصر، وكانت مصر في عهده كلها باطنية، فأمر بتصفيتها كلها عن بكرة أبيها، وما ترك
باطنياً واحداً منهم، لهذا هم الآن يلعنون أبا بكر، ويلعنون صلاح الدين، لأنهم
يعتقدون أن صلاح الدين هو سبب من أسباب إبادتهم وإخراجهم من مصر، وبعد ذلك استطاع
صلاح الدين أن يحرر بيت المقدس، بعد أن قضى عليهم، وتخلص من مكرهم وكيدهم.
قَرامطة العصر.. هل ننتظر التاريخ ليُعيد نفسه؟
وهذا التآمر
الجديد الذي نعيشه في الخليج.. كيف بدأت الحرب العراقية الإيرانية، لقد بدأت بمثل
هذه التفجيرات، وكلكم كنتم تسمعون الأخبار وتشاهدونها، تفجير في مدرسة، تفجير في
سوق، تفجير في جمعية، حتى ضج الناس، وزعزع الأمن، وتسبب حزب الدعوة هذا، على زعزعة
أمن كثير من أتباعه ومذهبه، إذ قامت السلطات العراقية بأخذهم وجرفهم، وإلقائهم على
حدود إيران، جزاء وفاقاً لمن يزعزع الأمن، واستعرت الحرب بين العراق وإيران،
لمصلحة من؟ لمصلحة العدو اليهودي والأمريكي، الذي يتآمرون علينا في الليل والنهار.
من المستفيد من هذه الحرب الدائرة؟ ودول العالم كلها، وهيئة الأمم، ودول العالم
العربي تنادي الآن بإيقاف هذه الحرب، وهم مصممون على إيجاد هذا المثلث الخطر،
الممتد من الباطنية في الشام، ثم الباطنية في العراق، إن كانت لهم السلطة بعد ذلك،
ثم الباطنية بعد ذلك في الخليج في إيران، تمتد من البحرين والخليج، وتطوق الإحساء
والسعودية، وهذه كلمة قالها حاكم الشام يوماً، يوم أن ذهب إليه وزير مرموق يطلب
منه أن يكون له موقف محدد بينه وبين الخليج، قال: لا، اترك التاريخ يعيد نفسه،
اترك التاريخ يعيد نفسه.. أي تاريخ هذا الذي سيعيد نفسه إلا تاريخ الباطنية المجوسية
الحاقدة.
وبدأت التفجيرات
هنا في الكويت، وجاءت التهديدات حتى إلى بيوت الله، وما من موقف ضدهم إلا
ويستغلونه ويثيرونه، ونحن هنا نطالب الدولة والحكومة أن تأخذ بحزم كل من يتآمر على
الكويت وأمنها، أعراضنا في الكويت، ودعوتنا في الكويت، وديننا في الكويت، ومتنفسنا
في الكويت. نطالب الدولة ألا ترحم كل متآمر كان قريباً أم بعيداً، مرموقاً أو
حقيراً، وإلا ستكون الطامة الكبرى، قرامطة القرن العشرين. أيها الإخوة.. القضية
ليست قضية عشرة أو ستة أو خمسة، إنما هي قضية عقيدة، ومبدأ، ولا يفل العقيدة إلا
العقيدة، لهذا أوجه أهل السُّنة والجماعة، وأقول لهم: اعرفوا عقيدتكم؛ تعرفوا
ربكم، وإذا عرفتم ربكم، نصركم الله، لوذوا بعقيدة أهل السُّنة والجماعة، وعضوا
عليها بالنواجذ، أحيطوا بعلم أسماء الله وصفاته وأفعاله، أحيطوا بعلم العلم الآخر
وعلم الغيب، اعرفوا مبادئ الإسلام، وأركانه وأركان الإيمان، ضعوا أيديكم بأيدي
الدعاة الصادقين؛ لأنهم هم الذين سيقدمون أرواحهم خالصة لتراب هذه الأرض؛ لأن
الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ،
وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ
شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (أخرجه الترمذي (1421)،
والنسائي (4095)).
أيها الإخوة..
عيشوا هذه الحقائق، ولا أريد تلك الكلمة الساذجة التي أسمعها بين الحين والحين، ما
في فرق بيننا وبينهم، كلنا أمة واحدة، لا.. التاريخ يشهد ابتداء من مقتل عمر رضي
الله عنه، إلى آخر تفجير في بلدنا هذا، أننا وهم كما بين المشرق والمغرب، ونحن لا
نريد إثارة فتنة، ولا نريد حرباً ثانية في الخليج، غير الحرب التي تدور، ولكن نريد
أن الذي يريد القضاء علينا، وأن يتعشى بنا، أن نتغدى به قبل أن يتعشى بنا. والذين
يريدون تدمير دعوتنا وأمننا، فإننا نقف جنباً إلى جنب، مع الأمن هنا، ومع الأمن في
الخليج، لأن بوجود هذا الأمن، أخذنا ندعو إلى الله، وكل من يريد أن يزعزع هذا
الأمن فهو يريد زعزعة دعوة الله، فنحن جنباً إلى جنب، شباباً وشيباً، كباراً
وصغاراً، ضد هؤلاء المتآمرين.
وعيشوا الأخوة
الإيمانية أيها الإخوة، أحيوها في كيانكم، والتفوا حول الأخوة الإيمانية
والإسلامية، فإن أمضى سلاح نضعه في أيدي الباطنيين هؤلاء هو تفرقتنا، لا نريد هذه
التفرقة بين الدعاة أنفسهم، تحت مظلات الأحزاب، وروح الحزبية. لا نريد هذه التفرقة
في العصبية والقبلية، لا نريد هذه التفرقة في الحياة الاجتماعية، أو الاقتصادية،
إنما نحن في وطن واحد، وتحتحت دين واحد، وعند أمن واحد، ولنا آمال وطموحات،
وأهداف، ودعوة، يجب أن نلتف حولها، ونقف ضد العدو المشترك الواحد.
الخاتمة والدعاء:
ونسأل الله
سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه ويكلأنا برعايته، ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين،
أو أقل من ذلك، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً
إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شافيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته،
ولا مؤمناً إلا ثبته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً إلا
سترته وأصلحته، اللهم بلا حول ولا قوة إلا بالله، ندفع سوء من أراد بنا سوءاً من
جميع خلق الله، بلا حول ولا قوة إلا بالله، نزيل كيد من أراد بنا كيداً من جميع
خلق الله، بلا حول ولا قوة إلا بالله، نبطل شر وسوء من أراد بنا سوءاً من جميع خلق
الله، اللهم اجعل دائرة السوء تحيط بأعدائنا، يا رب العالمين.
إن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم
تذكرون.
اذكروا الله
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.