السبت 13-يونيو-2026 - 27 ذو الحجة ، 1447
الأقنعة الزائفة!
التعريف
بالخطبة:
يتحدث الشيخ
أحمد القطان رحمه الله في هذه الخطبة عن كشف أقنعة الخيانة السياسية والعدوان
الإعلامي على ثوابت الأمة، مسلطاً الضوء على التآمر السياسي ضد المقدسات ودور
الأقلام المأجورة في تشويه الرموز الإسلامية، كما يربط بين واقع التخاذل المرير وضرورة
العودة إلى النهج الرباني والقيادة التي تستمد قوتها من الوحي لا من التبعية للشرق
أو الغرب.
عناصر
الخطبة:
- ستائر الزيف وفصول الخيانة
- يهود العرب.. طعنات في ظهر الأمة
- ضحك كالبكاء على حال الرجال
- أقلام مأجورة في خنادق السوء
- وجوه مستعارة وحقائق عارية
نص
الخطبة:
إن الحمد لله،
نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد..
فإن أصدق الحديث
كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل
محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله..
أوصيكم بتقوى
الله، فقد أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وأعطانا الأمان
النفسي والمعيشي في التقوى فقال: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق)، وأعطانا الضمان المعيشي لذريتنا من بعدنا في التقوى
والدعوة إلى الله فقال: (وَلْيَخْشَ
الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ
فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء: 9).
اللهم لك
أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر
لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أصررنا، وما أعلنا، أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت
على كل شيء قدير، نبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك،
ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلى عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا
منك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الرجاء إلا لما في يديك
الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم، اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل
عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم
تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين، ونسألك اللهم أن تحرر المسجد
الأقصى، مسرى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ومهبط عيسى عليه السلام، وأن ترزقنا
فيه صلاة طيبة مباركة، غير خائفين ولا وجلين، ونسألك اللهم لأمتنا قائداً ربانياً،
يسمع كلام ويسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها، ويحكم بكتاب الله وتحرسه، لا يخضع
للبيت الأبيض، ولا يركع للبيت الأحمر، إنما قلبه في البيت العتيق، وقدوته في مسجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيادته في المسجد الأقصى، شعاره الوحيد: نحن الذين
بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبدا والله لولا الله ما اهتدينا وما تصدقنا
وما صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا وإذا اعتز الطواغيت بعروشهم
وجيوشهم وقروشهم، اعتز عليهم بدينه، وصاح صيحة سلمان: أبي الإسلام لا أبا لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم وإذا هددوه أو وعدوه، صاح بهم صيحة خبيب رضي الله عنه:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن
يشأ يبارك على أجزاء شلو ممزع آمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ستائر الزيف وفصول الخيانة
ويزور حسني
مبارك الحسين، وتوزع الأدوار جيداً، وأذكر منذ خمس سنوات، وأنا أقول: إنها
مسرحيات، قد تقاسموا أدوارها، يتآمرون علينا، وعلى ديننا، يأتي أحدهم فيرتكب
الجريمة، ويأتي آخر يعلق الجرس عليها، ويأتي ثالث يستنكرها، ويأتي رابع يرافقها،
ويأتي خامس يشيعها، ويأتي سادس معتدل يرافق القافلة ويبكي على المقتول، وتضيع
الشعوب، وتحتار الأمم، وتُهدر المقدسات، وتُسلب الأموال، وتُهتك الأعراض، ونصبح
بلا قضية، ولا عقيدة، ولا دين، ولا قيادة، على أنفاس هؤلاء الذين تناصروا على
الباطل، وتعاونوا على الفساد والإفساد، وصدق من قال: وجوههم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة صفق إبليس لها مندهشاً، وباعهم فنونه وقال: إني راحل،
ما عاد لي دور هنا، دوري أنا أنتم ستلعبونه ودارت الأدوار فوق أوجه قاسية، تعدلها
من تحتهم ليونة فكلما نام العدو بينهم رحتم تقرعونه لكنكم تجرون ألف قرعة لمن ينام
دونه وغاية الخشونة ندابات القرن العشرين قياداتنا أن تندبوا: «قم يا صلاح الدين..
قم»، حتى اشتكى مرقده من حوله العفونة كم مرة في العام توقظونه؟ كم مرة على جدار
الجبن تجلدونه؟ أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة دعوا صلاح الدين في مرقده واحترموا
سكونه لأنه لو قام حقاً بينكم فسوف تقتلونه يعلن رئيس وزرائه فيقول: إن دولتنا ذات
سيادة، وإن القرار الذي اتخذناه ذو سيادة، والذي لا يرتضيه من زعماء العرب فليشرب
من البحر، فليشرب من البحر، إذن لماذا مؤتمر «قمة بغداد» الذي على ضوئه قررت
المعونات والدعم المادي؟ لماذا قرار المقاطعة؟ لماذا تدفع الكويت 15 مليون دينار،
كقسط أول لمن يقول للزعامات التي اتخذت هذا القرار الذي لا يعجبه يشرب من البحر؟
يهود العرب.. طعنات في ظهر الأمة
وأذهب بكم إلى البحر الذي سوف نشرب منه جميعاً، لنرى قصر الملك في نهاية حدود بلاده، وبداية حدود «إسرائيل»، ليس عليه حراسة، ولو سألت الجندي العربي، فقلت له: كيف يذهب الملك ليتزلج على أمواج البحر الزرقاء داخل حدود «إسرائيل» المزعومة، أما يخاف الاغتيال؟ أما يخاف الاختطاف؟ سيقابلك الجندي بابتسامة ماكرة، ويقول: إنه من يهود العرب، يهود «إسرائيل» أرحم منه، أيقتل اليهودُ اليهوديَ؟! لا ورب الكعبة، وعلى دموع المأساة للقاء الذي تم بين حسني، وحسين، يذهبان ليمتطيا صهوة طائرة جديدة، تُهدى إليه في أمستردام، اسمها «فوتر» يسوقها بنفسه، مستمتعاً عبر أجوائهم، ولم يعلم أن الله يقول له يوم القيامة ولأمثاله من الخونة: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً {13} اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (الإسراء)، وسنفتح كتابك في الدنيا قبل أن يُفتح في الآخرة، من الذي قتل خمسة عشر ألفاً، ما بين شاب مؤمن، وامرأة حامل، ورجل حائر، وطفل يتيم، في «أيلول الأسود»، حتى سعت ودبت المجنزرات على جثث الأطفال، وهم يتجارون أمامها، ودخلت لحومهم البريئة بين حلقات المجنزرة، والأمهات يصحن، وإحداهن تلتقط بقايا لحم طفلها، وتقبع عليها بالدموع والقبلات الحزينة؟ من الذي بقر بطون الأمهات؟ من الذي حفر القبور الجماعية؟ فسقطت طفلة في حضن غير أمها، وتحاكت وتلامست الأجساد تحت التراب؟ من الذي سحق الناس بالدبابات والصواريخ، فأبادهم، وأهدر الدماء، وأصبح النساء يرفعن أيديهن بلا رجال، الأطفال يتامى يولدون من يتامى؟ من فعل ذلك غيرك أيها الطاغوت؟
أيها الفلسطينيون.. أنتم المعنيون بالدرجة الأولى، املؤوا أفواه
أبنائكم من دماء «أيلول الأسود»، ومجوها على صور وجوه الطواغيت، وألقوا بين أيديهم
الجماجم، وكسروا ألعابهم، حتى يصبح في قلب كل واحد منهم بركاناً يتفجر، إنهم
يتآمرون على عرضكم وأرضكم وذبحكم، إلى متى تنتظرون؟ نفتح لك صفحتك في الدنيا، نفتح
صفحتك في الدنيا قبل الآخرة، من الذي يحمي حدود اليهود؟ حتى قال لي أخ مجاهد
فدائي: لقد قمت في عملية في منطقة «سما» وقد دمرت مستعمرة، وقتلت من اليهود، وما
كنا نخاف منهم، ولكن كنا نخاف من حدود هذا اليهودي العربي، وطاردتنا جنوده،
وقواته، وكلابه، وألقوا القبض بالليل على دليلنا، فنزلنا في الحفرة تحت ظلام
الليل، وأخذنا نقرأ «آية الكرسي»، وسورة «يس»: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ
خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (يس: 9)،
فأصبح جلاوزته يطؤون عندنا ولا يروننا، ونجونا، نجونا ممن؟ من يهود العرب، وفي
صفحتك، وفي صفحتك، وعلى حدود بلدك، يقف الأبطال من فرسان العشائر الأشاوس، إذا مر
عليهم فلسطيني، قالوا له: ركعتين للملك، فيقول: اتقوا الله، أنا لا أركع إلا لله،
قال: ركعتين للملك، وإلا حطمت جمجمتك بأعقاب البنادق، فيتجه المسكين مكروهاً
مضطراً ويتجه إلى قبلة الملك، فيكبر تكبيرة الإحرام، ويصلي ركعتين باسم الملك،
وهكذا يذلون العباد، وصدق الله: (إِنَّ
الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا
أَذِلَّةً ۖ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (النمل: 34).
هذه صفحتك، وما
خفي منها أعظم، ماذا أقول؟ ماذا أقول لهذه المأساة؟
ضحك كالبكاء على حال الرجال
أيها الناس قفوا
نضحك من هذا المآل
رأسنا ضاع فلم
نحزن
ولكنا غرقنا في
الجدال
عند فقدان
النعال لا تلوموا
نصف شبر عن صراط
الصف مال
فعلى آثاره يلهث
أقزام طوال لا تلوموه
فكل الصف أمسى
خارج الصف
وكل العنتريات
قصور من رمال
لا تلوموه، فما
كان فدائياً بأحراج الإذاعات
وما باع الخيال
في دكاكين النضال
هو منذ البدء
ألقى نجمة فوق الهلال
ومن الخير
استقال هو إبليس
فلا تندهشوا لو
أن إبليس تمادى في الضلال
نحن بالدهشة
أولى من سوانا
فدمانا سبقت
راية فرعون وموسى السامري
فلق البحر
بأشلاء العيال وبرحم الأمهات
عرفات صاحب
الغصن لدى فرعون قد حط الرحال
ثم ألقى الآية
الكبرى يدا سوداء من ذل السؤال
أثمر السحر، فها
نحن بيافا نزرع الـقات
ومن صنعاء نجني
البرتقال
أيها الناس
لماذا نهدر الأنفاس في قيل وقال
نحن في أوطاننا
أسرى على أي حال
يستوي الكبش
لدينا والغزال
فبلاد العرب قد
كانت وحتى اليوم
هذا لا تزال تحت
نير الاحتلال
من حدود المسجد
الأقصى إلى الأرض الحلال
لا تنادوا رجلاً
فالكل أشباه رجال
وحواة أتقنوا
الرقص على شتى الحبال
ويمينيون أصحاب
شمال، يتبارون بفن الاحتيال
كلهم سوف يقولون
له بعداً
ولكن بعد أن
يبرد فينا الانفعال
سيقولون تعال،
سيقولون تعال، سيقولون تعال
وكفى الله
السلاطين القتال
إنني لا أعلم
الغيب، ولكن صدقوني
ذلك الطربوش من
ذات العقال
رحماك، رحماك،
ربنا، للنساء الثكالى، والأطفال اليتامى، والشباب الحيارى، رحماك، رحماك، ربنا،
بالقلوب المنكسرة، بالشباب الذين يعانون في المعتقلات، لا ينظر ولا يلتفت إليهم
أحد، والأمهات يحملن الصور على الأيدي ودموعهن جاريات، قلوبهن محروقة، ينتظرن
يوماً بعد يوم، فما أطول اليوم الذي فقدت وليدها، اللهم إني أسألك أن ترينا في
يهود العرب يوماً أسود، اللهم ثقة بعلمك وحكمك وعدلك، نشكو إليك ظلم الطواغيت،
أرنا عجائب قدرتك، جمد الدماء في عروقهم، وأخرجهم إلى الطرقات يتقاذفهم الصبيان،
اللهم زلزل ملكهم، ودمر عروشهم، ومزق صفوفهم، واجعلهم في الدنيا أحاديث، آمين، اللهم
اجعلها ساعة إجابة، وساعة إنابة، اللهم إنه يوم عاشوراء تكفّر فيه السنة الماضية،
والسنة الباقية، نسألك اللهم برحماتك الغافرات النازلات المنجيات، أن ترحم أمة
محمد بقائد رباني يحفظ لها دينها وعقيدتها وكرامتها يا أرحم الراحمين.
أقول قولي هذا،
وأستغفر الله فاستغفروه.
الخطبة
الثانية:
الحمد لله رب
العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قائدي ومعلمي وقدوتي وحبيبي، وقرة عيني، اللهم لا
تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وأوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة، شربة هنيئة
باردة لا نظمأ بعدها أبداً، اجعلنا من أمته، وفي شفاعته، وتحت لوائه يوم القيامة؛
يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، أما بعد، أيها المسلمون..
أقلام مأجورة في خنادق السوء
ونعود إلى صحافتنا، كتب صاحب زاوية «مع وقف التنفيذ»، قائلاً: «إن الصفحات الدينية تتسابق، ولكنها إلى الوراء، وهي آيلة إلى السقوط»، وبدأ يسخر بها ويستهزئ، وتأكدت أن الصفحات الدينية آتت أكلها وثمارها، فلما أعداء الدين يغتاظون ويغضبون فقد آتت أكلها وثمارها والحمد لله، أصحاب الصفحات الدينية هم العلماء، والعلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، أما القوميون فهم ورثة الطواغيت، والطواغيت يورثون ذلاً، إن أصحاب الصفحات الدينية يروون عن الله ورسوله، وأنت عن أي شيء تروي؟ ما هو مصدرك؟ إن مصدرك تقول: قال شهريار الملعون الأغبر، وهل يستوي من يروي عن الله ورسوله، كمن يروي عن شهريار الملعون الأغبر؟! لا ورب الكعبة، لا يستويان، الله جل ثناؤه زكّى نبيه وزكّى جبريل عليه السلام: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (التكوير: 19)، والرسول صلى الله عليه وسلم له مرسل هو الله سبحانه وتعالى، والرسول جبريل عليه السلام يتلقى كلام الله فيبلغه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وحياً، فيبلغه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس تبليغاً ودعوة، فهو من محمد عن جبريل عن الله سبحانه وتعالى، ومحمد زكّاه الله فقال عن عقله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) (النجم: 11)، يقول عن عقله: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ) (التكوير: 22)، ويقول عن لسانه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى {3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم)، وعن بصره: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ) (النجم: 17)، وعن قلبه: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) (النجم: 11)، وعن كله: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)، أما جبريل عليه السلام، فيقول الله عنه: (ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ {20} مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (التكوير).
عن هؤلاء، عن الله سبحانه وتعالى، يروي أصحاب الصفحات
الدينية، أما أنت فتروي عن شهريار الملعون الأغبر، وشهريار ملك فارسي، فكيف تلتقي
القومية العربية لتروي عن شهريار الفارسي؟ على الأقل، لو اخترت لك مصدراً عربياً
قومياً، فما أكثر الملاعين العرب، كأمثال مسيلمة الكذاب، الذي قال يوماً قرآناً
فقال: «يا ضفدع يا ابن الضفدعين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، نقي أو لا تنقين»،
لماذا أيها القومي لم تتخذ عبدالله بن أبي بن سلول، فتروي عنه، فهو من دعاة
القومية؟! القومية العربية تضم اليهود العرب والنصارى العرب والعلمانيين العرب، لماذا
لم تروِ عن بشر المنافق، الذي جاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم، يعرض عليه خصومة
بينه وبين يهودي، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي، ثم ذهب بشر إلى أبي بكر،
فحكم أبو بكر لليهودي، ثم ذهب إلى عمر، فقال اليهودي: يا عمر، إن بشراً هذا خاصمني
فحكم لي رسول الله، وحكم لي أبو بكر، فأبى إلا أن نأتيك، فاحكم بيننا، فقال عمر:
انتظرا، فذهب وأحضر السيف، فدك به رأس المنافق بشر، فقال: هذا حكم عمر، بالذي لا
يرضى بحكم الله ولا رسوله ولا أبي بكر، (أورد القصة ابن القيم في إعلام الموقعين،
وابن كثير في تفسيره)، على الأقل لو رويت عن هؤلاء لحققت القومية التي تؤمن بها، لماذا
لم ترو عن كعب بن الأشرف العربي اليهودي؟! لأن القومية العربية تضم اليهود العرب
والنصارى العرب والعلمانيين العرب، فقلت: عن كعب بن الأشرف الملعون الأغبر، قال
كذا، وكذا، وكذا، أما شهريار، فهو فارسي وليس قومياً عربياً، لقد كان في عهد
الرسول صلى الله عليه وسلم شاعر اسمه النضر بن الحارث، لما سمع الوحي يتنزل جلس في
رحاب الكعبة، وقال: أيها الناس، عندي كلام خير من كلام محمد، إني أروي لكم أخبار
إسكنديار، وإسكنديار ابن عم شهريار، والله سبحانه وتعالى قال عن النضر بن الحارث
وأمثاله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ {3} كُتِبَ عَلَيْهِ
أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (الحج)، فخير لك أن توقف تنفيذ هذا الهراء، رحمة بك.
وجوه مستعارة وحقائق عارية
أما صاحب زاوية
«بلا قناع»، فإني رأيت منه عجباً، رأيته يكتب في أعلاها «بلا قناع»، ورأيت القناع
على عينيه، إذ يقول لجمعية المعلمين: يا جمعية المعلمين، أتعلمينا الصحافة؟ لماذا
لا تنتبهي إلى مشكلاتك، كمشكلة المدرس الذي هرّب المخدرات في ثياب ولده، ومشكلة
المدرس الذي زوّر المحاضر، ومشكلة الخطيب الذي يخطب على المنبر فيشتم الناس؟ وجمع
بين الحشّاش والمزوّر والخطيب الذي يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أهذا بلا قناع؟ إنها أقنعة من الظلمات ورب الكعبة؟ إنها أقنعة، لا تميز بين الحق
والباطل، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة، إذا
لم تستح فاصنع ما شئت»، (رواه البخاري)، أما مجلة «سعد»، فلا أسعد الله أيامها،
فقد نشرت، وللمرة الثالثة، وآخر منشور لها من مناشير الكفر، في الشهر التاسع من
سنة 1984م، يقولون فيه لأولادنا الصغار: دخل ثلاثة المطعم، عمر، وأبو بكر، ومحمد
صاحب الشفاعة، فلما أكل عمر، قال: أنا ابن الخطاب، فأين الباب، فلما أكل أبو بكر،
قال: أن الصديق، فأين الرفيق؟ فلما أكل صاحب الشفاعة، قال: أنا صاحب الشفاعة، فأين
الجماعة؟ فولى الثلاثة هاربين، فطاردهم صاحب المطعم وبيده السكين، وهو يقول: أنا
ربكم فادفعوا الحساب، ثم ننتظر من الله المطر، إننا نستمطر الحجارة ورب الكعبة، إن
هذه القضية تحتاج إلى انعقاد مؤتمر قمة، نعم ورب الكعبة، مؤتمر قمة على مستوى
الخليج، وعلى مستوى العالم إن كنا مسلمين، فإن الأمن يهدد بها، الأمن.. على شفا
جرف هار ولا بد من عقد مؤتمر قمة، لهذه القضية التي تزعزع الأمن، فقد استهزئ بالله
ورسوله، وأبي بكر، وعمر، في وضح النهار والشمس طالعة، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل
السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى
وأهل المغفرة، ما أدري أي الموقفين أعظم؟ ثباته والسيف فوق رأسه، أم عفوه عند
مقدرته، هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم.
لماذا تنتقم من محمد أيها الكافر؟ لماذا؟ محمد شهد له أعداؤه قبل أحبابه، فهذا أحد المستشرقين، يسأله أحد التلاميذ: من أصدق الناس وأعظم الناس؟ فقال: أقول بصدق، إنه محمد بن عبدالله، وسأذكر لكم موقفاً من حياته، كان يوماً تحت ظل شجرة، فجاءه أعرابي، فأخذ سيفه، ووضعه فوق رأسه، وقال: من ينجيك الآن مني يا محمد؟ فابتسم، وقال: «ينجيني الله»، فارتبك الأعرابي، وسقط السيف من يده، فأخذه محمد وقال: «أنت من ينجيك مني الآن؟»، فقال: ينجيني عفوك وحلمك يا رسول الله، قال: عفوت عنك، فاذهب راشداً، يقول المستشرق: ما أدري أي الموقفين أعظم؟ ثباته والسيف فوق رأسه، أم عفوه عند مقدرته، (القصة ثابتة في الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه، قصة غورث بن الحارث)، هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم، أبو بكر ثاني اثنين إذ هما في الغار ليلة الهجرة، يسير مرة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة خلفه، ومرة عن يمينه، ومرة عن شماله، لا يقر له قرار، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «ما لك يا أبا بكر؟!»، فقال: فداك أبي وأمي ونفسي ومالي وأهلي يا رسول الله، إذا تذكرت السابقة خفت عليك فصرت أمامك، وإذا تذكرت اللاحق، خفت عليك فصرت خلفك، روحي ونحري فداك يا رسول الله، (أخرجها ابن حبان والحاكم في المستدرك وصححه).
والفاروق، وما أدراك ما الفاروق، ملأ الأرض
عدلاً، وكان عليّ بن أبي طالب يقول له: لقد أتعبت من بعدك يا أمير المؤمنين، عففت
فعفت الرعية، ولو رتعت لرتعت، والتقرير يرفعه مندوب ملك الفرس، عندما رآه نائماً،
يفترش الأرض، ويلتحف السماء، فقال: يا عمر، حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت يا عمر، (أوردها
ابن الجوزي في مناقب عمر، وابن كثير في البداية والنهاية)، الإسلام كالمرآة نقية،
الإسلام كماء السماء، إذا نظر فيه القرد لا يرى صورة ملاك، إنما يرى فيه صورة قرد،
كان أولى بك يا كاتب مجلة «سعد»، كان أولى بك أن تسخِّر قلمك للطواغيت الذين أذلوا
البلاد والعباد، وسلبوك، وأذلوك، ولكن الإسلام كالمرآة نقية، الإسلام كماء السماء،
إذا نظر فيه القرد لا يرى صورة ملاك، إنما يرى فيه صورة قرد: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا
فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن
مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) (الأنعام: 122)،
وصدق الله حيث يقول: (إِنَّ
هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء: 9)،
أما عن الصنف الآخر، فماذا يقول: (وَنُنَزِّلُ
مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ
الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء: 82).
الخاتمة
والدعاء:
اللهم ألِّف على
الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور،
ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما قال السفهاء منا، ربنا
لا تؤاخذنا بما كتب السفهاء، ربنا لا تؤاخذنا بما صرح السفهاء منا، ولا تعاملنا
بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة، اللهم اسقنا
الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم
اجعله صيباً نافعاً، علينا وحوالينا، وعلى منابت الشجر وبطون الأودية، واجعله رزق
إيمان وعطاء إيمان، إن عطاءك لم يكن محظوراً، اللهم أنبت في أرضنا زرعها، وزينتها،
ومرعاها، تدفع البلاء، وترفع الوباء، وتذهب به بالغلاء يا أرحم الراحمين، أنت
الغني ونحن الفقراء، مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، أغثنا يا مغيث،
أمطرنا يا مغيث، رحماك بالأطفال الرضع، والعجائز الركع، والبهائم الرتع، إن نظرت
إلى ذنوبنا ومعاصينا فإنا نستحق العقوبة، ولكن رحمتك أعظم، ومغفرتك أعم، فارحمنا
برحمتك، برحماتك الغافرات النازلات المنجيات يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم
تذكرون.
اذكروا الله
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.