الأربعاء 15-أبريل-2026 - 27 شوّال ، 1447

براءة الحسين من الباطنية

55
2026-04-15

التعريف بالخطبة:

يتحدث الشيخ أحمد القطان رحمه الله عن مآسي المسلمين في لبنان وخيانة المليشيات الباطنية لقضية فلسطين تحت ستار الثأر للحسين رضي الله عنه، ويستعرض الحقائق التاريخية لمقتل ريحانة النبي صلى الله عليه وسلم كاشفاً زيف الشعارات الماكرة ومبيناً غدر أهل الكوفة بآل البيت قديماً وحديثاً، وموضحاً براءة الحسين وآل بيته من دماء الأبرياء المسفوكة ظلماً وزوراً.

 

عناصر الخطبة:

  • رسالة إلى عُبّاد المواسم
  • مآسي لبنان.. وحقد الباطنية!
  • مسرحية الطائرة.. حجابٌ لإخفاء عار المجازر
  • اقتلْ فلسطينياً تدخل الجنة.. عقيدة الحقد الأسود!
  • الحسين بن علي.. دماء بريئة من مكر الخائنين
  • ثلاثة وخمسون رسالة.. براءة أم فخ للموت؟
  • مسلم بن عقيل.. غدر البدايات ونهاية الوفاء
  • جيوش الشام ومدينة قيصر.. شهادة النبوة ليزيد
  • صرخة العقيلة.. حين أخرست زينب ألسنة الغدر!
  • لعنة التاريخ.. فاطمة الصغرى تواجه القتلة

 

المقدمة:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله.

أما بعد..

فإن أصدق الحديث كلام الله، وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله، حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وأعطانا الضمان النفسي والمعيشي في التقوى، فقال: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق)، وأعطانا الضمان لذريتنا من بعدنا في التقوى والدعوة إلى الله، فقال سبحانه: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء: 9).

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم. اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين. خلقتنا من عدم، وأسبغت علينا وافر النعم، كبرتنا من صغر، وأطعمتنا من جوع، وشفيتنا من مرض، وسقيتنا من ظمأ، وكسوتنا من عري، وعلمتنا من جهالة، وهديتنا من ضلالة، وحببت إلينا الإيمان وزينته في قلوبنا، وعلمتنا قراءة القرآن وكثّرت حولنا الأحباب والإخوان. اللهم لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

أما بعد، عباد الله..

إني أحبكم في الله، وأسأل الله العلي القدير أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه وعند حوض نبيه وفي فردوسه الأعلى، وأن يتقبل صيامنا وقيامنا.

 

رسالة إلى عُبّاد المواسم

عباد الله..

من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد فات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، من كان يعبدرمضان، ويجعل العبادة مواسم واحتفالات، فإن رمضان قد فات، بما فيه، ورُب صحيح بما يوفى قد خرج اسمه مع الموتى، والله سبحانه وتعالى يعلم نية العبد قبل العبادة، وخلال العبادة، وبعد العبادة، فوا حسرتاه على عباد يعبدون الله في رمضان، ويعصونه في سائر الشهور والأيام! فهو رب شوال، ورب الشهور؛ (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ) (التوبة: 36)، فبادروا إلى الطاعات وواصلوا العبادات وتسابقوا إلى الرحمن في الجنات.

 

مآسي لبنان.. وحقد الباطنية!

أحبتي في الله.. المجازر على أرض لبنان، التي قامت بها مليشيات «أمل»، استمعنا منذ ليلتين أو ثلاث إلى قائدهم وهو يغطي تغطية إعلامية ناجحة، ينقل كلامه، ولقاءه، وحديثه، بخصوص مسرحية اختطاف الطائرة، التي بها يريد تغطية العار، والشنار، والدماء المسفوك التي أبت الأرض أن تشربها، والأعراض المستباحة، التي لا يُغسل عارُها أبد الدهر.. علينا أن نهنئ الناس بالعيد، وأي عيد! عيد اليتامى، والأرامل، والثكالى، والذبح والقتل عبر شهر رمضان، ثم كانت فرحة العيد في نهايته! وكأن شعاره للبغاة في رمضان فرحتان؛ فرحة عند قتله، وفرحة في نهاية شهره!

فهو يهنئ الناس بالعيد، ثم يقول: من منطلق إنساني، قمنا بهذه العملية، عملية اختطاف الطائرة الأمريكية، وإنه يدعو اليهود لكي يطلقوا اللبنانيين فقط، لا الفلسطينيين، وكأن قضية فلسطين ليست من دينه، وليست من عقيدته، وهذا هو الصحيح، إن قضية فلسطين ليست من دين الباطنية وعقيدتهم، لهذا هو لا يطالب اليهود بتحرير القدس والمسجد الأقصى، ولا يطالبهم بتحرير الأسرى الفلسطينيين، إنما يطالبهم بتحرير الطائفيين الحاقدين والمارون وأشباههم، من كل ماحق وشرير، وشيطان، لكي يطلقهم مرة ثانية إلى أرض لبنان، ليمارس وجبة جديدة في ذبح الفلسطينيين.

 

مسرحية الطائرة.. حجاب لإخفاء عار المجازر

وكأنه يقول لأهل لبنان: أنا ما ذبحت الفلسطينيين إلا من أجلكم، وها أنا أقوم بعمل بطولي لكي أستنقذكم من سجون اليهود، واستطاع أن يلفت أنظار الإعلام العربي، وكنت أتمنى أن يغطي الإعلام العربي مجازره، في صابرا وشاتيلا وبرج البراجنة والمخيمات، كنت أتمنى كما غطى الإعلام العربي مقابلاته مع المغني الإيطالي وعشيقته، كنت أتمنى أن يستحضر الإعلام العربي امرأة ثكلى، قد انتهك عرضها، وتحدرت دماؤها، واختلطت بدموعها، وهي تقص علينا الأحاديث والأعاجيب، أحاديث الصبايا التي اغتصبت، والأطفال التي مزقت، والبطون التي بقرت، ولكنهم لا يفعلون. لأن إعلامنا يتلقى التوجيهات من أعدائنا، ما يرسم العدو له هو الذي يقوم بتمثيله.

ويتقطع القلب ألماً وحسرة، وأنا أتابع هذه التغطية التي طالت أكثر من خمس دقائق، وهو ينادي بالإنسانية، الإنسانية في استنقاذ الرهائن، واستنقاذ المخطوفين في رمضان! أي إنسانية تلك! وراجعت شعارات «أمل»، التي تحت مظلتها ذُبح المسلمون، من الفلسطينيين على أرض لبنان، فوجدت شعاراً رفعه داود الداود، أحد قادة «أمل»، يقول فيه: إن ما قمنا به من ذبح الفلسطينيين ما ذلك إلا انتقاماً للحسين، أي حسين؟! الحسين بن علي رضي الله عنه، يذبحون المسلمين في شهر رمضان من أجل الحسين!

 

اقتلْ فلسطينياً تدخل الجنة.. عقيدة الحقد الأسود!

ثم رفعوا شعار «اقتل فلسطينياً تدخل الجنة»، ومن البديهي أن قتل الفلسطيني معناه نصرة يهود؛ لأنه لا يوجد من يحمل السلاح الآن لحرب اليهود إلا الفلسطيني. ومعناه نصرة أمريكا، نصرة الدين الباطل والعقيدة الزائفة، والشعارات الماكرة، والأحزاب الظالمة، هذا معنى قتل الفلسطيني، ولا يوجد معنى آخر له. إن طالت الخطبة تحملوني.

فلنعد إلى الوراء قليلاً لنرى قضية مقتل الحسين الذي من أجله، كما يزعمون، ذبحوا آلاف الفلسطينيين، وأجهزوا على الجرحى، ودمروا البيوت على من فيها، ومنعوا العلاج عن الأطفال، حتى مات أكثر من مائة بالكوليرا، تعفنت الجثث، حتى إنها لم تجد من يدفنها إلا بعد أيام في قبور جماعية، استقصوا وتتبعوا بالهويات الجرحى في سائر المستشفيات فأجهزوا عليهم، كل ذلك قربى للحسين، الحسين رضي الله عنه بريء منهم، وآل البيت برآء منهم.

لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم، كان خليفتَه بإجماع الأمة أبو بكر، رضي الله عنه، ثم سار على سيرته عمر، ثم سار على سيرته عثمان، ولكن الشق في عهد عثمان اتسع، إذ كثرت الفتوحات، ودخل في دين الله أفواج كل زاعق وناعق، من الباطنيين واليهود، وفلاسفة الفرس، واليونان وغيرهم، وبدؤوا يبثون أفكارهم الباطنية والشعوبية الحاقدة، فثار عبدالله بن سبأ اليهودي على عثمان رضي الله عنه، وألَّب الناس عليه حتى قتلوه، فلما قُتل، كانت نسبة المجتهدين من الصحابة كثيراً، فاجتهد كثير منهم بالثأر للإمام والخليفة المقتول عثمان، فخرج معاوية في الشام يطلب دم عثمان، وخرج طلحة، والزبير، يطلبان بدم عثمان، وعليّ رضي الله عنه وأرضاه لم يتمكن من توطيد الخلافة حتى يقتص من قتلة عثمان، وإن كان جيل الصحابة مجتهدون، لا يتقاتلون عن هوى، أو شهوة، أو رئاسة، أو كرسي، إنما حسبما يوصلهم الدليل الشرعي، فماذا نقول لمنظمة «أمل» وهي تقتل المسلمين.

 

الحسين بن علي.. دماء بريئة من مكر الخائنين

وآلت الخلافة بعد عليّ، لما خانه أهل الكوفة من أتباعه، وقتله ابن ملجم، من الخوارج، آلت الخلافة إلى الحسن رضي الله عنه، تلفت الحسن رضي الله عنه يميناً وشمالاً فلم يجد له أنصاراً، وجد أتباعه وهم يزيدون على أربعين ألفاً، كلهم قلوبهم معه، وعواطفهم ودموعهم، وبكاؤهم، وخياناتهم، وسيوفهم مع أعدائه، فلم يتمالك الحسن وقد تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم له: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ طِائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (أخرجه البخاري، 2704)، فحقق الله نبوة نبيه، وتقدم الحسن إلى معاوية، وتنازل له بالخلافة، فأخذها معاوية رضي الله عنه، وكان قوياً بجيش الإسلام، وقبائل مضر، فاستقرت الفتنة في عهده، وساس الدولة خير سياسة، وصار سنتين كاملتين على خطة عمر رضي الله عنه، لكنه لم يستطع أن يكمل؛ لأن الشق اتسع، وفُتحت البلاد، ودخل أناس في الإسلام لم تربيهم غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا آيات القرآن الكريم، فيهم المرتزقة، وعبّاد الشهوات، فأخذ معاوية يسوسهم سياسة خاصة.

ولما قاربت نهايته، وانتهى أجله، وكان ورعاً تقياً رضي الله عنه، أمّنه النبي على وحيه، فجعله من كتَّاب الوحي، واستفتح النبي من بني أمية أول والٍ وأمير في حياة النبوة على مكة، وأرسل إلى اليمن والياً منهم أيضاً، وفي نهاية أجل معاوية تلفت يميناً وشمالاً فوجد أبناء الصحابة، ووجد بعض الصحابة، فيهم الفاضل، وفيهم المفضول، ولكن الفاضل منهم لا سيوف معه، ودولة الإسلام قد امتدت إلى مشارق الأرض ومغاربها، وتحتاج إلى سيوف ضاربة، فالروم يرسمون خطط إبادة المسلمين، وبقايا الفرس يرسمون خطط إبادة المسلمين، واليهود يرسمون خطط إبادة المسلمين، وكل دين معاد للإسلام يرسم خططه في الداخل والخارج، فأصبح الخليفة يجب أن يكون معه سيوف قوية، ضاربة، وجيوش جرارة، لتحفظ بها الأعراض، ولتقمع بها الفتن، وليضربها بيد من حديد، فديننا ليس دين عواطف ودموع وأحزان، فلم يجد إلا ابنه يزيد، لوقوف القبائل المضرية معه، والتفاف جيوش الشام معه، وما قام قائم ضده إلا وانقمع، إلا وانهزم، والسر في الهزيمة، أن العواطف مع الثائر، والسيوف مع غيره، فلا يتمالك الوقوف أما جيوش الشام.

 

ثلاثة وخمسون رسالة.. براءة أم فخ للموت؟

وكان من ضمن الثائرين الحسين بن علي رضي الله عنه، لأنه يرى نفسه فاضلاً، ويزيد مفضولاً، مع أن العلماء والفقهاء والصحابة أجازوا إمامة المفضول على الفاضل، ما دام عنده أهل الحل والعقد يستشيرهم، جاءت رسائل أهل الكوفة، متى؟ في العاشر من رمضان، إلى من؟ إلى الحسين، وهو في مكة، يقولون له: لقد أينعت الثمار، فأقدم إذا شئت، فإن لك في الكوفة جنداً ينتظرونك، وما كان الحسين يريد الخروج، حتى أرسلوا إليه ثلاثة وخمسين رسالة في رمضان، من أجل ذلك كانت مذابح المسلمين في رمضان، وتفجير موكب الأمير في الأسبوع الأول من رمضان، والربط التاريخي ثلاثة وخمسين رسالة، أُرسلت من أهل الكوفة إلى الحسين يدعونه بالثورة على يزيد، وقد استقرت الدولة الإسلامية مع خليفتها، واندحرت الفتن، وحقنت الدماء، فأرادوا إسالة الدماء من جديد، وأرسلوا إليه في رمضان، لهذا يريدون بهذه الذكرى التي أرسلوا فيها الرسائل إلى الحسين، لكي يقوم بثورته، أن يكفّروا عن ذنوبهم لتخاذلهم عنه وتركهم يذبح ويقتل على النهر، فأرادوا أن يجددوا، فذبحوا الفلسطينيين من أول رمضان إلى آخره، وفجروا موكب الأمير، من أجل ماذا؟ قالوا: انتقاماً وثأراً من أجل الحسين. إذاً، اعرفوا السر الذي من أجله ذبحوا الفلسطينيين في رمضان.

ومن شهر رمضان، إلى شهر الحج، كانت الرسائل لا تنقطع، فأرسل الحسين ابن عمه، مسلم بن عقيل، إلى الكوفة، فضاع في الطريق، ومات من معه عطشاً، فكتب رسالة إلى الحسين، يستعفيه من هذه المهمة المشؤومة، فقال له الحسين رضي الله عنه: ما منعك إلا أنك جبنت، قال: والله ما جبنت، ثم واصل المسير إلى الكوفة.

 

مسلم بن عقيل.. غدر البدايات ونهاية الوفاء

كان الوالي على الكوفة النعمان بن بشير، رضي الله عنه، وهو صحابي جليل، ولكنه كان عابداً زاهداً لا يستطيع أن يضرب بيد من حديد، فكان يقول للثوار في الكوفة: لا أقاتلكم حتى تقاتلوني، فكتب يزيد إلى عامله في البصرة عبيد الله بن زياد: إنني أقلت النعمان، وضممت الكوفة إليك، والكوفة فيها فتنة فاقمعها، فابحث عن مسلم بن عقيل داعية الحسين، كما تبحث عن الخرزة، ثم اقتل مسلم بن عقيل واقمع الفتنة قبل أن تجري دماء المسلمين.

فجاء عبيد الله بن زياد عامل البصرة وضم إليه الكوفة، وأخذ يبحث عن مسلم بن عقيل فوجده فقتله، ولكن مسلماً بن عقيل أرسل رسالة إلى الحسين، قبل إلقاء القبض عليه، يقول له: لقد بايعك في الكوفة اثنا عشر ألف مقاتل، وهم ينتظرون قدومك، فأقدم إليهم، وقد أخذ منهم مسلم بن عقيل البيعة منهم للحسين، فلما وصلت الرسالة إليه تجهز الحسين للخروج في العشر من ذي الحجة، فأمسكه ابن عباس، وأمسكه أخوه محمد بن عليّ، وأمسكه عبدالله بن جعفر، وأمسكه عبدالله بن عمر، وأجلاء الصحابة يبكون، ويترجونه ألا يخرج، فأبى إلا الخروج. ابن عباس، وابن عمر، مشايخ الصحابة، لم يستطيعا إثنائه، لأن قدره كان يسوقه إلى حتفه.

تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فأخبر والده رضي الله عنه، بأنه سيُقتل على النهر، وكان عليّ رضي الله عنه يلقن هذا الحديث للحسن والحسين، والحسين يعلم من نفسه أنه سيُقتل، ولكن إذا نزل القدر عمي البصر، فلا رادّ لما كتبه الله. وخرج رضي الله عنه بأبنائه وإخوانه ونسائه، فلما قارب من الكوفة وصلته الأخبار بأن مسلماً ابن عمه قد قتل، وأن أهل الكوفة كلهم بمن فيهم الاثنا عشر ألفاً الذين بايعوه اشتراهم عبيدالله بن زياد بالمال، أين الدين؟ أين العقيدة؟ أين العهد والميثاق والبيعة؟! عبيد الله بن زياد جمع زعماءهم وقال لهم: ماذا تريدون؟ ماذا سيعطيكم الحسين؟ أنا سوف أعطيكم أكثر منه، فنقضوا البيعة، فأصبح لا يستطيع أن يرد، ولا يستطيع أن يواصل، حتى وصل عند النهر، فخيم عند النصب، فحاصره عبيد الله بن زياد بستة آلاف، والحسين ليس معه غير بضع وسبعين. فقال له الحسين: ائذن لي أن أذهب إلى أمير المؤمنين يزيد أتفاهم معه في الموضوع؟ قال له ابن زياد: لا، حتى تنزل على حكمي أنا، فأنا الحاكم هنا. فرفض الحسين، فقتله جنود ابن زياد، ولم يبق من أولاده غير عليّ زين العابدين، وعمر، تصوّر الحسين يسمي ابنه عمر، عمر بن الحسين، لمحبته لعمر رضي الله عنه، مع أن مليشيات «أمل» الآن تسب عمر، وتعلن عمر.

 

جيوش الشام ومدينة قيصر.. شهادة النبوة ليزيد

ولما بلغ الأمر إلى يزيد وهو في الشام بكى بكاء، ثم قال: لو كنت صاحبه لما قتلته، ولو فديته ببعض أولادي، وما رضيت بقتله، ثم أخذ نساءه فأنزلهن في القصر مع نسائه، وأخذن يبكين، وأقام العزاء، يستقبل عزاء الناس ثلاثة أيام، ثم كان لا يأكل الطعام إلا بحضرة عمر وعليّ أبناء الحسين، ثم بعد ذلك شيعهم وأوصلهم إلى المدينة مكرَّمين معززين، ويزيد هذا، البخاري يروي حديثه، وأحمد بن حنبل في كتابه الزهد يروي حديثه، والليث بن سعد يسميه بأمير المؤمنين، ومليشيات «أمل» يلعنون يزيد في مواسمهم، ويوزعون المشروبات ويقولون: «اشرب وزيد، والعن يزيد».

والرسول صلى الله عليه وسلم تنبأ له بالمغفرة ووجوب الجنة، فقال: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا» (أخرجه البخاري، 2924)؛ أي قد أوجب الله لهم الجنة، وكان فيهم يزيد رضي الله عنه، ويقول: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ» (أخرجه البخاري: 2924)، فكان يزيد هو قائد الجيش الأول الذي غزا القسطنطينية، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلن عن مغفرة الله له، ووجوب الجنة له ولأصحابه، وهم يلعنونه في الليل والنهار.

وإذا أردنا أن نأخذ التقرير الصحيح، لا نأخذه من كتب التاريخ التي تشتم يزيد، فإن كتب التاريخ كُتبت في الخلافة العباسية، التي قامت على عداوة الخلافة الأموية، والمؤرخون لا يتحرون السند، ولا يتثبتون في الحقائق، وإنما يحتطبون احتطاب ليل، ولكن خذ الكلام الصحيح من البخاري، ومن أحمد بن حنبل، وابن تيمية، والإمام الغزالي، والليث بن سعد، وأمثالهم، حتى إن محمداً بن الحنفية وهو أخو الحسين ذهب إلى زيارة يزيد في الشام.

ثم ماذا حدث، أيها الإخوة، من هذه المعركة، التي خذل فيها أهل الكوفة الحسين بن عليّ رضي الله عنه، كان سبب البيعة يزعمون أن يزيد يشرب الخمر، فأراد أهل الكوفة من أصحاب الحسين تطهير الأرض من خمر يزيد، كما يزعمون، ولكنهم أهرقوا دم الحسين، وأهملوه حتى ذُبح، إنما قتله من بايعه ثم خذله، ولم ينصره، وفي الخطبة الثانية، سأذكر لكم أقوال أهل الحسين أنفسهم، وهم يمرون على أهل الكوفة متجهين إلى الشام، يقررون من القاتل الحقيقي، ومن الذي يجب أن يُثأر منه، لا الفلسطينيين ولا العرب المسلمين، من أهل السُّنة والجماعة، إنما الثأر للحسين، يجب أن يكون في مليشيات «أمل»؛ لأن أجدادهم وأسلافهم هم الذين أخذوا الحسين من مكة، ثم تركوه وخذلوه، حتى قتله أعداؤه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله، فاستغفروه.

 

صرخة العقيلة.. حين أخرست زينب ألسنة الغدر!

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين.

أما بعد، أيها الأحباب الكرام..

ولنعد إلى خطب الإمام عليّ، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم زين العابدين بن الحسين، ثم بعد ذلك زينب أخت الحسين، وفاطمة الصغرى.. فماذا قالوا؟

أما عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد كان يلتفت حول أتباعه وأصحابه، فلا يجد منهم نصرة، وخاصة في آخر أيامه، سكن الكوفة، فماذا قال لأهل الكوفة: استمعوا، ولتستمتع مليشيات «أمل» وكل من يدين بدين «أمل»، ماذا قال عليّ، وكل هذه الخطب والموضوعات، من كتبهم وليس من كتبنا، يقول الإمام عليّ رضي الله عنه: الدليل والله من نصرتموه، يا أهل الكوفة، منيت بكم بثلاث واثنتين: صم ذو أسماع، وبكم ذو كلام، وعمي ذو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا إخوان صدق عند البلاء، يا أشباه الإبل، غابت عنها رعاتها، كلما جُمعت من جانب تفرّقت من جانب آخر، إن حوربتم خورتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، أحمد الله على ما قضى من أمر وقدّر، وعلى ابتلائي بكم، أيها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع، وإذا دعوت لم تجب. (كتاب نهج البلاغة).

ثم هذا الحسن رضي الله عنه، لما حقن دماء المسلمين وبايع معاوية، جاؤوا وقالوا له: أنت الحسن، أنت الذي يسمونك أمير المؤمنين، بل أنت عار المؤمنين، يسمونه عار المؤمنين وهو إمام، ماذا يقول الحسن رضي الله عنه: أرى والله أن معاوية خير لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لئن آخذ عهداً من معاوية، أحقن به دمي، وأؤمّن به في أهلي، خير لي من أن يقتلوني، عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، لا يصلح لي منهم من كان فاسداً، إنهم لا وفاء لهم ولا ذمة، في قول ولا فعل. (من كتاب الاحتجاج للطبرسي).

أما الحسين، فلما خذلوه، وتركوه وحيداً عند النهر يُقتل، ماذا قال لهم؟ قال: تباً لكم أيها الجماعة، وبئساً، أسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا، وتهافتّم إليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها سفها وضلة، فبعداً وسحقاً لطواغيت هذه الأمة! وبقية الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومطفئي السنن، ومؤاخي المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، وعصاة الإمام، وملحقي العهرة بالنسب، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، ألا لعنة الله على الظالمين الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلوا الله عليهم كفيلاً. (من كتاب الطبرسي).

وابنه زين العابدين لما كبر، جاءه أهل الكوفة، يطلبون منه البيعة، فماذا قال لهم زين العابدين؟ أيها الناس، ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة، وقاتلتموه وخذلتموه؟ فتباً لما قدمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم، بأي عين تنظرون إلى رسول الله وهو يقول لكم: «قَتَلْتُمْ عِتْرَتِي وَانْتَهَكْتُمْ حُرْمَتِي، فَلَسْتُمْ مِنْ أُمَّتِي»؟ ثم أخذوا يتباكون بين يديه كما يتباكون الآن ويرفعون الشعارات، من أجل الحسين نقتل الفلسطينيين، فقال لهم لما تباكوا بين يديه: هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل؟ ومسألتي ألا تكونوا لنا ولا علينا. (كتاب الطبرسي).

ثم هذه زينب بنت علي، وأخت الحسين، تقول إلى أهل الكوفة وهي تنظر إليهم: إن هؤلاء يبكون علينا، فمن قتلنا غيرهم، زين العابدين قال لها فقالت: أمّا بعد.. يا أهل الكوفة، يا أهل القتل والغدر! أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة. إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم. هل فيكم إلا الصلف والعجب الشنف والكذب؟ وملق الإماء وغمز الأعداء أو كمرعى على دمنة؟ (كتاب الطبرسي).

 

لعنة التاريخ.. فاطمة الصغرى تواجه القتلة

أما فاطمة الصغرى رضي الله عنها، فقد قالت لهم: يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر، قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا، قرت بذلك عيونكم، وفرحت به قلوبكم، افتراء منكم على الله، تباً لكم فانتظروا اللعنة والعذاب، وسُيُوفُكُمْ تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لِحِقْدٍ مُتَقَدِّمٍ قَرَّتْ بِذَلِكَ عُيُونُكُمْ، وفَرِحَتْ قُلُوبُكُمْ افْتِرَاءً مِنْكُمْ عَلَى اللَّه ومَكْراً مَكَرْتُمْ واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ، فَلَا تَدْعُوَنَّكُمْ أَنْفُسُكُمْ إِلَى الْجَذَلِ بِمَا أَصَبْتُمْ مِنْ دِمَائِنَا، ونَالَتْ أَيْدِيكُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا؛ فَإِنَّ مَا أَصَابَنَا مِنَ الْمَصَائِبِ الْجَلِيلَةِ والرَّزَايَا الْعَظِيمَةِ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ؛ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ واللَّه لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ. تَبّاً لَكُمْ، فَانْتَظِرُوا اللَّعْنَةَ والْعَذَابَ، وكَأَنْ قَدْ حَلَّ بِكُمْ، وتَوَاتَرَتْ مِنَ السَّمَاءِ نَقِمَاتٌ، فَيُسْحِتَكُمْ بِمَا كَسَبْتُمْ، ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ثُمَّ تُخَلَّدُونَ فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا ظَلَمْتُمُونَا، أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.

يا لها من كلمات، إن كان فيها رثاء للحسين، وفضح لمن خذله، فيها رثاء للفلسطينيين والفلسطينيات، الذين ذبحوا ظلماً وزوراً وبهتاناً، من أجل الثأر للحسين.

أيها الأحبة، أيها الكرام..

وهكذا تتفنن الباطنية في مجازرها عبر التاريخ، ذُبح الفلسطينيون؛ لأنه لا يوجد حزب يحميهم، ولا يوجد حاكم يحميهم، ولا دولة تحميهم، فهم أصبحوا كالأغنام المبلولة في ليلة شاتية، لا راعي لها، وقد حاصرتهم الذئاب والسباع من كل جانب، فلماذا لم يقتلوا وهم كذلك. ومن السُّنة والطاعة والعبادة والقرب إلى الله، عند الباطنيين، ذبح هؤلاء، وسيتعرض الفلسطينيون للذبح ما داموا هم من أهل السُّنة والجماعة، وما دام لا حامي لهم في كل مكان، لذا سوف يتعرضون لحرب إبادة، تارة على أيدي يهود، وتارة على أيدي المارينز، وتارة على أيدي الباطنيين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا، وأنت الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، احص الباطنيين عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. اللهم لا تدع على الأرض منهم من الكافرين دياراً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم احصهم ومزقهم شر ممزق، اللهم اجعلهم في الأرض كالمجانين، اللهم جمد الدماء في عروقهم، اللهم سلط عليهم بأسك وعذابك وسخطك يا رب العالمين، اللهم اكشف خططهم، اللهم افضح أمرهم. اللهم ارحم دموع الثكالى، والأطفال اليتامى، والدماء المهدورة، والأعراض المسلوبة، والشباب الحيارى، اللهم ثقة بحكمك وعلمك، افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، اللهم انقذ بلدنا هذا منهم، وسائر بلاد المسلمين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدميره في تدبيره، اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نعوذ بك أن نضل في هداك، أو نذل في سلطانك، أو نقهر أو نضطهد أو نغتال أو نختطف أو نفجر والأمر لك وحدك لا شريك لك، أنت ملاذنا ومعاذنا، ونصيرنا وظهيرنا، وحسبنا ومولانا، فنعم المولى ونعم النصير، اللهم ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسّر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، وخفف لوعاتنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، والله يعلم ما تصنعون.

تحميل