الاثنين 11-مايو-2026 - 24 ذو القعدة ، 1447

الأمانات المضيَّعة!

79
2026-05-08

التعريف بالخطبة:

يتحدث الشيخ أحمد القطان رحمه الله عن أمانة المصير وجزاء الدارين، مستعرضاً آيات سورة «النساء» التي تفصل بين عذاب الجحيم ونعيم الجنان، ومسلطاً الضوء على خيانة قضية فلسطين وحال المستضعفين في لبنان، ومنتهياً بكشف الإعجاز العسكري في القرآن الكريم وأسرار الفوز بالشهادة.

 

عناصر الخطبة:

  • مشاهد الخلود.. بين صلْيِ الجلود والظل الظليل!
  • أمانة المحراب والمنبر
  • خنجر الخيانة.. سلاح مسلوب وجحافل «مرارة»!
  • تعالوا إلى العلو.. أمِنَ الطين نستمد الحلول أم مِنَ السماء؟
  • علم الأركان الإلهي.. خطط الثبات وملحمة الفتح
  • رائحة الدم.. «فزت ورب الكعبة»
  • لبنان.. تيه بلا والٍ ولا نصير!

 

نص الخطبة:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد..

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، عباد الله.. أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم.

اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، اللهم أكرم الشهداء، وثبت الغرباء، وأطلق السجناء من إخواننا المسلمين، اللهم أرنا في اليهود وأعوانهم عجائب قدرتك، وفي النصارى وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، اللهم احصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، نسألك لأمة محمد قائداً ربانياً يسمع كلام ويسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها.

اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، وخفف لوعاتنا، اللهم أنت ملاذنا، ومعاذنا، ونصيرنا، وحسبنا، ومولانا، فنعم المولى ونعم النصير، منزل الكتاب، ومنشئ السحاب، ومجري الحساب، وهازم الأحزاب، اهزم أحزاب الباطل، وانصر حزب الحق يا رب العالمين، اللهم رحماك بالأطفال اليتامى على أرض لبنان وفلسطين وأفغانستان والفلبين وآسام وكل أرض يذكر فيها اسم الله، رحماك.. رحماك بالأطفال اليتامى، والنساء الثكالى، والشباب الحيارى، برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد، عباد الله..

 

مشاهد الخلود.. بين صلْيِ الجلود والظل الظليل!

الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ينقلنا إلى فئتين من الناس، فئة في النار وفئة في الجنة، ثم يبين أسباب دخول هذه النار المرعبة، ويبين أيضاً الأعمال التي أهّلت أصحاب الجنة أن يصلوا إلى رحمة الله التي بها دخلوا جنات النعيم.

فلنستمع إلى سورة «النساء» من الآية (56) يقول سبحانه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء: 56)، انظر إلى التكرار والاستمرار والخلود في العذاب تحمله كلمة "كلما"، الجلود التي نضجت واحترقت وتحمشت وشويت ومر عذابها الطويل وأصبحت الآن محروقة لا تكاد تحس بالحريق، تحس بشيء آخر، تحس بالسلخ والنزع وتحس بالتبديل، إذ ينزع الجلد الذي نضج، ويُعاد جلداً جديداً يستقبل العذاب من جديد؛ (بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)، هذه صورة.

الصورة الثانية تنقلنا إلى جنات النعيم: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، ليست جنة، إنما هي جنات (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)، وهذا التأكيد يكفي (خَالِدِينَ فِيهَا)، ولكنها تأكيد وراء تأكيد، فيقول سبحانه: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ)، وإذا بالزوجة التي في الدنيا تعاني ما تعاني منه المرأة من طمث وحيض ودماء ونفاث وبقايا الإنسان العفن العاجز الناقص المريض، الذي هو مملوء بالعيوب، تنتقل تلك المرأة إلى امرأة مطهرة تطهيراً مادياً، وتطهيراً معنوياً، فلا غل ولا غيرة ولا حسد ولا غيبة ولا مكر، وكما انتقل الزوج انتقلت إليه الزوجة، أزواج مطهرة (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) (النساء: 57).

وهل يحتاج أهل الجنة إلى ظل ظليل، الجنة ليس فيها شمس محرقة، الجنة ليس فيها شمس ملتهبة، إنما فيها نور الرحمن، وهل يحتاجون إلى ظل ظليل ليحميهم من نور الرحمن؟ لا والذي نفسي بيده، إنما ظلها من جنس آخر، ظلها الظليل ليس هروباً من حر إلى ظل، إنما هو انتقال من لذة إلى لذة، ومن متعة إلى متعة، ومن أُنس إلى أُنس، ومن جمال إلى جمال؛ (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا)، وبعد هذين الفريقين يبسط الله الآيات التالية التي تؤدي إما إلى أهل الجحيم، أو إلى أهل النعيم.

 

أمانة المحراب والمنبر

آيات عجيبة، أولها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58)، تلاحظ في هذه الآية أداة التأكيد «إن» تتكرر أكثر من مرة، ويأتي بعدها لفظ الجلالة «الله»، وهل هناك أعظم من أن يؤكد الله هذا الحق باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ماذا يؤكد الله بأداة التأكيد وباسمه الأعظم؟ القضية الأولى: أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، والأمانات كثيرة، أنا لا أحصيها الآن، ولكنني أذكّر ببعض الأمانات الضائعة، وأولها الحكم بما أنزل الله، وهي التي ذكرها الله أول ما ذكر: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).

وإلا الأمانات كثيرة، منها: أمانة مع الله في توحيد ألوهيته، أمانة مع الله في توحيد ربوبيته، أمانة مع هذا الكتاب تدبراً وعملاً، أمانة في رفع راية الجهاد في سبيل الله، أمانة في حق النفس والزوجة والجار والمسلم والمحارب والمسالم، عهود وأمانات، والودائع للمسلمين تردها كما أخذتها، أمانات، لكن الله ابتدأ بقضية الحكم، لماذا؟ لأنه أول ما يفصم من عُرى الإسلام الحكم بما أنزل الله، وآخر ما يُفصم من عُرى الإسلام الصلاة، وأكثر من سبعين دستوراً في العالم كُتب في صفحاته الأولى: دين الدولة الإسلام، وكُتب على صفحة الواقع والعمل: لا إسلام! حتى تعرف الإشارة العظيمة إلى هذه القضية الخطيرة؛ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس، كل الناس، دون تفصيل للون أو لغة أو قومية أو أرض أو جنس أو عشيرة أو قبيلة أو عائلة أو طول أو غني أو فقر، ما دام يحمل جنس كل الناس في كل الأرض، يجب أن يُعاملوا تحت عدل الإسلام ومظلة الإسلام، لا امتيازات، ولا محسوبيات، لا رشاوى، لا طبقية، أن تحكموا –كما يقول الله تعالى– بالعدل ولا عدل إلا من خلال منهج الله.

 

خنجر الخيانة.. سلاح مسلوب وجحافل «مرارة»!

ومن الأمانات التي سُلبت ويجب أن تُرد إلى أصحابها قضية فلسطين، يوم أن كان الشعب الفلسطيني يحمل السلاح ويجاهد العدو وقد قارب من النصر واستعادة الأرض، جاءه من قال له: ألق السلاح، وسلّم السلاح، وأنا الذي أحمل الأمانة عنك، وأقاتل عنك بجيوشي الجرارة، وجحافلي المرارة فلما صدّق هذا الشعب المسكين وألقى السلاح وسلّم الأمانة إلى عناق جيوش ودول، كانت الخيانة الكبرى، وإذا هو التآمر العميل، وإذا هي الخيانة لأمانة الله، هنا يأمر الله، لا يأمر أحد سوى الله، أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.

واستمرت خيانة الأمانة، ليس فقط من إسقاط السلاح من يد المقاتل، وإنما قتل المقاتل كما يحدث على أرض لبنان وفي غير لبنان، قتله وذبحه إمعاناً في الخيانة وإهداراً للأمانة التي طالب الله بها من حملها، (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا) لجميع المؤامرات التي تُحاك وراء الكواليس، والشعارات المزيفة، واستفزاز القضية سنين طويلة، وحلبها حلباً مادياً؛ (بَصِيراً) لا يفوته شيء، آهات الأطفال وأنات الأمهات وحنين الأولاد عبر السجون، والشيوخ الذين دُكت أضلاعهم بأعقاب البنادق، والشباب الحيارى الذين يُصب عليهم العذاب صباً، والمهاجرون الذين يهاجرون من شارع إلى شارع، ومن بيت إلى بيت، يشربون من مستنقعات الأرض، ويسكنون ركاماً من الحجارة والحديد والإسفلت، الذين لا يجدون شربة ماء والأنهار تجري من تحتهم، هؤلاء وأمثالهم الله سبحانه وتعالى بهم سميع، وبهم بصير، فكل من تآمر عليهم لا يفوت من سمع الله ولا عن بصر الله سبحانه وتعالى، فإن كان يمهل الآن المتآمرين فإن أخذه شديد، وأخذه أليم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 

تعالوا إلى العلو.. أمِنَ الطين نستمد الحلول أم مِنَ السماء؟

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: 59)؛ وكما وجّه القيادة لأداء الأمانة، وجّه القاعدة لطاعة الله أولاً، وطاعة رسول الله أولاً، ثم طاعة أولي الأمر، وحدد هويته بأنه منكم يا أهل الإيمان ويا أهل الإسلام، لا أن يشرّق ويغرّب، فالتشريق والتغريب ليست في شريعتنا، أولو الأمر ولكن من؟ قال: (مِنكُمْ)، وإلا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ)؛ ولا بد من التنازع كبشر، لكن من يأتي إلينا بالحلول؟ الحلول السلمية أو الحربية؟ الله ورسوله من خلال هذا المنهج العظيم، لا أن نستمد الحلول من الأعداء ومن المجالس وإنما نستمدها من الله، (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (النساء: 59).. الله أكبر!

وإذا حد الإيمان، وحد الإسلام بالله وباليوم الآخر يثبت ذلك الحد أننا نفوض الأمر والتنازع إلى الله ورسوله، وأن نطيع الله ورسوله، وإلا لا إيمان بالله ولا إيمان باليوم الآخر، مهما كُتب في شهادة الميلاد «مسلم»، وفي شهادة الوفاة «مسلم»؛ (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، ثم يضرب الله لنا مثلاً أتعجب منه لهذا الصنف العميل! يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) (النساء: 60)، انظر إلى التبجح وقلة الأدب وقلة الحياء، يعلنون بأنهم آمنوا بما إليك (أي القرآن)، وبما أنزل من قبلك (أي جميع الأديان السماوية)، هذا إعلان مكتوب، هناك 77 دستوراً مكتوب في هذا الإعلان، يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، لنرى الواقع بعد هذا الإعلان، (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) (النساء: 60)؛ فتحاكمهم إلى الطاغوت ليس عن جهل، وهم يعرفون الحلال من الحرام، والحق من الباطل، والعدل من الظلم، والخير من الشر، والنور من الظلام، والله أمرهم أن يكفروا به فأطاعوا الشيطان وكفروا بالله، (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء: 60)؛ الحق بين أيديهم، ولكن الشيطان يقودهم إما إلى الشرق، وإما إلى الغرب، ضلالاً بعيداً.. بعيداً.. والحق بين أيديهم مبسوط.

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا) (النساء: 61) فيها انقلاع من الطين والتبعية "تعالوا" من العلو، ارفع نفسك من الطين والوحل والتبعية والتراب والذل والهوان "تعالوا" إلى العلو الإيماني والإسلامي، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ)؛ ألم تقولوا: إنكم آمنتم بما أنزل الله إلى الرسول وإلى من قبله؟ إذن «تعالوا»، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً {61} فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) (النساء)؛ لا تظن أن الله يتركهم هكذا يستمتعون، إنما تنزل عليهم البلاوي، وتتزعزع العروش من تحتهم، وإذا نزلت هذه المصائب (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) (النساء: 62)؛ يحلفون بالله، نحن ما ذهبنا إلى الشرق أو الغرب إلا للتوفيق والإحسان، ومراعاة للحقوق الدولية، والقوانين الإنسانية، يتباكون عليها.

(أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً {63} وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً) (النساء) (فَلَا وَرَبِّكَ) يقسم الله بذاته العلية (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65)، حتى هذا الحرج وهذا الإحراج المزعوم، لماذا لا تطبقون الشريعة؟ نعوذ بالله، نطبقها.. نقطع يد السارق؟ لماذا؟ لأنهم كلهم لصوص، يخافون أن تُقطع أيديهم، نزني.. فيأتي الشرع بحد الزنى.. ثم تريدون منا أن نطبق شرع الله، فيكون أول مرجوم أولئك المنافقين، الإسلام يعريهم، لهذا يقول الله سبحانه وتعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا)، ماذا نقول للدول المتقدمة والمتحضرة؟ الإسلام يقطع يد السارق؟ هذه وحشية، هذه همجية في عصر التقدمية، لا.. (لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، عند ذلك، يظهر حد الإيمان، وحد الإسلام في قلوبهم، وإلا لا إسلام.. قسماً برب السماوات والأرض؛ (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ).

ثم انظر إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، ما التكليف الذي كلفنا الله حتى نترك دينه؟ يقول الله: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) (النساء: 66)؛ الله يسر الدين وما جعل فيه من حرج، هل أمرنا أن نذبح أنفسنا؟ هل أمرنا أن نخرج من بيوتنا وديارنا؟ لو أمر الله بذلك، من يطيق أن يفعل ذلك؟ ولكن الله رحيم، يسر الدين، ورفع عنه الحرج، ومع هذا يحرجون أنفسهم أمام الله بأخذ مناهج البشر، وترك منهج الله رب العالمين، (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً {66} وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً {67} وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً {68} وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم) (النساء)؛ ماذا تريدون أفضل من هذه الرفقة؛ (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء: 69)؟! من يزهد في رفقة نوح ورفقة إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، لماذا تأخذون الرفقاء: لينين وستالين وغيفارا وغيرهم، وتتركون هذه الرفقة الطيبة المباركة في جنات النعيم؟!

اللهم إنا نسألك رفقة الأنبياء والصالحين والشهداء والصديقين، إنك على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، اللهم أعنا على أداء الأمانة إنك على ذلك قدير، اللهم أعنا على الحكم بما أنزلت إنك على ذلك قدير، اللهم اجعلنا للمسلمين هينين لينين سمحين حبيبين قريبين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

 

الخطبة الثانية:

علم الأركان الإلهي.. خطط الثبات وملحمة الفتح

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: (ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيماً {70} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ) (النساء)؛ أي على شكل حرب عصابات، وهذا الآية تبين أن القرآن يخطط للعمليات العسكرية، لا يظن الجيل المسلم أن القرآن كتاب عبادات فقط محبوس في المساجد، الإسلام يرسم المعارك كما يرسم السياسات كما يرسم الاقتصاد كما يرسم التعليم، إنه كتاب الله، تابعوا الخطط العسكرية التي رسمها القرآن والانتصارات التي بعدها مباشرة، لأن الذي يخطط ويرسم هذه المعارك هو الله رب العالمين، كما قال في آيات أخر سبحانه وتعالى: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ) في الحرب والقتال (فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ) (الأنفال: 57)، هذه خطة عسكرية؛ أي اضربهم ضربة قاصمة تجعل مَن وراءهم من العملاء يهربون، كذلك يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة: 123)؛ هذه خطة عسكرية مرسومة، كما أنها هذه هي الإستراتيجية العسكرية للمعركة الإسلامية، تنقسم قسمين؛ إما حرب عصابات كما هو موجود الآن في أفغانستان، وقد داخ الشيوعيون منهم، وإما على شكل حروب نظامية عسكرية تلتقي بها الجيوش مع الجيوش.

الله يقول في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ)؛ أي مجموعات، (أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) (النساء: 71)؛ أي في جيش واحد، (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ)؛ هذه الطائفة التي تبث الأراجيف، وتثبّط الهمم، هذا الطابور الخامس المتداخل معنا في الصف هو أخطر من العدو المكشوف، (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ)؛ انظر إلى الكلمة كم هي ثقيلة (ليبطئن)، (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) (النساء: 72)، يفرح إذا قُتل المسلمون على سلامته هو، ويعتبر الشهادة خسارة؛ (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (النساء: 73)، إذا كانت غنائم وأموال يقول: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)، إنما الفوز العظيم هو الشهادة عند الله رب العالمين.

 

رائحة الدم.. «فزت ورب الكعبة»

حرام بن ملحان تأتيه ضربة على رأسه فيفور الدم، فيأخذ الدم ويمسح وجهه ثم يقول: فزت بها ورب الكعبة! أحد المجاهدين الأفغان، جاءته ضربة في ساقه فقطعت ساقه، ففار الدم فأخذ الدم بيده ومسح وجهه وصاح: اللهم إني أسألك الشهادة، فجاءت قذيفة فقطعت رأسه وإخوانه ينظرون، كرامة من الله للمجاهد عندما يُخلص الدعاء لله رب العالمين، (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) (النساء: 74)؛ يحدد الله الطريق، الطريق هو سبيل الله، لا نقاتل من أجل قومية أو عصبية أو راية عمية، وإنما في سبيل الله، يؤكدها أكثر من ثلاث مرات؛ (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ)؛ أي يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ) (النساء: 74)، يقدم القتل على الغلبة؛ لأن القتل في سبيل الله مكسب، وما تُرك الجهاد في لبنان، والجهاد في فلسطين إلا من أجل حب متاع الدنيا وشهوات الدنيا، يخافون أن تزول تلك العروش، وتلك القروش، وجُعلت الجيوش للمهرجانات والتلميع، والله سبحانه يجعل القتل في سبيله مكسباً من أعظم المكاسب، فيقول: (وَمَنْ يُقَاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء: 74).

 

لبنان.. تيه بلا والٍ ولا نصير!

(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) (النساء: 75)، كما هم الآن في أرض لبنان، وفي طرابلس، كل الطوائف الظالمة قسّمت أرض لبنان الآن، كل الطوائف الظالمة أخذت نصيبها وحددت حدودها، وما بقي إلا المسلم لا والي له ولا نصير له، الدول التي تحكمها طوائف وأحزاب لا تراعي القوانين الدولية التي تقول: لا يحق لنا أن نتدخل في حدود دولة، وأن الحروب الهجومية محرّمة، وأن هذا من سيادة الدولة، والتدخل في شؤون الدولة السياسية ممنوع دولياً، كل هذه القوانين الدولية أُلقيت تحت النعال وفوق التراب عند الأحزاب الحاكمة للدول، والطوائف الحاكمة للدول، ودخلت بدباباتها وأسلحتها، واجتاحت المسلمين في أرض لبنان، وقسمت تلك الطوائف أرض لبنان وحددت حدودها، والتائه الحائر الذي يدور ويتعرض للقذائف هو المسلم الفلسطيني على أرض لبنان.

الله يقول لهم ولجيوشهم: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) (النساء: 75)، أتعرفون ما هذه القرية المذكورة في هذه الآية؟ إنها مكة، ومن الذي اعتبر مكة أرض حرب؟ المهاجرون، هم أهل مكة أنفسهم لما هاجروا إلى المدينة، ما قالوا: إن هذه مكة وطننا، ويجب أن نراعي سيادتها وأن نراعي حرمتها، وأن نراعي البيت الحرام الذي فيها.. لا.. ما دام هناك فيها ظلم واضطهاد وولدان ونساء وشيوخ يُعذبون، ويجرون إلى الرمضاء، ويُسلبون الحقوق، جميع الأعراف الدولية تتكسر أمام نصرة المظلوم، لهذا يقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) (النساء: 75)؛ والفلسطيني على أرض لبنان لا ولي له، (وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (النساء: 75)، ولا نصير له.

يقول سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (النساء: 76)، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) (النساء: 77)، يريدون أن يأكلوا هذا العلف، ويستمتعوا بملذات الدنيا، وينتظروا أجلهم القريب وهو الموت، الموت الطبيعي، موت الفطائس على الفرش بين الغانيات، لا يريدون أن يموتوا في الخنادق بين المجاهدين، إنها شهوات الدنيا وملذات الدنيا هي التي جعلتهم يقعدون مع القاعدين، يقول الله تعالى: (قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً {77} أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) (النساء)؛ أو قصور مترفة، فإن الموت يأتيكم هناك وأنتم محصنون؛ (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً {78} مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً) (النساء).

أحبتي..

استمعوا إلى هذا الختام المؤثر الذي يبين أثر طاعة الله وطاعة رسوله، وأن الذي يدير المعارك الإسلامية هو الله، والذي ينكل بالأعداء هو الله، وأن الذي له بأس شديد هو الله، لا تخشوا الناس، لا تخشوا الشرق أو الغرب، إنما الخشية لله رب العالمين، فاستمعوا إلى هذا الختام العظيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً {80} وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً {81} أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً {82} وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً {83} فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) (النساء).

والآية تظهر في نهايات المعارك، يوم أن يتخلى الجميع عن الله، ويتخلى الجميع عن الإسلام، ويتخلى الجميع عن الجهاد؛ فمن بقي بالساحة يجاهد؟ محمد صلى الله عليه وسلم؛ (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ)؛ ولو بقيت وحدك أيها المسلم، حدّث -ولو تحديثاً- نفسك بالجهاد؛ «فمن سأل الله الشهادة صادقاً مخلصاً بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» (أخرجه مسلم).

 

الخاتمة والدعاء:

اللهم أنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً، أرنا بأسك الشديد وتمثيلك الشديد في أعدائك وأعدائنا المتآمرين على «الأقصى» وفلسطين، المتآمرين على المسلمين، الذابحين للأبرياء، الهتاكين لأعراض النساء، المهدرين للدماء، الناهبين للأموال، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم جمد الدماء في عروقهم، وأخرجهم مجانين إلى الطرقات يتلاعب بهم الصبيان، اللهم مزقهم شر ممزق، واجعلهم أحاديث في الأرض، إنهم يتسلطون على عبادك، اللهم بأسك فيهم الشديد.

اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا مؤمناً إلا ثبته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً إلا سترته وأصلحته، ولا مسافراً إلا حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته وأخذته، اللهم أمّن روعاتنا، وثبتنا يوم الفتنة، أطعمنا يوم الجوع، اسقنا يوم الظمأ، استرنا يوم العورة، أمّنا يوم الفزع، صبّرنا يوم الجزع، اجمعنا يوم الشتات، ارحمنا يوم اليأس، إنك على ذلك قدير، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تحميل