الأربعاء 04-نوفمبر-2026 - 24 جمادى الأول ، 1448
حرب الخليج (2)
- صرخة نذير.. ونداء لم يستجب له
- واحة الأمان.. هل ندرك قيمة النعمة؟
- منهج الثبات في عواصف الأمن والخوف
- وجوه خفية.. الطابور الخامس في ميزان الوحي
- ولاءات ممزقة.. عندما تُقبض الأيدي عن الأوطان
- ناموس التغيير.. البناء يبدأ من أعماق الأنفس
- أركان الأمان الخمسة.. درع الحماية من الزوال
- صورٌ مبكية.. حبوب النمل وعاقبة البطر
- خماسية الوعيد.. نبوءة نبوية تحكي واقعنا
التعريف بالخطبة:
يتحدث الشيخ
رحمه الله في هذه الخطبة عن ضرورة حماية الجبهة الداخلية وصون نعمة الأمان في ظل
نذر الحرب المحيطة بالخليج، ويستعرض المنهج القرآني في كشف ألاعيب الطابور الخامس
من المنافقين، مؤكداً أن إصلاح الداخل والتمسك بالإيمان هما الصمام الحقيقي للنجاة
من الفتن والدمار.
عناصر الخطبة:
- صرخة نذير.. ونداء لم يستجب له
- واحة الأمان.. هل ندرك قيمة النعمة؟
- منهج الثبات في عواصف الأمن والخوف
- وجوه خفية.. الطابور الخامس في ميزان الوحي
- ولاءات ممزقة.. عندما تُقبض الأيدي عن الأوطان
- ناموس التغيير.. البناء يبدأ من أعماق الأنفس
- أركان الأمان الخمسة.. درع الحماية من الزوال
- صورٌ مبكية.. حبوب النمل وعاقبة البطر
- خماسية الوعيد.. نبوءة نبوية تحكي واقعنا
المقدمة:
إن الحمد لله،
نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
أحبتي في الله..
أوصيكم ونفسي
بتقوى الله؛ (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).
صرخة نذير.. ونداء لم يستجب له
أما بعد، عباد
الله..
أذكر أنني لمابدأت الحرب في الخليج، ذكرت على هذا المنبر الكريم، منبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم، منذ بدأت الحرب، وطالبت بأن تحقن الدماء، فإن المستفيد منها هو العدو
اليهودي، والمستفيد منها أطراف أخرى دخلت في الصراع، تثير نار الحرب، لكي تشرب
دماءنا، وتسلب أموالنا، وتضعف قوانا، ولكن لم يجد هذا النداء والنداءات الأخرى
أذناً صاغية، وحذرت يومها أن الحرب سوف تمتد، ما دامت هناك أطراف عميلة تدخل في
النزاع، وامتدت الحرب الآن، وقُصفت ناقلات النفط، وجاءت التهديدات مباشرة، سواء
بالتدخل العسكري، أو بزعزعة أمن الخليج الداخلي.
واحة الأمان.. هل ندرك قيمة النعمة؟
وأمام هذا الأمر
الخطير، أيها الأحبة، وكما أننا نعترف ونقر أن دولة الكويت بفضل الله أرض أمان،
نعيش عليها جميعاً إخوة متحابين، القاسم المشترك هذا الأمان الذي نحياه، وحرية
الكلمة، والخير الوفير الذي يُساق إلينا من كل مكان. لا يوجد على وجه الأرض في
عالم العروبة اليوم أماناً مثل هذا، كثير من الناس في أوطانهم منفيون، كثير من
الناس في أوطانهم معتقلون، ونحن قد أسبغ الله علينا نعمه ظاهرة وباطنة، فأصبح
علينا جميعاً أن نحافظ على هذا الأمان، والحفاظ عليه ينطلق من منطلقين؛ المنطلق
الأول: أن نحافظ على جبهة الإيمان وقاعدة الإيمان، المنطلق الثاني: أن نحافظ على
الجبهة الداخلية، وأن تظل متماسكة.
منهج الثبات في عواصف الأمن والخوف
أيها الأحبة..
الله سبحانه
وتعالى وصف المجتمع المسلم المتماسك قبل الحرب فقال عنه: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ
أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: 83)؛
ما معنى هذه الآية؟ إن هناك طابوراً موجوداً في المجتمع، إذا كان المجتمع آمناً
أثاروا فيه الخوف، وإذا كان خائفاً ويستعد ويحذر أثاروا فيه الأمن. إذن، لا بد قبل
الحرب أن نتماسك، أيها الإخوة، أما أثناء الحرب، فماذا يقول الله؟ (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ
مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:
146)، أما بعد الحرب، وأمام حرب الإشاعات، أو خلال نشوة النصر، يقول الله
عن هذا المجتمع المتماسك: (الَّذِينَ
قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل
عمران: 173).
وجوه خفية.. الطابور الخامس في ميزان الوحي
ثم، أيها
الأحباب، قرآننا وربنا يحذرنا من هذا الطابور الخبيث، الطابور الخامس، الذي من
أبرز أعماله قبل الحرب إثارة الفتنة، وقلب الحقائق؛ قال الله تعالى: (لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ
مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ) (التوبة: 48)، العمل الثاني له:
هو أنه يكثر قبل المعركة التأكيدات والحلف أنه معك وأنه ينصرك، فإذا بدأت المعركة
ولى الأدبار؛ قال تعالى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ
لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ {56} لَوْ
يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ
يَجْمَحُونَ) (التوبة)؛ عملهم الثالث: إنهم في ساعة الصفر يستأذنون لكي يلقوا السلاح؛ قال تعالى:
(وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ
ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ) (التوبة: 49).
عملهم الرابع:
إنهم إذا بدأت المعركة ولوا الأدبار، شعارهم: (لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ) (التوبة: 81)،
شعارهم: (لَوْ نَعْلَمُ
قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ) (آل عمران: 167)، عملهم الخامس: إنهم إذا حقق
الله لكم النصر حزنوا، وإذا حلّت الهزيمة فرحوا؛ يقول الله عنهم: (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ
وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ
وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ) (التوبة: 50)، إنني من خلال هذه الآيات
أكاد أن أتلمسهم وهم يعطفون من خلال رياحهم السوداء والصفراء.
ولاءات ممزقة.. عندما تُقبض الأيدي عن الأوطان
أيها الأحبة..
إن القرآن يحدد
تحديداً واضحاً هذا صنف وهذا الطابور، استمعوا إلى قوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ
بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ) (التوبة: 67)، انظروا دقة الآية: (بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ)؛ أي
الذين هنا هم الذين هناك (يَأْمُرُونَ
بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) (التوبة:
67)؛ نلاحظ في هذه الآية (وَيَقْبِضُونَ
أَيْدِيَهُمْ)، لا يعطونك الدعم المادي في الأرض التي يعيشون عليها، والوطن
الذي يستمتعون بخيراته، بل يعطون الدعم المادي لأرض العدو الذي يريد سلب الأرض
والعرض. ثم الآيات أيضاً تحدد الصنف المؤمن الصادق: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ)
(التوبة: 71)، نلاحظ في هذه الآية (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)؛ هناك تكافل اجتماعي بينهم، وولاء
للصادقين المخلصين، (يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)؛ لتنظيف الجبهة الداخلية من
الخونة والعملاء والحاقدين والطائفيين، (وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ)؛ تقرباً إلى الله، لا تقرباً إلى هيئة
الأمم، (وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ)؛ الدعم المادي، لأن الجهاد لا يقوم على فراغ إنما على مال، (وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ)؛
التزام بالمنهج خلف القيادة المؤمنة الصادقة، وهكذا يحدد القرآن تحديداً دقيقاً
للصادقين المخلصين في السلم وفي الحرب أيضاً.
أيها الأحبة...
أمام هذه الآيات
الكريمة قفوا وتدبروا، وليصحح كل واحد منا وضعه، فإن كان في هذا البلد خير فنحن
مشتركون فيه، وإن كان سيحل عليها غير ذلك، فالله يقول: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) (الأنفال: 25)، ويقول سبحانه: (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ
يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ
وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) (التوبة: 126).
اللهم إنا نسألك
العافية في الجسد، والإصلاح في الولد، والأمن في البلد، اللهم أمّن لوعاتنا، واستر
عوراتنا، واغفر زلاتنا، واجعلنا برحمتك في الفردوس الأعلى، اللهم لا تسلط علينا
بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا أرحم الراحمين. ربنا لا تؤاخذنا بما فعل
السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى
وأهل المغفرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه.
ناموس التغيير.. البناء يبدأ من أعماق الأنفس
الحمد لله رب
العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، اللهم
لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وأوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة
مريئة لا نظمأ بعدها أبداً. ونسألك اللهم أن ترضى عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر،
وعمر، وعثمان، وعليّ، وعن الصحابة أجمعين، ومن اهتدى بهديهم، ودعا بدعوتهم إلى يوم
الدين.
أما بعد، أيها
الأحباب الكرام..
وقاعدة التغيير
من الخير إلى الشر، أو العكس، تنطلق من الداخل لا من الخارج، انتبهوا إلى سُنة
الله، وناموس الله، أن التغيير لا يأتي من الخارج، إنما التغيير يأتي من الداخل،
وناموس الله يقول في قرآنه سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا
بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، هذه قاعدة لا تزول، ولا تحول، من أخذ بها
وصل، ومن تركها هلك.
أركان الأمان الخمسة.. درع الحماية من الزوال
أيها الأحبة..
وأقف معكم الآن
مع آيات الله التي تكفل لنا الأمان المعيشي، والأمان النفسي، والأمان الاجتماعي
والاقتصادي والتربوي والعسكري. أولها: أن نحافظ على الإيمان والتوحيد، وأن نطرد
الشرك، قال تعالى: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {81} الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم
بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) (الأنعام)، في هذه الآية الواحدة تكرر الأمن مرتين، وتكرر الإيمان
مرتين. ثانياً: أن نجتنب الفسق بجميع صوره، ألا نستقبل رمضان بفرقة رضا الراقصة،
ألا نستقبل رمضان بكلمات لا ترضي الله، تُنشر هنا وهناك، الفسق عموماً بجميع صوره
يجب أن نحاربه لنحافظ على الأمن والإيمان، قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِيهَا) (الإسراء: 16)؛ أي أمرناهم بتحكيم كتاب الله وشرعه؛ (فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ
عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء: 16).
ثالثاً: أن
نتجنب الذنوب بجميع أنواعها، صغارها وكبارها، قال تعالى: (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم
مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (العنكبوت: 40).
ثم، أيها
الإخوة، أن نتجنب صور الظلم كلها، صور الظلم الاجتماعي.. الاقتصادي.. السياسي..
التعليمي.. التربوي، أن نتجنب صور الظلم، حتى في قضايا الإيجار والبيع والشراء،
يقول الله سبحانه: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ
ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ {11} فَلَمَّا أَحَسُّوا
بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ {12} لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى
مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ {13} قَالُوا يَا
وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ {14} فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى
جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ) (الأنبياء).
ثم، أيها
الإخوة، إذا ما حل البلاء والعياذ بالله علينا أن نفر إلى الله، وأن نلجأ ونتضرع
لكي ينجينا، قال سبحانه: (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا
تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ {43} فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم
بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) (الأنعام)، ويقول سبحانه: (وَلَوْ
رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ
يَعْمَهُونَ {75} وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا
لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ {76} حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً
ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) (المؤمنون).
صورٌ مبكية.. حبوب النمل وعاقبة البطر
ثم، أيها
الأحباب، نقطة أخيرة، أنبه عليها وهي أن نحافظ على نعمة المعيشة، وأن نترك البطر
في المعيشة، وأن نترك الإسراف، بيت الزكاة سافر إلى السودان، ثم نشرت «القبس»
تقريراً عن زيارتهم هناك، ورأيت بعيني صوراً مبكية، رأيت أناساً يحفرون بيوت النمل
من الجوع، حتى يلتقطوا حبوب الشعير التي جمعها النمل لنفسه!
أيها الإخوة،
ونحن كل مغرب نأكل ونرمي في أكياس النظافة ما فاض من أطعمة تكفي جيوشاً، أليس ذلك
من بطر المعيشة؟! إن النعمة زائلة إن لم نشكرها ونحمها، والله قال: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ
تُسْرِفُواْ) (الأعراف: 31)، والله سبحانه وتعالى لا يحب الإسراف ولا
المسرفين، قال تعالى عن الذين بطروا معيشتهم (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا
فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا
نَحْنُ الْوارِثِينَ) (القصص: 58).
أيها الأحبة..
إنني كلما قرأت
قوله تعالى في كتابه الكريم هذه الآيات العظيمة تذكرت بلدي، والنعمة التي نحن
فيها: (وَضَرَبَ اللّهُ
مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً
مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ
الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) (النحل: 112).
أيها الأحباب
الكرام..
استمعوا ماذا
يقول الله سبحانه حول الذين يطبقون حكمه وشرعه، استمعوا ماذا يقول في كتابه وبماذا
يعدهم؟ (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ
الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ) (الأعراف: 96)، ويقول: (لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) (المائدة: 66)،
يعني تحت رجله تكون الأرض مخصبة فتنتب النبات، الأرض التي تُداس يظهر منها
المحصول، كل ذلك ببركة الله رب العالمين.
خماسية الوعيد.. نبوءة نبوية تحكي واقعنا
والله سبحانه في
كتابه الكريم بيّن ووضح، والرسول صلى الله عليه وسلم يحذر أمته، فاستمعوا ماذا
يقول، وتدبروا هذا الحديث الذي أختم فيه خطبتي لنراه، هل ينطبق على عالمنا اليوم
أو لا ينطبق، قال صلى الله عليه وسلم: «يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم
بهن، ونزلن بكم، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا
بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان
إلا أخذوا بالسنين (أي القحط) وشدة المؤونة (أي الغلاء)، وجور السلطان، ولم يمنعوا
زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا (معنى هذا أصبحت
البهيمة أكرم على الله من الإنسان، فالله ينزل المطر من أجل البهيمة والإنسان يشرب
فضلاتها، لأن الله غضب عليه)، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله الذي هو الجهاد، نقض
عهد الله وعهد رسوله، فصيغة العهد في القرآن: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمنينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ) (التوبة:
111) هذا هو العهد، وعهد رسوله: الجهاد ماض إلى يوم القيامة». (رواه ابن
ماجه، والبيهقي).
بماذا نقضوه؟
نقضوه في الدساتير كلها، فكتبوا الحرب الهجومية محرّمة، ومُنع الجهاد وعُطّل، ولم
ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سُلِّط عليهم عدو من غيرهم، فيأخذ بعض ما في أيديهم،
وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جُعل بأسهم بينهم.. الله أكبر! صدق رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فالنجاة النجاة عباد الله! والعودة إلى الله؛ (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي
لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (الذاريات: 50).
الخاتمة والدعاء:
اللهم إنا نبرأ
إليك من ذنوبنا ومعاصينا، التي كانت سبباً في إصابتنا، اللهم إنا نبرأ إليك من
ذنوبنا ومعاصينا التي كانت سبباً في بلائنا، اللهم إنا نسألك العافية ودوام
العافية، وتمام العافية، والشكر على العافية، في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك
الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام. اللهم من أراد بنا في بلدنا هذا وسائر بلاد
المسلمين سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدميره في تدبيره.
إن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم
تذكرون.
اذكروا الله
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.