الأربعاء 27-مايو-2026 - 10 ذو الحجة ، 1447

العدل في الإسلام

86
2026-05-25


 

التعريف بالخطبة:

خطبة عن العدالة الاجتماعية في الإسلام، تبرز أن العدل أساس قيام الأمم، وتعرض نماذج من عدل النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين، خصوصاً الفاروق عمر، وتتناول صور الظلم المنتشرة في واقع الناس، وتدعو إلى إقامة العدل في البيوت، والمعاملات، والوظائف، والحقوق، والتحذير من الرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، مع بيان خطورة الظلم يوم القيامة، وأن الإسلام لا يقوم إلا بالعدل والإحسان.

عناصر الخطبة:

  •  مكانة العدل في الإسلام.
  • نماذج من عدل الفاروق عمر بن الخطاب.
  • العدل أول طريق الاستقامة.
  • الإيجار بين عدل الشرع وجشع النفوس.
  • العدل أمانة والرشوة لعنة تهدم البركة.
  • المحاماة أمانة وحقوق الناس مسؤولية.
  • العدل في الأسرة أساس السعادة.
  • عدالة النبي صلى الله عليه وسلم وحماية حقوق الضعفاء.
  • العدل بين الحاكم والمحكوم مسؤولية مشتركة

 

نص الخطبة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد..

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102).

وأعطانا الأمان النفسية والمعيشية بالتقوى فقال: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

وأعطانا الضمان لأولادنا من بعدنا بالتقوى والدعوة إلى الله فقال سبحانه: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء: 9).

وصدق الحبيب صلى الله عليه وسلم، إذ قال: «من خشي على عقبه وعقب عقبه -أي ذريته وذرية ذريته- فليتق الله فليتق الله» (لم نجد له أصلاً).

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم.

اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك تحرير المسجد الأقصى؛ مسرى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ونسألك تحرير مركض الخليل إبراهيم عليه السلام، وفلسطين المباركة، وأن تنصر إخواننا المجاهدين على أرض أفغانستان وفلبين، وفي كل أرض يذكر فيها اسم الله، وما ذلك على الله بعزيز.

ونسألك اللهم لأمة محمد في مشارق الأرض ومغاربها قائداً ربانياً يسمع كلام الله ويُسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها، ويحكم بكتاب الله وتحرسه، لا يخضع للبيت الأبيض ولا يركع للبيت الأحمر، إنما قلبه في البيت العتيق، وقدوته في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيادته في المسجد الأقصى، شعاره نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً، فإذا ما هددوه وتوعدوه طاح بهم صيحة خبيب رضي الله عنه:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً    على أي جنب كان في الله مصرعي

وإذا اعتزوا بدنياهم اعتز عليهم بدينه وإسلامه فصاح صيحة سلمان:

أبي الإسلام لا أبا لي سواه         إذا افتخروا بقيس أو تميم

تراه يتواضع عند الطاعة إلى الله فيقول بشعار الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم في أنشودتهم الخالدة مع قائدهم في الغزوات:

والله لولا الله ما اهتدينا      وما تصدقنا وما صلينا

فأنزلن سكينة علينا          وثبّت الأقدام إن لاقينا

 

مكانة العدل في الإسلام:

أما بعد، عباد الله..

إن دولة العدل إلى قيام الساعة، ودولة الظلم ساعة، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما التقى بوفود الكافرين في مكة فبلغهم دعوة الله تلا عليهم قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى) (النحل: 90).

فقالوا له: إن الأمر الذي تدعو إليه تكرهه الملوك كلمة ينادي بها الإسلام، إن الله يأمر، هذه الكلمة أقضت مضاجع السلاطين والحكام والخلفاء من بعدهم، فمن أخذ بحقها وأدى الذي عليه فيها؛ جدير أن يقال له كما قيل للفاروق إمام العادلين بعد أبي بكر رضي الله عنه عندما قيل له: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.

إن هذه الكلمة «إن الله يأمر بالعدل» أقضت مضاجع العادلين والظالمين سواء، أما العادلون فإنهم لا ينامون الليل حتى يؤدي الذي عليهم في رعيتهم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بشرهم السبع الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ أولهم وفي مقدمتهم وعلى رأسهم إمام عادل؛ أي حاكم عادل، فسعى من أجلها الصالحون، وسعى من أجلها الخلفاء، وهذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يوصي الناس وعلى رأسهم الولاة: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (رواه البيهقي في السنن).

كلمة قالها محمد صلى الله عليه وسلم نرى الناس يتفاوتون فيها، فمنهم الناجي ومنهم الهالك، الفاروق عمر رضي الله عنه يحرص على أداء أجرة الأجير تحت مظلة الشريعة، فإذا تساوى الأجيران بالكفاءة والخبرة والحاجة لهما والإنتاج كان الأجر سواء لا تفاضل بينهما أبداً لأي اعتبار جاهلي أو عنصري أو قومي أو حسب أو نسب، وإنما إذا كانت الخبرة واحدة والإنتاج واحد والحاجة لهما واحدة والعمل واحد والكفاءة لا بد أن تتساوى الأجرة في ذلك.

والسلف الصالح رضي الله عنهم يبذلون قصارى جهدهم في تنفيذ هذا الأمر؛ لأن القضية ليست قضية الدنيا، إنما هي قضية الآخرة التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها للظالمين بهذا التهديد والوعيد: (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: 16)، ويقول سبحانه: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) (الحج: 71)، ويقول سبحانه عنهم يوم القيامة: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (غافر: 18)؛ أي ليس لهم صديق يوم القيامة ولا شفيع يشفع لهم من عذاب الله بسبب ظلمهم.

 

نماذج من عدل الفاروق عمر بن الخطاب

والفاروق يرفع شعار العدل فيقول: أيها الناس، إني أخشى أن أحاسب عند الله يوم القيامة في بغلة أو عنزة عثرت في العراق لم أسوِّ لها الطريق، ويخرج الفاروق في الليل المظلم في الليل المظلم والبرد شديد وفي عام الرمادة ذلك العام الذي أصيب الناس فيه بالقحط الشديد حتى أصبحت وجوههم مثل تراب الأرض مثل الرماد فسمي بـ«عام الرمادة»، يخرج إلى الناس يتفقدهم في الليل وقد أخذه التعب والسهر، وإذا بقافلة تأتي من اليمن فيستقبلها في زمهرير البرد ويؤويهم ويصيح بهم:

أفيكم جائع نطعمه؟

أفيكم عارٍ نكسوه؟

أفيكم فقير نغنيه؟

أفيكم مريض نداويه؟

والناس يأتونه من كل مكان، هو هو بنفسه يشرف على أمته؛ لأنها فردية التبعة عند الله رب العالمين.

إن الأعباء سواء كانت في الصالح أو في الطالح يحاسب هو كل امرئ بما كتب رهين؛ هذه هي القاعدة عندهم رضي الله عنهم.

وإذا بامرأة طفلها الصغير يبكي، فيقول لها عمر: أسكتيه فقد آذاني وآذى جيرانه، إنهم نيام فأسكتته، فذهب وعاد إليها فإذا الطفل يبكي قال: ما بال طفلك يا أمة الله؟

قالت: وما شأنك أنت، إنني أجبره على الفطام، إنني أضع على ثدي المُر حتى لا يشرب الحليب؛ لأن عمر لا يجري من بيت مال المسلمين أرزاق الأطفال حتى يبلغ سن الفطام، وأنا أفطمه وهو لم يبلغ سن الفطام.

عند ذلك بكى عمر، وقال في نفسه وهمهم: كم طفلاً قتلت يا عمر وأنت لا تدري؟ يا أمة الله أرضعيه وأطعميه وغداً يأتيه رزقه إن شاء الله.

وذهب الفاروق وهو يسمع نداء آذان الفجر يصلي بالمسلمين.

يقول حذيفة: وصلينا خلفه صلاة الفجر فلم نفقه قراءته من شدة بكائه، ولا ندري لماذا يبكي عمر.

فلما فرغ من الصلاة قال: أيها الناس، اعلموا وليبلغ الشاهد منكم الغائب، أنني أجري أعطيات الأطفال يوم ولادتهم من بيت مال المسلمين.

وهكذا رضي الله عنه وأرضاه كان يحرص على العدالة بين الناس؛ لا مخصصات ولا امتيازات ولا فروق فردية بينهم، وإنما الكل أمام العدالة والإسلام والقضاء، سواء في جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والتربوية والتعليمية؛ لأنهم في الجانب التعبدي الشعائري أمام الله سواء.. الأرض لله والسماء لله والعباد عباد الله ولا يصلحهم إلا نظام الله وحده.

أيها الإخوة..

وهذا عمر أيضاً الفاروق يأتيه أمير قافلة التموين من أرض الشام، فيعزمه الخليفة على طعام الغداء ثم يقدم له الملح والزيت والخبز، فينظر أمير القافلة يقول: يا أمير المؤمنين، ألا أخذت نصيبك مما في الغنائم مما في القافلة؟! ألا أخذت نصيبك من اللحم؟!

قال: لا لا، والله لا أذوق اللحم حتى تشبع الأمة كلها ويشبع الناس، وهكذا تغير وجهه وشحب لونه، كل ذلك خوفاً من ذلك المقام الذي يقول الله عنه: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ {1} الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ {2} وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ {3} أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ {4} لِيَوْمٍ عَظِيمٍ {5} يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين).

هذا القيام ينتظر الجميع؛ الملك الناس الوزراء الأمراء الكبراء.. كلهم سيقفون بين يدي الله! يحاسب الجميع كما يرزق الجميع في وقت واحد، لنستمع.

 

العدل أول طريق الاستقامة

ماذا يقول الله سبحانه وتعالى في هذه القضية الخطيرة قضية العدل والعدالة، يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) (الأنعام: 152).

ومن أمر العدل بالقول كان أوجب منه العدل بالعمل، والرسول صلى الله عليه وسلم يأتيه أبو عمرة سفيان بن عبدالله يقول: أوصني يا رسول الله، يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم، قل آمنت بالله ثم استقم» (رواه مسلم).

الاستقامة بعد الإيمان بالله، الاستقامة بالعدل، ماذا يقول الله عن هذا الصمت: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ {30} نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ {31} نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) (فصلت).

 

الإيجار بين عدل الشرع وجشع النفوس

العدالة في الإيجار، الإسلام يأمر العدالة في الإيجار، وخاصة في زمن الغلاء وزمن البلاء، أناس أحدهم لا يملك إلا راتبه وعنده ذرية وعائلة، فيأتي المستأجر فيأخذ الإيجار كله ويترك المسكين يذهب إلى لجان الزكاة وبيت الزكاة يمد يده السفلى إلى اليد العليا بذلة ومهانة، والله سبحانه وتعالى أمر المسلمين بالإحسان؛ (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: 90)، وهنا يأتي دور الإحسان.

أيها الإخوة..

المستأجر ثري غني يملك البنايات والعمارات، لماذا يأخذ بجشع ونهم عرق جبين الناس، ويتفنن في تعذيبهم وإفقارهم، والله هو الغني ونحن كلنا فقراء إلى الله، الكل ولد عارياً بلا ثياب، ولفوا في ثوب بلا جيوب، ويموتون ويلفون بثوب بلا جيوب، ثم يدعون في الأرض والناس كلهم.. كلهم يموتون مشغولين خلف الدرهم والدينار، ولا يبقى إلا العمل الصالح.

نعم أيها الإخوة.. أيها الأحبة..

إن الله يأمر بالعدل والإحسان، ويأتي هنا دور الإحسان؛ إن الصدق في هذا الجانب عظيم يوم أن تيسر، إن الله سبحانه وتعالى في عرصات يوم القيامة جيء برجل.. جيء برجل.. قال: انظروا، فلم يجدوا له إلا السيئات، ووضعت في الميزان فوزنت فرجح ميزان سيئاته، قال الله له: انظر لنفسك، أما فعلت خيراً قط؟ فأخذ يتذكر، قال: يا رب، كنت ذا مال فإذا أقرضت المعسر أنظرته، وإذا أقرضت المعسر تجاوزت عنه، فقال الله لملائكته: تجاوزوا عن عبدي واذهبوا به إلى الجنة. (الحديث بهذه الصيغة لم يرد نصاً، وإنما ذكره الشيخ رحمه الله بالمعنى).

وقد روى البخاري، ومسلم، بصيغة أخرى: «كان تاجرٌ يُداينُ الناسَ، فإذا رأى مُعسِرًا قال لفتيانه: تَجاوَزوا عنه لعلَّ اللهَ أن يَتجاوزَ عنَّا، قال: فتجاوزَ اللهُ عنه».

نعم، الجزاء من جنس العمل، فيا أصحاب العمارات والبنايات، كم تأتيني من الشكاوى من المسلمين والمسلمات لما تشددوا عليهم من الأجورات، رحماكم رحماكم في زمن الغلاء في زمن البلاء، رحماكم إن الصدقة تقي مصارع السوء، تقي مصارع السوء.

ودائماً في خطبي أذكر ذلك الرجل الذي أخبرني أبناؤه عنه وهو يموت في مستشفى الصباح في اللحظات الأخيرة يقولون: كنا نقول له: يا أبت، قل لا إله إلا الله، وهو كلما أفاق من سكرات الموت قال: اذهبوا اذهبوا إلى شقة (24)، فإني ما أخذت إيجارها، ومات وهو يردد هذه الكلمة، فختم له بصنم المال وصنم الإيجار، من منا يريد أن يموت هذه الموتة؟!

 

العدل أمانة والرشوة لعنة تهدم البركة

أيها الإخوة..

إن الجزاء من جنس العمل، فمن تعلق قلبه بالله وثوابه وطال وقوفه بين يدي الله خاشعاً خاضعاً محسناً إلى عباده عفا الله عنه وخفف عليه وقوف يوم القيامة؛ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

والإسلام يأمر أيضاً بإيصال الحقوق إلى أهلها، وهذا داء استشرى بين الناس، أصبح في عالمنا العربي لا يستطيع أحد أن يصل إلى حقه لا إلى حق غيره، إلا أن يقدم الرشوة بعد الرشوة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش» (رواه السيوطي)، بينهما اللعنة تطارد الثلاثة.. الثلاثة.

أيها الإخوة..

اسمعوا ماذا يقول الله في هذه القضية: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 188)، إن من يفعل ذلك تطارده دعوة النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي لعن الله الراشي والمرتشي والرائش» (رواه أحمد).

إن هذه دعوة الحبيب صلى الله عليه وسلم، ودعوته مجابة؛ لهذا، لا بركة في الرشوة أبداً، أصبح الإنسان إذا أصبح له حق في أي دائرة في أي مكان في بلادنا وفي عالمنا العربي يفقر ويصاب بالهم والغم وهو يأخذ حقه، فكيف لو أنه فعل غير ذلك؟! هذا يطلب منه ألفاً، وهذا يطلب منه ألفين، وهكذا، ثم في النهاية لا يصل إلى حق.

 

المحاماة أمانة وحقوق الناس مسؤولية

حتى في قضايا المحاماة.. المحاماة.. ذلك المحامي الذي يجب عليه أن يبرّئ المظلوم وأن يدافع عن الحقوق، ولكننا مع الأسف الشديد نرى أن هذه المهنة أصبحت خطيرة على كثير ممن يتداولها، فإن النسبة عالية هائلة، يأتي الإنسان وله قضية يطالب فيه بحقه، فيأخذ منه مبلغاً هائلاً كبيراً، أو تذهب القضية وتموت ويذهب الحق معها، وعلى الإخوة المحامين أن يراعوا هذا الجانب بالنسبة للفقراء واليتامى والأرامل والمساكين، وأن يعينوهم ويطالبوا بحقوقهم، فإن من نصر مسلماً في الدنيا نصره وثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام.

يوم أن ينبري الله يحامي ويدافع عن المؤمنين يوم القيامة؛ (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ {109} فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ {110} إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون).

فإن لم تحاموا عنهم اليوم سيحامي عنهم الله يوم القيامة في ذلك اليوم العصيب؛ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.

أما المحامي الذي يدافع عن الظالم ويجعل المسيء بريئاً ويجعل الظالم عادلاً وينتهب حقوق الناس؛ أبشره بعذاب أليم، وأن ماله الذي بين يديه سحت، وأي جسم نما من السحت فالنار أولى به.

العدل في الأسرة أساس السعادة

أيها الإخوة.. أيها الأحبة..

تحت مظلة هذه الكلمة «إن الله يأمر بالعدل»، كم فيها من المعاني! إنها تدخل معنا في بيوتنا لكي نعدل بين أولادنا، وتدخل في حياتنا الزوجية لكي نعدل بين الزوجات، وتدخل في تجارتنا في مسامعنا؛ العمال في المصنع يتفاوتون في الإيجار، لا بسبب الحاجة والجهد والكفاءة، وإنما لاعتبارات جاهلية، فتجد هذا العامل المسكين يتقطع ألماً وحسرة، فهو بين نارين؛ إن ثبت في عمله فأجرته قليلة لم يتساوَ وزميله الذي يأخذ أكثر منه ويؤدي نفس العمل، وإذا اعترض هُدد بالطرد، وإذا طُرد أخذ يبحث فلا يجد عملاً إلا بحسن السلوك، وهيهات هيهات أن يعطيه حسن السلوك إلا بعد أن يذله ألف مرة!

إن الله يأمر بالعدل لأن الله هو العدل؛ والله يقول: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا» (صحيح مسلم).

تهديد من الله، ويؤتى يوم القيامة بالشاتين؛ الشاة القرناء والشاة الجماء، فتجعل الجماء قرناء لكي تنطح القرناء التي نطحتها في الأرض، والشاة غير مكلفة، غير معذبة، ولكن لتمام العدل يوم القيامة.

اللهم لا تسلط علينا الظالمين، اللهم إنا نسألك العافية يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك إماماً عادلاً، اللهم إنا نسألك لساناً عادلاً، اللهم إنا نسألك قلباً عادلاً، اللهم إنا نسألك عملاً عادلاً برحمتك يا أرحم الراحمين.

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ لهذه الأمة.

 

عدالة النبي صلى الله عليه وسلم وحماية حقوق الضعفاء

وكان أولَ من رفعَ شِعارَ العادلين يومَ أن صاحَ صيحتَه الخالدة صلواتُ الله وسلامُه عليه: «واللهِ، والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لو سرقت فاطمةُ بنتُ محمدٍ لقطعَ محمدٌ يدَها» (رواه البخاري)، كلمةٌ قالها صلى الله عليه وسلم وفاطمةُ الزهراء رضوانُ الله عليها سيدةُ نساء العالم العفيفةُ الشريفةُ الطاهرةُ المُطهَّرة حاشاها أن تسرِق يوماً، ومع هذا كان يصيحُ صلى الله عليه وسلم لكي يُذهِبَ ظُلمَ الظالمين وينزِّلَ العدلَ بين العالمين؛ «والله لو سرقت فاطمةُ بنتُ محمدٍ لقطعَ محمدٌ يدَها»، هكذا.

وظلَّ صلى الله عليه وسلم يُربِّي أمتَه على العدل فيضربُ لهم الأمثال يقول: «إن فتنةَ بني إسرائيل فتنةَ من كان قبلَكم من الأُمم أنه إذا سرقَ فيهم الضعيفُ أقامُوا عليه الحد، وإذا سرقَ فيهم الشريفُ تركُوه»، هذه هي البلوَى التي عمَّت وطمَّت ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، وأصبحَ كثيرٌ من القوانين في عالمنا العربي تخضعُ وتركَعُ أمام الشرفاء، ولا شرف ولا أمناء ولا أمانة والمُحافِظين ولا حِفاظ أما الضعيفُ الفقير فإنه هو المُهانُ المسحُوقُ المُعذَّب.

أيها الأحبة في الله..

لنستمع ماذا يقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقوا الظُّلمَ، فإن الظُّلمَ ظُلُماتٌ يوم القيامة» (رواه مسلم)، «وَمَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِّنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، «مَنْ اِقْتَطَعَ حَقَّ مْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةِ فَقَالَ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِّنْ أَرَاكِ» (رواه مسلم)؛ أي وَإِنْ كَانَ عُوْدَ مِسْوَاكٍ تَقْتَطِعُهُ يَحِلُّ عَلَيْكَ الْتَهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملِي للظالم، فإذا أخذَه لم يُفلِته»، وتلا قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود: 102) (رواه البخاري).

ويقول صلى الله عليه وسلم: «اتقوا دعوةَ المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حِجاب» (رواه البخاري).

ويقول صلى الله عليه وسلم: «دعوةُ المظلوم مُجابة وإن كان فاجرًا ففُجورُه على نفسِه» (رواه الطبراني).

ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشكَ الله أن يُعمَّهم بعذابٍ منه أوشكَ أن يُعمَّهم الله بعِقابٍ منه» (رواه أبو داود).

وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيت أمتي لا تعدِل أو لا تقول للظالم منهم: أنت ظالم؛ فقد تودِّع منهم، تودِّع منهم» (لم نجد له أصلاً)؛ أي قد هلَكوا وذهبوا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

العدل بين الحاكم والمحكوم مسؤولية مشتركة

إذن، المسؤوليةُ مشتركةُ بيني وبين الجميع، بينكم وبين الحاكم، لا نضع اللوم على الحُكَّام، كما أننا لا نضع اللوم على الشُّعوب فقط، إنها مسؤوليةٌ مشتركة، مسؤولية الوالد والوالدة، مسؤولية الحاكم والمحكوم، مسؤولية الكبير والصغير، إننا جميعًا مُطالَبون بهذه العدالة، وكل إنسانٍ يعرضُ نفسَه على الشريعة الإسلامية ليرى حقوقَه ما له وما عليه؛ فيعرفُ حقوقَه فيأخذُها باحترام، ويؤدِّي الواجبات التي عليه قبل أن يُطالَب بأدائها، ولو اتَّبع الناسُ هذه الكلمة الربانية «إن الله يأمرُ بالعدل والإحسان»؛ لعَمَّ الصفاءُ والإخاءُ والسلام وتعاونَ الناسُ على البرِّ والتقوى.

أيها الأحبَّة..

إنها وصيةُ الله سبحانه وتعالى، وإلا سيكونُ التهديد؛ (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً) (الكهف: 59).

الدعاء..

اللهم إنا نعوذُ بك من شرِّ هذا الموعد، اللهم إنا نسألُك خيرَ الوعد، ونعوذُ بك من شرِّ الوعيد، اللهم ألِّف على الخير قلوبَنا، وأصلِح ذاتَ بيننا، واهدِنا سُبُل السلام، ونجِّنا من الظلمات إلى النور، اللهم اجعلنا هادين مهديين غير ضالِّين ولا مُضلِّين، سلماً لأوليائك حرباً على أعدائك، نحبُّ بحبِّك من أحبَّك، ونُعادي بعداوتِك من خالَفَك.

اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرتَه ولا همًّا إلا فرَّجتَه ولا دَيْنًا إلا قضَيتَه ولا مريضًا إلا شفَيتَه ولا ميتًا إلا رحمتَه ولا ضالًّا إلا هديتَه ولا تائبًا إلا قبِلتَه ولا عسيرًا إلا يسَّرتَه ولا مُسافرًا إلا حفِظتَه ولا غائبًا إلا ردِدتَه ولا مُجاهدًا في سبيلِك إلا نصرتَه ولا عدوًّا إلا قصَمتَه ولا حاجةً من حوائِج الدنيا والآخرة لك رِضًا ولنا فيها صلاحٍ إلا قضَيتَها، برحمتِك يا أرحم الراحمين.

اللهم من أراد بنا وهذا البلد والمسلمين سُوءاً فأشغِله في نفسِه، ومن كادَنا فكِده واجعل تدميرَه في تدبيرِه.

اللهم عليك بالنصارى وأنصارَهم، والشيوعيِّين وأشياعَهم، اللهم أرِنا فيهم عجائِبَ قدرتِك، اللهم أرِنا فيهم بأسَك الشديد.

ورحماك رحماك اللهم في الأطفال اليتامَى والنساء الثكالَى والشبابَ الحيارَى، اللهم اجبرُ القلوبَ المُنكسِرَة برحمتِك يا أرحم الراحمين، وعليك اللهم بيهود العرب المُتآمِرين على قدسِنا المُتآمِرين على أقصانَا المُتآمِرين على أرضِنا وعِرضِنا.

اللهم أرِنا فيهم يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون، وما ذلك على الله بعزيز، وأخرِجهم إلى الطرقات كالمجانين يتلاعَبُ بهم الصبيان، وجمِّد الدماء في عُروقهم، اللهم إنهم أذلُّوا عبادك وبلادك، ونسألُك اللهم العافية في الدنيا والآخرة، اللهم لا تُسلِط علينا بذنوبنا من لا يخافُك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.

اللهم منزِلَ الكتاب ومُجريَ الحساب وهازِمَ الأحزاب، اهزم أحزاب الكفر والباطل، وانصُرنا عليهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

إن الله يأمرُ بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهَى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعِظُكم لعلكم تذكَّرون.

اذكروا الله يذكُركم، واشكُرُوه على نعمِه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلمُ ما تصنعون.

تحميل