الأربعاء 04-نوفمبر-2026 - 24 جمادى الأول ، 1448

حرب الخليج (1)

94
2026-11-04

التعريف بالخطبة:

يتحدث الشيخ أحمد القطان رحمه الله في هذه الخطبة المؤثرة عن مأساة حرب الخليج، مستنهضاً الهمم لوقف نزيف الدم الإسلامي، ومستنكراً الصمت الدولي وازدواجية المعايير تجاه قضايا الأمة، كما يربط الواقع الأليم بضرورة العودة إلى العقيدة الصحيحة، مستلهماً الدروس من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وثبات السلف الصالح في مواجهة الفتن.

 

عناصر الخطبة:

  • لماذا تشتعل نيراننا وتنطفئ نيرانهم؟
  • مواثيق كاذبة.. ودموع تماسيح دولية!
  • أرانب في حظيرة الخليج!
  • التمزق.. العذاب الأدنى قبل الأكبر
  • نبوءة الوداع.. والشرور القادمة
  • حجاب عائشة.. وتبرج الزمان
  • الربا.. صاعقة تحرق السلام
  • عدالة إلهية لا تحابي أحداً
  • ثبات السلف في الرمق الأخير
  • دم عثمان.. والفتنة التي لا تنام

 

المقدمة:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

اللهم نقّنا من ذنوبنا وخطايانا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلنا من ذنوبنا وخطايانا بالماء والثلج والبرد، وباعد بيننا وبين ذنوبنا وخطايانا كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك، اللهم أمّن روعاتنا، واستر عوراتنا، وخفف لوعاتنا، اللهم إنا نعوذ بك من شر الحروب والفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم احقن دماءنا، واحفظ عقولنا، وصن أعراضنا، وسلّم أموالنا، واحفظ ديننا وعقيدتنا يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك عيشة هنية، وميتة سوية، ومرداً إليك غير مخذول ولا فاضح.

أحبتي في الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

 

لماذا تشتعل نيراننا وتنطفئ نيرانهم؟

أحبتي في الله.. الحروب تدور من حولنا ولا يوقفها أحد، لماذا حروب أعدائنا كلها توقف وتُحتوى وتنطفئ نيرانها، وحروبنا دائما مشتعلة؟! هل بلغ كفرنا وعنادنا لله أشد من كفر اليهود والنصارى؟! فهذه حرب جزر فوكلاند ما مر عليها شهر وهي بين دولتين كبريين، إلا وتحركت أمريكا وتوابعها، فاحتوت الحرب، وانتهت الحرب، وسويت الأمور، ونحن في حرب لبنان تدخل عامها الحادي عشر، وحتى هذه اللحظة ترمّل النساء وييتم الأطفال، وحربنا في الخليج لا تبقي ولا تذر، دخلت عامها السادس، لم يبق بيت إلا ودخله الحزن والعزاء! لماذا لا تقف حروبنا؟

 

مواثيق كاذبة.. ودموع تماسيح دولية!

أين المنظمات؟ أين شعارات هيئة الأمم ومجلس الأمن؟ ألم يرفع شعار الإخوة والعدالة والمساواة وحقوق الشعوب والوقوف مع المظلومين وإعادة الحق المغتصب؟ دائماً وأبداً نسمع هذه الشعارات تُردد، وأول من يرددها إذاعاتنا، وتقاريرنا.. أين ذهبت تقارير وبحوث المؤتمرات الإسلامية؟ أنفقنا عليها الملايين، أليس لواحد منها ثمرة فتوقف هذه الحرب، نحن لا نناقش هذه الحرب نقاشاً عقيدياً، وإنما نطرحه طرحاً إنسانياً، فجمعيات الرفق بالحيوان العالمية نراها ترحم الكلب، والقط، والبهيمة، ألا ترحم الإنسان الذي يقول الله عنه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70)، جمعيات الرفق بالحيوان التي ندعمها بأموالنا وإعلامنا وبين الحين والحين تسمع ثرياً من الخليج يتقدم بملايينه وأمواله من أجل هذه الجمعيات، أو من أجل بناء تمثال لأحد رجال التاريخ في أوروبا أو الغرب، أو من أجل بناء إستاد رياضي، أو من أجل كذا وكذا.. ولا نجد واحداً ينادي بصدق ويقف بصدق ويضحي بصدق من أجل حقن الدماء والحفاظ على الأعراض والأوطان والدين، هل من إنسانية الإنسان أن تُزج الآلاف من الشباب بين الآلات والمجنزرات ست سنوات؟ لقد كنا نشاهد على الصفحات في الصحف والتلفاز الجثث مرمية بالآلاف، وكنا نرى في وجوهها الذقون واللحى، وأصبحنا الآن لا نرى إلا الشباب المردان الذين لم يبلغوا الحُلم الذين لم يتجاوزوا العشرين عاماً، معنى هذا أن الذي عمره من العشرين إلى الأربعين قد أُبيد وقُضي عليه، وجيء بالأطفال، وعُطّلت المدارس من أجل أخذ الطلبة إلى المذبحة الكبرى بلا ثمن، والجميع يتفرج.

 

أرانب في حظيرة الخليج!

أما العلماء فصامتون صمت الأبد، لا يتكلم أحد.. لماذا؟ لأن الوضع حساس، وميزان الله الله أيضاً حساس، ميزان الله يوم القيامة: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة)، وأصبح الصامتون على جميع المستويات أمام هذه النار الملتهبة في حظيرة الخليج، كمثل الأرانب في حظيرتها تأكل الجزر وتستمتع، وقد اشتعلت النيران في أسوارها وهي تلهو هنا وهناك، وتجري هنا وهناك، ولا تعلم أنه بعد قليل ستتفحم أجسادها، من يوقف حرب الخليج؟ لماذا لا نوحد الجهود؟ فأموالنا أكثر أموال العالم، وجيوشنا أكثر جيوش العالم عدداً، ومؤتمراتنا أكثر مؤتمرات العالم انعقاداً، وتصريحاتنا وشعاراتنا أصبحت أكثر من عدد المصلين في المساجد، فلماذا لا تقف حرب الخليج؟

 

التمزق.. العذاب الأدنى قبل الأكبر

السبب أننا أُخذنا بذنوبنا، إنه فشل التمزق، إنه فشل الفرقة، (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: 105)، وهذا هو العذاب العظيم الأدنى، وهناك العذاب العظيم الأعلى؛ (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (السجدة: 21)، لماذا لا نصطلح مع الله؟ لماذا لا نقف حكاماً ومحكومين فننادي: الله.. الله.. وليس غير الله، حتى هذه اللحظة نعتبر هذا النداء عاراً وشناراً وذلاً وصغاراً.. والله يقول: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء: 10)، من لهؤلاء الشباب؟ وقلوبنا تبكي زهرة حياتهم، والآليات والمجنزرات جعلت الأسلحة الأتوماتيكية الخفيفة لعب أطفال، وقصف الطائرات والصواريخ جعلت البنادق العادية لهواً، وخُلقت الأمهات لكي تنجب الأطفال وتطحنهم الحروب، ما دور الجامعة العربية؟ أين دورها؟ فقدت دورها تماماً في قضية فلسطين، وفقدت دورها تماماً في قضية لبنان، وفقدت دورها تماماً في حرب الخليج، ما السر في بقائها؟ لماذا حتى هذه اللحظة ترفرف أعلام الدول فوق بنائها، وتُدعّم بالملايين؟ لا خير فيها ولا بركة فيها، وحرب أفغانستان، حرب ليست عربية، إنما هي إسلامية، فالبعض يقول: حروبنا لا تنطفئ لأننا عرب، وأن المعسكر الرأسمالي والشيوعي لا يتدخل في حروبنا لأنه يعادي العرب.. لا.. هذه حرب أفغانستان بين أعاجم وأعاجم، ولكنها لا تنطفئ أيضاً؛ لأن أحد أطرافها يرفع شعار «لا إله إلا الله»، وينتمي إلى محمد صلى الله عليه وسلم، إذن، جميع العهود والعقود والمعاهدات بيننا وبين الشرق والغرب ما هي إلا على دخن ونفاق ودجل وخداع مؤقت وسم يسري في الأمم، إنهم يستطيعون بقرار واحد من قرارات «الفيتو» التي دائماً وأبداً تُتخذ من أجل صالح «إسرائيل»، وضد صالح فلسطين، وضدنا أجمعين، بإمكانهم أن يحتووا أي حرب من الحروب.. ولكنهم يفعلونها؟ لا..

يوم أن نشبت حرب الخليج فرك عزرا وايزمان وأمثاله وأيديهم وقالوا: إنما نعرف كيف نستفيد منها، وعرفوا كيف يستفيدون منها، ونحن حتى هذه اللحظة لم نعرف كيف نوقفها، ولا نظن أن الأمر سيكون عند الحدود بعيداً هناك، فرياح الشمال العاتية تجرف الشرر والنيران، طال الزمان أو قصر، لهذا أتوجه إلى الله أولاً وأخيراً أن يرينا في هذه الحرب الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً وأن يرزقنا اجتنابه، أما القلوب المجروحة، والأفئدة المكلومة، والعيون الدامعة ست سنوات لا يكفيها ولا يشفيها مؤتمر، ولا حتى تعمير البنيان أو تسوية أو تصفية كما يقولون في الشعارات.. لا.. الأحقاد المتراكمة المجتمعة لا يصفيها إلا علاّم الغيوب، ومقلّب القلوب، ولا بد أن نتوجه إليه بصدق وإخلاص وإلا فلننتظر المصير المحتوم، أحبتي في الله.. ليتوهم أحدنا ونسأل الله العافية، لو استدارت هذه الحرب ليتوهم مصير البنات الصغار، والصبايا والأعراض والدين والأمن (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش).

 

نبوءة الوداع.. والشرور القادمة

الرسول صلى الله عليه وسلم في مرض موته وهو لا ينافق من أجل الحق، ولا يداهن ولا يجامل، بل يصدع به وفي رأسه صداع، وفي روحه إغماء لا يستطيع النهوض ليتوضأ ويصلي بالناس، وزوجاته في بيت عائشة رضي الله عنهن يتحدثن عن ماذا في مرض موت الحبيب؟ لم يتحدثن عن أسعار الأسواق والجمعيات! لم يتحدثن عن الموديلات والأزياء والسفرات والرحلات! لم يتحدثن عن تغيير الموديلات والأطقام والسيارات! إنما كان حديثهن عن العقيدة والتوحيد، كن يتحدثن عن كنيسة في أرض الشام يُشرك فيها بالله رب العالمين، فلم ينشغل الرسول بمرضه صلى الله عليه وسلم، بل فتح عينيه ونظر إليهن وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (رواه البخاري، ومسلم)، تصريح خطير، يعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن كل الشرور والأضرار والحروب من أولئك اليهود والنصارى، سواء الاستعمار العسكري أو الفكري أو السياسي، أو الاقتصادي أو الاجتماعي، أو التعليمي، أو العسكري، «لعن الله اليهود والنصارى، كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح صوروا له التصاوير، ومثّلوا له التماثيل، وعبدوها من دون الله، واتخذوا قبره مسجداً، ألا لا تجعلوا قبري مسجداً»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ولم يبال بالبيت الأبيض الذي كان يسكنه قيصر الروم هرقل، ولم يعبأ بالبيت الأحمر الذي كان يسكنه كسرى الفرس، إنما أطلقها مدوية ولم يعقد لها مؤتمراً، وهو يعلم أنها سينقلها الركبان حتى تبلغ مشارق الأرض ومغاربها.

هل يجرؤ أحد الآن من الأذيال الرطبة العفنة والتبعية الخؤون أن يقول: لعن الله اليهود والنصارى؟ أمة محمد صلى الله عليه وسلم تعاني من الهم والحزن، ونبيها في مرض موته، ومع هذا لا يبالي أن يطلق هذا التصريح السياسي العقيدي، ولعل سائل الآن يسأل: لماذا قبره في مسجده وقد نهى عن ذلك؟ قبره لم يكن في مسجده، قبره في بيته، في غرفة عائشة، والمسجد في جانب والبيت في جانب، فلما ضاق المسجد على الناس في عهد الوليد بن عبد الملك، وسع المسجد، فاحتوت التوسعة البيت، والبيت يحتوي القبر، والقبر يحتوي الجثمان الطهور المبارك، حضرة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا حجة لعباد القبور والمزارات والأضرحة، لا حجة لهم أن يبنوا على القبور القباب والمساجد، وأن يطوفوا بها ويسألوها ويستعينوا بها ويذبحوا لها وينذروا لها ويتبركوا بها.. لا حجة لهم، فقبر محمد ليس في مسجده، إنما في بيته، وحوله جدران بيته، وفي غرفة عائشة، ومات بعده خليفته أبو بكر فدُفن بجواره، وكانت ترغب عائشة أن تُدفن بجوارهما، فمات قبلها عمر الفاروق وقد كان استأذنها في مرض موته أن يُدفن بجوار صاحبيه، فقامت وأذنت له، ودُفن الفاروق عند صاحبيه، فضربت عائشة على نفسها الحجاب، لما دُفن الميت الأجنبي في غرفتها، فعجباً لنساء هذا الزمان! عائشة تتحجب عن رجل مدفون، ونساء هذا الزمان يتبرجن للأجانب! أرأيتم كيف انقلبت الأمور؟!

 

حجاب عائشة.. وتبرج الزمان

إني والله أرى حجاباً متبرجاً ينتشر الآن في كل مكان، ينتشر في كل مكان، كثير من المنافقين والمنافقات أصبحن يتسترن بالإسلام، اذهب إلى كثير من المؤسسات والشركات والمرافق، لترى ما يهولك وما يقوم به الزميلات والزملاء من النكت والخضوع بالقول، والكلام الجارح، والألفاظ القبيحة، والوعود والابتسامات واللقاءات.. أهذا حجاب؟! أهذا دين؟! لا.

 

الربا.. صاعقة تحرق السلام

إن الذي يحارب الله بالربا يحاربه الله سبحانه وتعالى، يحاربه الله في الليل والنهار، إن الله تعالى ما أعلن الحرب في كتابه إلا على آكل الربا، وقاطع الطريق؛ (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا) (المائدة: 33)، أعلن الله سبحانه وتعالى أن الذي يحارب الله ورسوله أولئك قطاع الطرق، ثم أعلن أن آكل الربا هو الذي يحاربه الله ورسوله، فيجمع الله بين آكل الربا والفاتك قاطع الطريق في حرب واحدة بينه وبينهم، ثم ننتظر من الله السلام! لا يكون سلاماً أبداً حتى نصطلح مع الله حكاماً ومحكومين، والله سبحانه وتعالى لا يحابي أحداً.

 

عدالة إلهية لا تحابي أحداً

الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يأتيه إبراهيم إمام الموحدين، الذي سمّاه الله أمة، والذي قبل إيمانه بكلمة من ثلاثة حروف؛ (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى) (البقرة: 260)؛ باء ولام وألف مقصورة، قبل الله بها إيمان رجل بأمة، إبراهيم إمام الموحدين، ومع هذا على بذله وصبره، وأُحرق في النار، وأُوذي في الله، وخرج من العراق، وذهب إلى مصر، وخُطفت زوجته، خطفها ملك الهكسوس، وحماها الله، وأعادها إليه، وعاد إلى الشام، ومع هذا يأتي إبراهيم يوم القيامة ومع أبوه آزر، أبوه.. ويقول: «أي رب، وهل هناك أخزى وقد وعدتني، ألا تخزني يوم يبعثون؟»، وقد ذكرت ذلك في قرآنك الذي أنزلته على نبيك محمد، وهل هناك أخزى يا رب من أن أرى أبي الأبعد هذا يلقى في النار؟ (رواه البخاري)، فماذا يقول الله له في هذا الموقف العظيم؟ يقول له: «يا إبراهيم، كلمة سبقت، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، يا إبراهيم، انظر تحت قدميك، فينظر تحت قدميه، فيحول الله أباه إلى ضبع ملطخ بالدم، تحمله الزبانية، وإبراهيم ينظر، ثم يقذف في النار»، والذي لم يحابِ إبراهيم لن يحابي أحداً، نداء من هذا المنبر إلى عامة المسلمين وخاصتهم، أن اصطلحوا مع الله؛ (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر: 38)، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) (ق: 16)، (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (القيامة: 14).

اللهم إنا نتوب إليك من ذنوبنا وخطايانا التي بسببها أصبتنا، نبرأ إلى الله ونتوب إلى الله، نستغفر الله، نصطلح مع الله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، إن الذنب كثير، والعمل قليل، ولا نثق إلا برحمتك يا أرحم الراحمين، رحماك.. رحماك بالأطفال الرضع، والعجائز الركع، والبهائم الرتع، لا تعاملنا بما أنت أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ويفعلون، ولا تهلكنا بما يفعل المبطلون، برحمتك يا أرحم الراحمين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أحبتي في الله..

 

ثبات السلف في الرمق الأخير

وهكذا يقوم السلف الصالح رضوان الله عليهم، فلا يجاملون ولا يحابون على حساب الحق، بل يصدعون بها لا يخافون في الله لومة لائم، فهذا الصدِّيق في مرض موته، يأتيه عمر فيقول الصدِّيق بعد أن يختار عمر، وبعد أن استشار في اختياره مجلس شوراه عثمان، وعلياً، وعبدالرحمن، وسعداً، فيقول: يا عمر، لا يهولنك موتي من أن تندب الرجال إلى المثنى بن حارثة، ليرفع راية الجهاد في سبيل الله، أرأيتم؟! صمام الأمان يمسكه أبو بكر الصديق عند موته، أحبتي في الله.. الفاروق في مرض موته أيضاً لما طعنه أبو لؤلؤة في الثالث يُسق الحليب يخرق من مصارينه إلى الأرض، ماذا كان يقول الفاروق في هذه اللحظة؟ يمر عليه شاب أطال ثيابه، وجر ثوب مخيلة، نسي الفارق مرض موته، وقال للشاب: أي بني، ارفع ثوبك، فإن إسبال الإزار من المخيلة، فهو أطهر لثوبك، وأرضى لربك، وتفيض روح الفاروق رضي الله عنه، إنه الالتزام بالحق إلى آخر نفس من أنفاس العبد، (رواه البخاري).

 

دم عثمان.. والفتنة التي لا تنام

وهذا عثمان، يكون بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم عهد بعيد، يوم أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ودخل على بستان وحائط، فدلى رجليه في البئر، وجعل أبا هريرة بواباً له، فاستأذن أبو بكر فأذن له وبشره بالجنة، واستأذن عمر فأذن له وبشره بالجنة، واستأذن عثمان فأذن له وبشره بالجنة على فتنة تصيبه، فقال: ماذا أفعل يا رسول الله؟ فأمره بالصبر، وألا يهرق في سبيله محجم دم وهو حي يُرزق، (رواه البخاري، ومسلم)، وتمر على هذه الحادثة أكثر من سبعة عشر سنة، ثم يُحاصر عثمان في بيته، وهو أقوى رجل على وجه الأرض، جيوشه تضرب مشارق الأرض ومغاربها، وحرسه الخاص عليّ بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وأبو هريرة وغيرهم من أحفاد وأبناء الصحابة الأشداء، وعثمان يتذكر عهده برسول الله ووعده، فيقول: أيها الناس، هل لي عليكم أمر؟ قالوا: بلى، قال: أن تغمدوا السيوف وأن تعودوا إلى بيوتكم، فإني لا أريد أن يهرق في سبيلي محجم دم وأنا حي أُرزق، ثم دخل غرفته، وأخذ المصحف وأخذ يقرأ به ودخل عليه من حركه اليهود والنصارى، من حركه أصحاب الفتن وذبحوه من الوريد إلى الوريد، وصار دمه على كتاب الله، على قول الله: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) (البقرة: 137)؛ فكفاه الله سبحانه بعد أن ذبحوه، وتتبع الله القتلة فما أبقى منهم أحداً، وجرى الدم في الأمة عقوبة من الله لما نكرت نعمته وحاربت دينه، فالجماعة رحمة، والفرقة عذاب.

 

الخاتمة والدعاء:

أحبتي في الله..

لا أطيل عليكم، إن هذه الحرب الظالمة التي لا تبقي ولا تذر لا بد أن تقف، ولا بد أن يقف العقلاء رحمة بالإنسان، بل رحمة بنا وبكم، فنحن لا نأمنها على أرضنا ولا عرضنا ولا ديننا، أحبتي في الله.. ليتحرك كل مسؤول، كلٌّ على ثغرته، وكل وجيه في مكانه، وكل عاقل بعقله، وينادي بأعلى صوته، إلى من له الأثر والتأثير أن توقف هذه الحرب، عجباً! إذا وجهنا أسلحتنا علينا خرجت الأهاويل، وإذا وجهناها إلى أعدائنا لا يخرج إلا سليمان خاطر، وناصر الفلسطيني، هذه من أعجايب الزمان! حروبنا مع بعضنا تدوم بجميع أنواع الأسلحة، والأسلحة المحرمة دولياً، وإذا وجهنا أسلحتنا إلى عدونا لا يخرج إلا فرد أو فردان.. نشكو إلى الله، نشكو إلى الله تمزق أمة عددها أكثر من ألف مليون.

اللهم إنا نسألك أن ترد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم ألّف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، اللهم إنا ندرأ بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، منزل الكتاب، ومنشئ السحاب، ومجري الحساب، وهازم الأحزاب، اهزم أحزاب الباطل، اللهم أرنا في اليهود يوماً أسود، اللهم عليك باليهود وأعوانهم، والنصارى الصليبيين وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، وعليك بيهود العرب، المتآمرين على دمائنا وأعراضنا وأرضنا وديننا، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم إنا نسألك منك رحمة عامة تنجي أمة محمد من النار، وتدخلها الجنة، وتؤلف بين قلوبها، اللهم حرم وجوهنا ووالدينا ووالديكم والمسلمين عن النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار الأخيار، اللهم من أراد بهذا البلد والمسلمين سوءاً فأشغله في نفسه، اللهم من كادنا فكده، واجعل تدميره تدبيره، اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك وبرك وإحسانك، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام ولا يضام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين.

اللهم أطفئ نار حروبنا، ولا تجعل بأسنا بيننا شديداً، واجعل شوكتنا على أعدائنا، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، والمجاهدين في الفلبين، والمجاهدين في فلسطين وفي كل أرض يذكر فيها اسم الله، اللهم إنا نسألك تحرير فلسطين، و«الأقصى»، وأن ترزقنا فيها صلاة طيبة مباركة، وأن تجعل أيامنا كلها أيام إجابة وإنابة وقبول وتوبة، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، ولا تجعل من بيننا شقياً ولا محروماً، نسألك الله العافية في الجسد، والإصلاح في الولد، والأمن في البلد، استعملنا فيما يرضيك، ولا يشغلنا فيما يباعدنا عنك، واقذف في قلوبنا رجاءك، واقطع رجاءنا عمن سواك، حتى لا نرجو أحداً غيرك، اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تحميل