الأربعاء 15-أبريل-2026 - 27 شوّال ، 1447

رسالة إلى عبَّاد رمضان

119
2026-04-12

التعريف بالخطبة

يتحدث الشيخ أحمد القطان -رحمه الله- في هذه الخطبة عن ضرورة استقبال شهر رمضان المبارك بتوبة نصوح صادقة تطهر القلوب والصفحات، مبيناً سعة رحمة الله التي سبقت غضبه في قبول أوبة التائبين مهما بلغت ذنوبهم عنان السماء. ويستعرض الشيخ نماذج من قصص الأنبياء والأمم السابقة الذين فتح الله لهم أبواب مغفرته، محذراً في الوقت ذاته من "عبادة المواسم" والانقطاع عن الله بعد رحيل الشهر، وداعياً للثبات والاستقامة في وجه فتن العصر وطواغيته.

 

عناصر الخطبة:

  • الشوقُ للحبيب.. فهل أعددنا الزاد؟
  • سرُّ الكلمات التي أنقذت أبا البشر!
  • من فلق البحر يتوب على عَبَدَة العجل؟
  • خيانات الغرفات.. حين يغسلها العفو الإلهي!
  • غضبةُ الحق.. لماذا ضاقت عليهم الأرض؟
  • خيوط الرُّكون.. هل أنتَ ظالمٌ أم معينٌ له؟
  • صمَّامُ أمانِ الأرض.. هل نكونُ من المصلحين؟
  • روشتةُ التوبة.. كيف تختفي عن عين الله؟
  • عبادُ رمضان أم عبادُ الرحمن؟
  • فجواتُ اليأس.. لمن غلبت سيئاتهم حسناتهم؟

 

نص الخطبة:

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى. الحمد لله الذي أضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وأسعد وأشقى، وأضل وهدى.

وارض اللهم على خلفائه الراشدين، والصحابة أجمعين، والدعاة المخلصين، وفرّج عن المأسورين والمسجونين من إخواننا المسلمين، وأسألك اللهم أن تثبتنا على الدين واليقين، وأن تثبت إخواننا الغرباء المنفيين من أوطانهم، القابضين على الدين كالقابضين على الجمر. وأسألك لأمة محمد خليفة ربانياً يسمع كلام الله ويسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها، ويحكم بكتاب الله وتحرسه. ونعوذ بك اللهم من فتنة الدنيا والنساء. اللهم ألّف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور.

عباد الله.. أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ورمضان على الأبواب، وكما تعلمون أن الغاية من الصيام التقوى؛ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. ولا تكون التقوى إلا إذا سبقتها التوبة، فلنستقبل رمضان استقبال الحبيب، الحبيب الذي نشتاق إلى رؤياه وإلى لقياه، فقد طال عنّا غيابه. رمضان ذو الأنوار الذي أُنزل فيه القرآن، الذي تُفتّح فيه أبواب الجنان، وتغلّق فيه أبواب النيران، ويصفّد كل شيطان.

والله من أسمائه «التواب»، والتوبة عبادة مطلوبة من الأنبياء والرسل وأتباعهم، والعاصين وكل مكلّف بتوحيد العبودية لله رب العالمين، فلا يظن ظان أن التوبة في استقبال هذا الشهر والصفحات نظيفة، والاطلاع مع الله قائم يكون على العاصين فقط، لا.. بل إن توبة الطائعين أسبق من توبة العاصين.

سرُّ الكلمات التي أنقذت أبا البشر!

والله سبحانه له أياد بيضاء في تحقيق مقتضى ومعاني اسمه التواب ابتداء من آدم الذي عصا، يوم أن أدخله الله الجنان، وأعطاه كل شيء، لا يظمأ، ولا يضحى ولا يجوع ولا يضحى، وطلب منه طلباً واحداً وهو ألا يذوق هذه الشجرة، ولكن غريزة الحرص فيه تحركت وجاء الشيطان من خارج الجنة يوسوس ويسوّل ودخل عليه من نافذة الحرص، وما أهلك الناس إلا الحرص، يحرق ويلهث ويجري حتى يقع. فذاق الشجرة وعصا، فماذا فعل الله به؟ علمه كيف يتوب. التواب علمه كيف يتوب، لأن الله رحمته سبقت غضبه، فليس الأصل فيه -لا إله إلا هو- أن يعذّب وأن يعاقب، وإنما أن يرحم، وأن يرأف، وأن يتوب، فإذا أصر المذنب كان العقاب والعذاب له؛ «سبقت رحمتي غضبي» [أخرجه البخاري، رقم: 7422].

علمه كيف يقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، ويقول الله لما تلقى آدم هذه الكلمات الرحمات النازلات، يقول عن توبته عليه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37].

من فلق البحر يتوب على عَبَدَة العجل؟

ثم إن ربنا سبحانه وتعالى يتوب على ذرية آدم من بعده، وعلى رأس العاصين والمجرمين منهم بنو إسرائيل، فبعد أن أنقذهم من الطاغوت فرعون، وفلق لهم البحر بالعصا، وجعل الماء كالجبل الطود العظيم، وفجّر لهم الصخر الجاف بضرب العصا اثنتي عشرة عيناً، وأكرمهم غاية الإكرام، وضرب موسى موعداً مع ربه أربعين ليلة، وما أن غادرهم موسى حتى عاث فيهم السامري، وأخذ يسوّل لهم وأصبح الذهب المسروق من الفراعنة هو الذي يُصنع منه العجل؛ لأن الذي أُخذ بالحرام نهايته إلى حرام.

فلما جاء موسى وجدهم يعبدون العجل الذهبي حرقه، ولم يستفد منه، بل نسفه، حتى يقتلعه من ذنوبهم، ثم بعد ذلك تاب عليهم، على ما فعلوه من شرك أكبر، فيقول الله سبحانه في هذه الحقيقة: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 54].

خيانات الغرفات.. حين يغسلها العفو الإلهي!

ثم من آيات الله في التوبة، يوم أن جامع الصحابة رضي الله عنهم في ليالي رمضان، كان جماع النساء محرماً في بداية فرض الصيام، لا يجوز للمسلم أن يأتي أهله، ولكن الإنسان ضعيف، بعضهم بدأ يباشر، ثم وقع في المحظور، والله مطلع عليه، فخفف الله عليهم ورحم ضعفهم، وتاب عليهم، وقال عن هذه الحقيقة، والخيانة الخفية في ظلام الليل تحت الغطاء في الغرفات رآها الله وهو فوق العرش فوق سابع سماء، قال سبحانه وتعالى: ﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187]؛ تاب وعفا، بعد أن رأى وعلم، لأنه التواب.

ثم هؤلاء أهل الكتاب؛ اليهود والنصارى، يجرمون، ويتوبون، ويخطئون ويتوبون، وفي كل مرة يقبل الله توبتهم حتى أصروا على الخطيئة فلعنهم الله على ألسنة أنبيائهم؛ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78]. وتوبة الله عليهم يذكر القرآن بعضها: ﴿وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 71]. أرأيتم التواب؟

غضبةُ الحق.. لماذا ضاقت عليهم الأرض؟

ثم استمعوا ماذا يقول الله سبحانه وتعالى للمؤمنين الذين آمنوا في مكة، وهم في خوف من مخلفات الجاهلية، وهذا الشعور يحس به كل من حيا حياة الجاهلية ثم تاب. يقول: ماذا أفعل بذنب كذا؟ وبذنب كذا؟ ما تركت من أمر من الموبقات إلا فعلته، ونفسي لا تزال بها شوائب، وبها علائق، تحنّ مرة، وتشتاق مرة، وأنا فيها في صراع رهيب. والله سبحانه وتعالى يخبر عن هذه الحقيقة؛ ﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54].

أعداء هذا الدين الاستعمار واليهود والشيوعيون والعلمانيون.. ماذا ينتظرون غير هذه الكلمة التي تجعل معاشر المسلمين قاعدين مع الخوالف؟! التوبة والإصلاح، ثم أيها الأحباب الكرام، وهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، يتخلف بعضهم عن الجهاد، وأسوأ ما تعاني منه الأمة هو التخلف عن الجهاد، كما يدندن به بعض الدعاة في زماننا هذا، يقولون: لا جهاد في فلسطين، ولا جهاد في أفغانستان، لماذا يا هذا؟ قال: لأنه لا يكون جهاد حتى يكون خليفة، والخليفة هو الذي يرفع راية الجهاد، وبما أن الخليفة غير موجود، إذن نضع اليهود يأخذون ما يشاؤون من أراضينا، فلا ندفع عن أرض ولا عرض ولا دم ولا مال ولا مظلمة! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف: 5].

الصحابة الذين كانوا يصلون ويصومون ويعملون الطاعات، وقد أعلن الله رضاه عنهم، تخلّف ثلاثة منهم عن الجهاد، ولم يُعرف لهم غير هذا الذنب، تخلفوا فقط عن غزوة واحدة.. غزوة «تبوك»؛ فغضب الله غضباً عظيماً، أعلن بعده توبته على النبي صلى الله عليه وسلم والنبي لم يُذنب، وتوبته على المهاجرين ولم يذنبوا، وعلى الأنصار ولم يجرموا، ثم سحب توبته بعد ذلك، فتاب على المخلفين قبل أن يتوبوا ثم قبل توبتهم بعد أن تابوا. فكيف بمن ينادي: لا جهاد؟! وماذا ينتظر الطواغيت في زماننا هذا، غير هذه الكلمة؟ الاستعمار، اليهود، الشيوعيون، أعداء هذا الدين، العلمانيون، ماذا ينتظرون غير هذه الكلمة التي تجعل معاشر المسلمين قاعدين مع الخوالف؟!

يقول الله سبحانه وتعالى عن توبته على النبي الذي لم يُذنب فيه هذه الغزوة: ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 117]. انظر إلى التعقيب؛ توبته على النبي والمهاجرين والأنصار، نابعة من اسمه الرؤوف الرحيم. ولكن توبته على العاصين نابعة من اسمه التواب الرحيم. استمع ماذا يقول عن الثلاثة: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118]، سبقت توبة الله العاصين؛ ﴿لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118].

ومن الذي يكفل لنا يا ربنا استمرار توبتك علينا؟ قال: أن نبحث عن الصادقين من الدعاة المخلصين والمجاهدين فنضع أيدينا بأيديهم وأن نكون معهم، فجاءت الآية التالية بعد ذلك تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

خيوط الرُّكون.. هل أنتَ ظالمٌ أم معينٌ له؟

وهذا، أيها الأحباب الكرام، نداء الله سبحانه وتعالى، إلى النبي وأصحابه، وهو في صراع مع الطاغوت الجاهلي، أبي لهب وأبي جهل، وأمية بن خلف، وكل طاغوت عبر الزمان والمكان والبشر، ماذا يقول الله؟ استمع: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: 112]؛ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، لكل المؤمنين، لا تتجاوزوا الحق الذي شرّعه الله من أمر ومن نهي، يعطيك مقام المراقبة؛ «اعبد الله كأنك تراه»، ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113]؛ أي الحكام الطواغيت الذين يحكمون بغير ما أنزل الله.

جاء رجل إلى ابن تيمية وقال: إنني خياط ملابس السلطان الذي يحكم بغير ما أنزل الله، فهل أنا من الذين ركنوا إلى الذين ظلموا؟ قال: لا.. بل الذي باع لك الإبرة والخيط ويعلم أنك خياط السلطان من الذين ركنوا إلى الذين ظلموا، أما أنت فمن الذين ظلموا؛ ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113].

ولكن يا ربنا إذا أردنا أن نتوب، وقد تراكمت علينا ذنوبنا وخطايانا وسيئاتنا، فماذا نفعل؟ أعطانا في الآيات التي بعدها مباشرة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]. ولكن الطواغيت لا يتركوننا، بل سيحاربوننا في أرزاقنا وفي أولادنا وفي كل شيء من حياتنا.

صمَّامُ أمانِ الأرض.. هل نكونُ من المصلحين؟

ثم جاءت الآية التي بعدها لتجيب: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 115]؛ يعني أكون في مقام الإحسان إذا صبرت على مقتضيات الدعوة والجهاد، نعم؛ ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يا ربنا وإذا أردنا ونحن نتلفت يميناً وشمالاً وقد شعرنا بوحشة التفرّق، وأكثر الناس يهتفون للتهريج.. يا يعيش.. يا يعيش، ماذا نعمل بوحشتنا وتفردنا وتوحدنا؟ قال: ليقف كل واحد منكم مع أخيه الصالح الآمر بالمعروف الناهي عن الفساد، ويضع يده في يده، وبه تكون النجاة. جاءت الآيات بعدها: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: 116].

ما مصير الطاغوت وأعوان الطاغوت؟ تجيب الآية التي بعدها: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 116]. النهاية أن يتبع الشهوات والملذات وما أُترف فيه ويموت مجرماً. والصادقون والمؤمنون، قال عنهم: صمام الأمان في الأرض؛ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]؛ فأنت ما دمت من المصلحين في الأرض.

يا زينة الدنيا ويا ملح الأرض، بادر إلى التوبة، واستغفر الله، واستقبل رمضان بصفحات جديدة. يا نَفسُ توبي قَبلَ أَن لا تَستَطيعي أَن تَتوبي وَاستَغفِري لِذُنوبِكِ الرَ حمَنَ غَفّارَ الذُنوبِ أَمّا الحَوادِثُ فَالرِيا حُ بِهِنَّ دائِمَةُ الهُبوبِ وَالمَوتُ خَلقٌ واحِدٌ وَالخَلقُ مُختَلِفُ الضُروبِ وَالسَعيُ في طَلَبِ التُقى مِن خَيرِ مُكتَسَبِ الكَسوبِ وَلَقَلَّ ما يَنجو الفَتى الـ ـمَحمودُ مِن لَطخِ العُيوبِ لطخ العيوب تطاردنا من التوبة النصوح.

 

روشتةُ التوبة.. كيف تختفي عن عين الله؟

جاء رجل وقال: أيها العالم، دلني، إن نفسي ضعيفة، فهل لي من توبة؟ هل أجد عندك الدواء؟ قال: نعم، إذا فعلت خمسة أمور. قال: ما هي؟ قال: إذا همّت نفسك بالخطيئة فاختف عن عين الله. قال: كيف أختفي عن عين الله وهو يرى أثر النملة السوداء في الليلة الظلماء تحت الصخرة الصماء؟! قال: إذن، تعصيه وهو ينظر إليك؟ قال: قل الثانية. قال: إذا همّت نفسك بالخطيئة فانزع نفسك من مُلك الله. قال: كيف وله ما في السماوات وما في الأرض وما تحت الثرى؟! قال: كيف تعصيه وأنت في ملكه وهو ينظر إليك؟! قال: قل الثالثة. قال: الثالثة: إذا هممت بالذنب فانزع نفسك من نعمة الله. قال: كيف، ومنه السمع والبصر وكل نعيم؟! قال: فكيف تعصيه إذن وأنت في نعمته، وملكه وهو ينظر إليك، ألا تستحيي من الله؟ ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾ [النحل: 53]. ثم قال: أتفعل هذا في بيتك والله ينظر؟ قال: لا. قال: فالله أولى. قال: قل الرابعة؟ قال: كيف بك بالرابعة، وقد عجزت عن الثلاث. قال: قلها. قال: إذا جاء ملك الموت يقبض روحك، فاسأله يؤخرك لحظة. قال: لا أستطيع، قل الخامسة. قال: إذا ساقتك الزبانية إلى جهنم فاستوقفهم. قال: لا أستطيع. قال: إذن، تب إلى الله. قال: تبتُ إلى الله وندمت على ما فعلت.

وهذا نداء الله إليَّ وإليكم يا أيها الذين آمنوا، نداء إلهي إليَّ وإليكم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. توبوا إلى الله جميعاً عباد الله، تبنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، أستغفر الله لذنوبنا، أستغفر الله لإسرارنا وإعلاننا، وإسرافنا في أمرنا، وهزلنا وجدنا، وخطئنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا. اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

الخطبة الثانية

عبادُ رمضان أم عبادُ الرحمن؟

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. أما بعد، عباد الله.. فإني أوجّه الحديث عبر هذا الشريط إلى عُبّاد المواسم، هناك من الناس من لا يصلي طول العام، فإذا جاء رمضان صلى وصام، ثم بعد ذلك عاد إلى الشهوات. هذا لا يعبد الله، وإنما يعبد العادة في رمضان، وقد تعوّد إذا جاء رمضان يستحيي أن يكون الناس كلهم صائمين وهو يأكل وينام، فلهذا آثر أن يشاركهم وجدانياً وعاطفياً حتى يأتي وقت الإفطار، فيأكل ما لذ وطاب.

هذا يعبد رمضان وليس رب رمضان، فإن كان يعبد رب رمضان فهو رب شوال وذي القعدة وذي الحجة وكافة الشهور الاثني عشر؛ ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾ [التوبة: 36]، ولم يقل شهراً واحداً، يقول الله عنها في كتابه الكريم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم: 59]، وناهيك عن عذاب من وعده الله فقال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾.

يا ربنا وإن تاب تتوب عليه؟ نعم، فاستمع ماذا يقول القرآن: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ۝ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ۝ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ۝ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 60 - 63]. وإليكم ماذا يقول القرآن للعاصين التائبين: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82].

ويقول للذين يعذبون الدعاة ولا يتوبون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]؛ جهنم، والحريق لكل طاغوت يفتن الأبرياء، يسجن الدعاة، يسجن المجاهدين، يسجن المخلصين الأحرار الأبرار، فلهم عذاب الحريق إلا من تاب وآمن، فتوبوا وآمنوا أيها الحكام، وافتحوا السجون وأخرجوا الدعاة والمؤمنين، اتركوهم يدعون إلى الله رحمة بكم وإلا فهذا هو وعيد الله إليكم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ فهذا يكفي، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾.

وهذا ربنا سبحانه وتعالى يقول عن علماء السوء، أصحاب الفتاوي ذات البلاوي، الشياطين الخرس الذين يزينون السلطان انحرافاته، ويلبسون عليها ثياب الشرعية، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 160]؛ إذاً، لا بد من بيان، ﴿وَبَيَّنُواْ﴾، وإلا لن تُقبل توبة العالم الساكت.

فجواتُ اليأس.. لمن غلبت سيئاتهم حسناتهم؟

أحبتي في الله.. بشرى من القرآن أزفها إلى كل من أسرف، فربكم سبحانه يقول للعاصي: «لو جئتني بقراب الأرض خطايا لجئتك بقرابها مغفرة ما استغفرتني ولم تشرك بي شيئاً» [أخرجه الترمذي، رقم: 3540]. ويقول: «لو بلغت ذنوبك عنان السماء لغفرتها ولا أبالي، ما استغفرتني ولم تشرك بي شيئاً» [أخرجه الترمذي، رقم: 3540، وصححه الألباني]. والقرآن يغلق نوافذ الشيطان في الوسواس بقضية التوبة، فيقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. فإذا جاءك الشيطان فقال لك: إن الله يغفر هذه ولا يغفر هذه فقل له: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

بل إن السيئات يبدلها فتصير حسنات، ويفتح لك رصيداً جديداً عنده سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الفرقان: 70]. ما بقي لأحد عذر: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ۝ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 14 - 15].

أستغفر الله وأتوب إليه، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. [أخرجه البخاري، رقم: 6306]. اللهم اغفر يا غفور يا رحيم، مغفرة من عندك يا أرحم الرحمين. ربنا إنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً كبيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لنا مغفرة من عندك وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.

من قال في يوم الجمعة: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات؛ غُفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، وإن تولى من الزحف أمام العدو كرامة ليوم الجمعة، من قال في يوم الجمعة: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه [أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الألباني].

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

  

تحميل