الاثنين 11-مايو-2026 - 24 ذو القعدة ، 1447
الآيات التي رآها الرسول ﷺ
التعريف
بالخطبة:
يتحدث الشيخ
أحمد القطان رحمه الله في هذه الخطبة عن دلالات رحلة الإسراء والمعراج وربطها
بواقع المسجد الأقصى الأسير، مستعرضاً شروط التحرير النفسية والإيمانية من خلال
قصة شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم، كما يُعرج على المشاهد الغيبية للنعيم
والعذاب التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم، مع وقفة نقدية لواقع الأمة المعاصر
وانشغالها بالتوافه عن قضاياها الكبرى.
عناصر
الخطبة:
- كيف تحرر المسجد الأسير؟!
- بين نور الفاروق.. وظلام الكازينوهات!
- دابة تستحي.. وبشر لا يخجلون!
- ركعات اليقين في طريق التمكين
- حين تلين الصخور.. وتقسو القلوب!
- حرب الشياطين.. وبرد التعويذة النبوية
- خديعة «الكأس».. حين تمزق الصف الواحد
- مشاهد الحشر.. ونعيم سدرة المنتهى
نص
الخطبة:
الحمد لله الذي
أنجز وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي
الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه
الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوات ربي
وسلامه عليه.
أما بعد، أيها
الأحباب الكرام..
إني أحبكم في
الله، وأسأل الله أن يجمعني وإياكم في ظل عرشه، ومستقر رحمته، وأوصيكم ونفسي بتقوى
الله؛ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).
أيها الأحبة
الكرام..
يقول في كتابه
الكريم: (سُبْحَانَ الَّذِي
أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ
الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء: 1)، وسنقف عند الآيات التي رآها النبي
صلى الله عليه وسلم، نقف مع بعضها ونحن نعيش المؤامرة على «الأقصى».
أما الآية
الأولى التي شهدها الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه، جاءه جبريل ليلة الإسراء فشق
صدره من نحره إلى مراق بطنه، وهو ينظر عليه الصلاة والسلام إلى هذه العملية
الجراحية الخطرة؛ لأن الحدث في هذه الليلة حدث خطير، ستظل آثاره في هذه الأمة إلى
يوم القيامة، واستخرج قلبه وغسله بماء زمزم، واستفرغ ما فيه، ثم جاء بطست من ذهب
غير قابل للصدأ ولا التلوث، من ذهب الجنة، ثم غرف من هذا الطست حكمةً ونوراً
وعلماً وملأ به قلب الحبيب صلى الله عليه وسلم، ثم أعاده مكانه بقدرة الله، ثم
أطبق الصدر مكانه. (الحديث أصله في صحيح البخاري، ومسلم).
إن هذه العملية
النورانية تقول لكل الذين يتآمرون على «الأقصى»، أو يزعمون أنهم يريدون تحريره وهم
يتعاقدون مع اليهود على تضييع القدس و«الأقصى»، والرضا بـ 13% من الأرض، وهيهات
هيهات أن يبقى لهم 1% ما داموا لا يسيرون على هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم.
كيف تحرر المسجد الأسير؟!
الرسول صلى الله
عليه وسلم لما أراد الله أن يسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى،
كان يعلم عليه الصلاة والسلام أن «الأقصى» والقدس تحت الاستعمار الروماني، وتحت
حكومة هرقل، ومع هذا عليه الصلاة والسلام انطلق في تلك الليلة بإشارة عجيبة، يقول
فيها لأمته، وعلى رأسها خليفته الصديق رضي الله عنه، والفاروق رضي الله عنه، أن
هذا تحرير «الأقصى»، وهذا طريق التحرير.
الذي يريد أن
يحرر «الأقصى» لا يأتي بقلب كقلب حاخام لئيم، أو عقل قسيس حقود، وإنما الذي يريد
أن يحرر «الأقصى» له بد أن يكون له قلب كقلب محمد صلى الله عليه وسلم، وكقلب
الصديق، الذي ما إن فرغ من تسيير الجيش لحرب الرومان بقيادة أسامة وعمره تسعة عشر
عاماً حتى عاد يحارب المرتدين، وما إن فرغ منهم حتى جيّش الجيوش لتحرير «الأقصى»، أرسل
الصديق شرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، وأبا عبيدة عامر بن الجراح، وخالداً بن
الوليد سيف الله المسلول.
إن الذين
انطلقوا لتحرير «الأقصى» والقدس كانوا على مستوى راقٍ وعالٍ، مستوى حضاري إسلامي،
فهذا أمين الأمة، وهذا صديق الأمة، وهذا سيف الله المسلول، وقائدهم يقول لهم: «لا
تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا طفلاً ولا امرأة، ولا شجرة، ولا دابة إلا لمأكله»،
وحتى الأديان التي كانت عليها الأمة يترك عبّادها في صوامعها وأديرتها، إنما الهدف
الرئيسي هو تحرير «الأقصى» من الاستعمار الروماني. (أخرجه مالك في الموطأ،
والبيهقي في السنن الكبرى).
بين نور الفاروق.. وظلام الكازينوهات!
من أين أخذ
الصديق هذا الدرس؟ من محمد صلى الله عليه وسلم النبي الرسول، ويتوفى الصديق
والجيوش الإسلاميةُ تضرب الشام منطلقةً إلى «الأقصى»، ويأتي الفاروقُ ويفتح«الأقصى» والقدس، ويأتي رضي الله عنه يمشي حافي القدم، يخوض في الطين، ثيابه
مرقعة، خادمه على دابته، ماشياً ليستلم مفاتيح القدس، بعد خمس عشرة عاماً هجرياً؛
أي من ليلة الإسراء إلى تقريباً التحرير أقل من عشرين عاماً، نرى الخلفاء الراشدين
يحققون ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس بقلب ياسر عرفات، ولا بقلب
شرطته التي تعتقل أحمد ياسين وتعتقل المجاهدين، ولكن بالقلب الذي غُسل بماء زمزم،
وبطست من الذهب من الجنة، وبيد جبريل عليه السلام، ومملوء حكمة ونور.
هذه هي القلوب
التي تحرر «الأقصى»، قلوب النور والحكمة والإيمان، ملأه إيماناً ونوراً وحكمةً،
فتحرر «الأقصى» على يد الخليفة الثاني الراشد عمر الفاروق، واليوم من الذي سيحرر
«الأقصى»؟ الذي يبني الملاهي والكازينوهات، التي يُشرب فيها الخمور والميسر؟! معاذ
الله، إن الله لا يمكن لأمثال هؤلاء، أم الحكومات التي تتجارى وتتراكض للاستسلام
مع اليهود، أم الجيوش التي حيّدت وقيّدت واقتصرت على الاحتفالات والمهرجانات، أم
الشعوب التي تتراقص على كأس الكرة وكأنها فتحت «الأقصى»؟!
إن الذين يحررون
«الأقصى» لا بد أن يكون في قلوبهم «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، الذين يحررون
«الأقصى» يكون في قلبهم القرآن وليس كأس، الذين يحررون «الأقصى» يتجمهرون حول
«الأقصى»، يلتحمون كجسد بشري يدافعون عن ذرة الحجارة والرمال الملتصقة به من أن
يسلبها اليهود الملاعين أحفاد القردة والخنازير.
دابة تستحي.. وبشر لا يخجلون!
من الآيات التي
شاهدها النبي صلى الله عليه وسلم في تحرير «الأقصى» آيةَ البراق، وما أدراك ما
البراق! دابة مخصوصة خلقها الله لكي تحمل الأنبياء والرسل فقط، لا تحمل المتآمرين،
لا تحمل الماكرين الخادعين، لا تحمل المترفين، وإنما تحمل الأنبياء والرسل، البراق
الذي لما رآه عليه الصلاة والسلام، ماذا قال جبريل له؟ ماذا قال جبريل للبراق؟
استمع أيها الحبيب، قال له: «أيها البراق، ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم على الله
منه». (أخرجه الترمذي في سننه، وأحمد في مسنده).
فماذا فعل
البراق، هذه الدابة لما سمع هذا الكلام من جبريل؟ ركبه الحياء حتى ارفضَّ عرقاً
أخذ يتصبب العرق من البراق حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة التي
تحرر «الأقصى» نريد قياداتها لمستوى الدابة التي ركبها محمد إن استطاعت، نريد
حكامها، نريد الذين يزعمون الثورة والتحرير والكفاح المسلح أن يكونوا بمستوى دابة
البراق إن استطاعوا.
البراق يستحيي
من محمد صلى الله عليه وسلم وهم لا يستحون! البراق يتصبب عرقاً حياء منه لما رأى
الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يعطلون شرعه، ويبطلون سُنته، ويتاجرون بالمخدرات،
ويتاجرون بالزنى والمومسات، فأنَّى لهم أن يحرروا «الأقصى»؟! الذي يحرر «الأقصى»
لا يبث الأجساد العارية، الذي لا يبث في محطات إعلامه الفجور والخمور، البراق
يستحيي من محمد وهم لا يستحيون! البراق يتصبب عرقاً وهم يشربون العرق! فأنى لهم
طريق «الأقصى»؟! هيهات.. هيهات!
إننا نريدهم أن
يكونوا عند مستوى حافر البراق إن استطاعوا، ولن يستطيعوا، وليس لهم إلا ما حكم
الله على بني إسرائيل في التيه، يوم أن تاه الذين تربوا على ذل الطاغوت فرعون،
فأهلكهم الله في صحراء سيناء، وأنبت ذريةً جديدة، إننا نحتاج إلى ذرية جديدة، لا
تهتف للجنس، ولا تهتف للكأس، ولا تفتح الشقق، ولا تجحص في الشوارع، ولا تهتك ولا
تزني ولا تفعل الفاحشة، نريد جنساً خاصاً على مستوى صيحة الله أكبر.. لله، لمن لله
وليس للكؤوس!
ركعات اليقين في طريق التمكين
هذا تحرير طريق«الأقصى»؛ (لِنُرِيَهُ مِنْ
آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء: 1)، ورأى من
الآيات عليه الصلاة والسلام أنه أُمر بالنزول في منطقة ما كان يعرفها، وأن يصلي
فيها ركعتين في طريق الذهاب بالليل في الظلام، فنزل طاعة لجبريل وصلى ركعتين، ثم
قال له جبريل: إنها طيبة، المدينة المنورة، وهي مهاجرك.. أرض المهجر.. التي بها
تقيم دولتك وترفع راية الجهاد، يصلي فيها ركعتين يضع فيها حجر الأساس للدين
وللجهاد، من المدينة انطلقت جيوش تحرير «الأقصى» ببركة هاتين الركعتين اللتين
صلاهما ليلة الإسراء والمعراج، صلى الله عليه وسلم، ولم تكن لهم قواعد عسكرية، ولم
تكن حلفاء، ولم تكن لهم راجمات وقاصفات وعابرات وناقلات وشاحنات، وإنما كانت لهم
خيول على صهوات الجياد ينطلقون، ولكن كل رجل منهم بألف، لما طُلب من الفاروق المدد
قال: «أرسلت لكم أربعة بأربعة آلاف» (يشير إلى القعقاع بن عمرو، وضرار بن الأزور،
وضرار بن الخطاب، وعمرو بن معد يكرب في رواية تاريخية).
ثم ينطلق في
الليل من المدينة بعد ركعتين فيؤمر أن ينزل في أرض عند جبل، فيصلي ركعتين؛ «ما هذا
يا جبريل؟»، قال: إنه طور سيناء، المكان الذي كلم الله فيه موسى عليه السلام، فنحن
أولى بموسى عليه السلام، وأولى بالمكان الذي صلى فيه، والذي كلم الله فيه (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى
تَكْلِيماً) (النساء: 164)، فينطلق، فأمره بالنزول فيصلي في مكان؛ «ما هذا
يا جبريل؟»؛ هذا بيت لحم، الذي ولد فيه عيسى عليه السلام، وشتان بين احتفال محمد
صلى الله عليه وسلم بمولده، يصلي لله ركعتين في الموقع الذي ولد فيه عيسى، ومولد
أمة النصارى اليوم البدعة المزعومة، فيها يسكرون ويزنون، ويفجرون، والكريسماس منذ
الآن يستعدون له للحفلات الصاخبة طول الليل مع الجنس والكأس، أين صلاة محمد صلى
الله عليه وسلم النبي الرسول في بيت لحم لأنه ولد فيه عيسى، وأين اليوم الناس من
عربها وعجمها ونصرانيها الذين يتراقصون طول الليل مع الدخان الأزرق والخمور
المترعة؟! إنها والله التعاسة والانتكاسة؛ (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا).
حين تلين الصخور.. وتقسو القلوب!
ويشاهد عليه
الصلاة والسلام صخرة وهو يريد الدخول إلى المسجد الأقصى وعليها الآن القبة وتسمى
«قبة الصخرة»، ويجر البراق، فيضع إصبعه على الصخرة فتلين تحت إصبعه، فيربط البراق
في الثقب الذي أحدثه إصبعه الشريف في تلك الصخرة، والصخرة تلين تحت إصبع النبي صلى
الله عليه وسلم، وقلوب كثير من أمته لا تلين له، ولا تهتدي به، ولا يتبعوا هديه،
إنها والله أقسى من الحجارة والصخرة، يتشبهون باليهود؛ (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ
كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) (البقرة: 74).
أحضروا لي دولة
إلا قليلاً، تطبق هديه، وتقيم حدوده وسُنته في بلادها! إنما هي القوانين الوضعية
التي أخذت من اليهود والنصارى، وما زادت الناس إلا شروداً عن الله، وتركيزاً
للظلم، وإحياء للمظالم، الصخرة تحت إصبعه تسيخ، إننا نريد أمة الآن لين قلبها كتلك
الصخرة التي لانت تحت إصبع محمد صلى الله عليه وسلم، وما كان لها أن تلين، إلا
أنها علمت أنه محمد رسول الله، وأنه جاء يصلي بالأنبياء، وأن الله أسرى به، وأن
هذا «الأقصى» هو ميراث الأنبياء، وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليستلمه، في أعظم
ميثاق، وهو الصلاة بهم، ثم يسلمه إلى أمته، فلا تضيع الأمانة، لا تضيع الأمانة، لا
تجتمع مع اليهود، ولا تنفذ خطط اليهود، إن الذي يريد أن يحرر «الأقصى» لا بد أن
يكون كمستوى ذلك الحجر الذي خضع للنبي صلى الله عليه وسلم، فلان بين أصابعه، أما
القسوة التي يعيشها أولئك الطغاة الجبابرة الذين يسجنون الدعاة، ويشردونهم،
ويذبحونهم، ويهتكونهم ويفتكون بهم.
حرب الشياطين.. وبرد التعويذة النبوية
ومن الآيات التي
شهدها ونحن نعيش أجواء الحرب هذا الأسبوع، ومن أعاجيب ما رأيت في الجرائد إعلان
الحرب يوم الأربعاء القادم، وتحتها صورة الناس يرقصون بالكأس والكرة! من عجائب ما
رأيت! في تلك الليلة أُسري به صلى الله عليه وسلم، حقد عليه إبليس، فأرسل عفريتاً
مارداً من جنوده يريد أن يفتك بمحمد صلى الله عليه وسلم، يريد أن يفتك به بطريقة
عجيبة.. يطارده من خلفه فإذا جاءه أحرقه بشواظ من نار، يريد أن يحوله إلى رماد
متفحم.. أسلوب من أساليب حرب الشياطين.
ماذا علّمه
جبريل؟ قال: هذا عفريت من الجن يا رسول الله، يريد أن يحرقك، فاقرأ التعويذة:
«أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما
خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في
الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا
طارق يطرق بخير يا رحمن»، (أخرجه مالك في الموطأ، وأحمد في مسنده، والنسائي في
السنن الكبرى).
وما أدراك من
فتن الليل والنهار! ولعل الكويت طُرقت ليلاً فغُزيت من هذا الجار الغادر الكافر،
في ليلة واحدة، وأخرجه الله بعد سبعة أشهر ويومين في ليلة واحدة؛ (مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا
وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ
مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ
بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي
الْأَبْصَارِ) (الحشر: 2)، فالتزموا أيها الإخوة بهذا الدعاء، وهذه
التعويذة النبوية، يحميكم الله إن شاء الله من شرور هذا الجار الفاجر، الذي أراد
أن يحرر القدس و«الأقصى» احتل الكويت.
خديعة «الكأس».. حين تمزق الصف الواحد
إن قضية القلوب
قضية خطيرة، فالتحرير و«الأقصى» والحفاظ على الأمن والإيمان لا يكون بقلوب
متناثرة، متناحرة، إنما بقلوب متآلفة ومتعارفة، لا أدري كيف يتم تحرير «الأقصى» عن
طريق هتك الأعراض، وسفك الدماء في بلد مسلم، واقتلاع الأطفال من حاضناتها في
المستشفى، وإلقاء المسنين المرضى من المستشفيات إلى الطرقات، والأسرى من النساء
المحجبات إلى هذه الساعة في سجونه، ويكتب على علمه «الله أكبر»؟! كذلك الشيطان
الذي أراد أن يطارد محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحرقه، جاء هذا الشيطان، فكفأ
الله الشيطان الأول على وجهه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ونسأله أن يكفأ
الشيطان الثاني على مناخره هذا الأسبوع؛ (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ
يَعْلَمُونَ) (يوسف: 21).
ولا تعتبوا
عليَّ، أيها الأحباب، في هجومي على الكرة، فأنا أشجع الرياضة، وأحب الرياضة، ولكن
الرياضة التي تكون غاية، وليست وسيلة للمحبة والقوة والأخوة، لا أريدها، إن الكأس
شُربت فيه الكراهية، اجتمعنا على تحرير الكويت كأمة خليج وبذلنا أموالنا ودماءنا
وأرواحنا وفلذات أكبادنا، وعشنا متحابين، فجاء الكأس وجاءت الدورة، ففرقت الصف،
ومزقت الجمع، وحقد السعودي على الكويتي، وحقد القطري على الكويتي، وحقد الإماراتي
على الكويتي، وحقد البحريني على الكويتي، وجاءت الهتافات حتى الإيراني الذي يجرون
معه المقابلة في التلفاز بكلامه المكسر يقول: أهنئ الكويت على نصرها على السعودية،
نحن مع الكويت.
من يستطيع أن
يجمع القلوب الآن؟ من يستطيع أن يجمع قلب المسلم على المسلم الآن؟ أما كفانا أننا
لم نستثمرها بعد التحرير، وضيعناها حتى صارت «البانكس» و«الجينز» والرقص، ضيعناها
ثماني سنوات، وأنهيناها بالتمزيق الشامل، أيها الأحبة.. إن قضية القلوب قضية
خطيرة، فالتحرير و«الأقصى» والحفاظ على الأمن والإيمان والديار والأرض والعرض لا
يكون بقلوب متناثرة، متقاتلة، متناحرة، إنما بقلوب متحابة ومتآلفة ومتعارفة،
فلنستغفر الله على هذه الجريمة التي مزقت الصف، ولنعد نواسي الجراح من جديد، ونربأ
الصف من جديد، ولنسخر الإعلام أيضاً من جديد، لجمع شعوب هذه المنطقة التي هي على
أبواب الحرب، حتى تكون أمة واحدة، متآلفة، ومتحابة، إنها عملية جراحية خطيرة، بدأ
جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم فملأ قلبه نوراً وحكمة وإيماناً، وانتهينا به
بكأس الكرة، مزقنا القلب الواحد المسلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، أقول الذي
تسمعون، وأستغفر الله.
الخطبة
الثانية:
مشاهد الحشر.. ونعيم سدرة المنتهى
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على محمد الصادق الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي
الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه.
أيها الأحبة في
الله..
الرسول صلى الله
عليه وسلم من الآيات التي شهدها في طريقه أنه رأى موسى يصلي في قبره قائماً، عند
الكثيب الأحمر، وما للصلاة من أهمية فلا تضيعوها خاصة مع أبنائنا وبناتنا، فموسى
في أرض الجزاء وليس في أرض العمل، موسى هناك في عالمه وبرزخه، ومع هذا ما ترك
الصلاة، وهذا من فضائل موسى. (أخرجه مسلم في صحيحه).
مما رأى النبي
صلى الله عليه وسلم ثلاثة دعاة في طريقه، فقد دعاه داعي اليهود فلم يجبه، ودعاه
داعي النصارى فلم يجبه، ودعاه إبليس فلم يجبه، ثلاثة دعاة، وقال له جبريل: «لو
أجبت داعي اليهود لتهوّدت أمتك، ولو أجبت داعي النصارى لتنصرت أمتك، ولو أجبت عدو
الله إبليس لضلت والعياذ بالله»، ورأى ثلاثة يسلمون عليه، يقولون له: السلام عليكم
أيها الحاشر، أيها الأول، أيها الآخر، فهو عليه الصلاة والسلام الأول في دخول
الجنة مع أمته، وهو عليه الصلاة والسلام الآخر في الرسالات والنبوات، وهو عليه
الصلاة والسلام الحاشر، الذين يُحشر تحت لوائه الناس يوم القيامة، والذي لا يكون
تحت لوائه الآن، لن يكون تحت لوائه في ذلك اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة، (أخرجه
مسلم في صحيحه عن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم).
ورأى آكل الربا
يسبح في بحر من الدم ويُلقم الحجارة، ورأى الذين يغتابون الناس ويسعون بالنميمة
لهم مخالب من نحاس يجرحون وجوههم وصدورهم، ورأى الذين يغتابون الناس ويأكلون لحوم
البشر، يقطع من جنوبهم اللحوم ويأكلونها بأيديهم، ورأى الذين يزنون يتركون اللحم
الطيب ويأكلون اللحم الخبيث، ورأى المرأة الخائنة التي تخون زوجها قد عُلّقت من
أثدائها لأنها أدخلت على بيته من ليس منه، (هذه المشاهد وردت في أحاديث متفرقة في
السنن والمسانيد، منها عند أبي داود، وأحمد).
يا لها من مشاهد
وآيات يراها عليه الصلاة والسلام للناس فيها عبرة، للناس فيها عظة، ثم رأى سدرة
المنتهى، وما أدراك ما سدرة المنتهى! رأى عليها الفراش من الذهب، ورآها مملوءة
باليواقيت والجواهر، ورأى غصناً واحداً من أغصانها يسير الراكب تحت ظله مئة عام لا
يقطعه، ورأى عليها أنواراً عظيمة ومهولة من أمر الله لا يستطيع وصفها صلى الله
عليه وسلم، وهي سدرة واحدة من أشجار الله، من تحتها تتفجر الأنهار الأربعة؛ نهر من
لبن، نهر من ماء، نهر من خمر، نهر من عسل مصفى من شجرة واحدة، فكيف الأشجار في
جنات النعيم، التي غرسها الله بيديه كرامة لعباده المقربين؟!
الخاتمة
والدعاء:
اللهم إنا نسألك
بوجهك الكريم الفردوس الأعلى، وأن تحرر «الأقصى» الشريف، وأن ترزقنا فيه صلاة
طيبة، وأن تجعلنا ممن ينصره بماله ونفسه ودعوته، اللهم حرر الأقصى الشريف، اللهم
عليك بيهود وأعوان يهود، اللهم إنا نبرأ بك من هذه المناكر التي عليها الأمة،
اللهم إنا نبرأ بك من الطواغيت الذين يحكمون الناس، اللهم إنا نبرأ إليك من الربا،
اللهم إنا نبرأ إليك من السهو واللهو والعبث واللعب الذي عليه الأمة، اللهم حوّلنا
إلى أمة مجاهدة جادة، اللهم أطفالنا وبناتنا وأولادنا وديعتك وحفيظتك، اللهم اصرف
عنّا وعن أولادنا السوء والفحشاء واجعلنا من عبادك المخلصين.
عباد الله..
إن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم
تذكرون.
اذكروا الله
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.