الخميس 05-نوفمبر-2026 - 25 جمادى الأول ، 1448

الإمارة ليست لمن يطلبها

366
2026-11-05


التعريف بالخطبة

تناولت الخطبة الحديث عن الفرق بين من يطلب الإمارة ومن يكلف بها ، وأثر ذلك على اتخاذ القرارات وعلى صلاح الرعية، ثم نقلت الخطبة حوار تكليف الله لخليله إبراهيم بأن يكون إماما وحاكما قدوة للناس

عناصر الخطبة

1- الإمارة بين الطلب والتكليف
2- أهمية القرآن في حياة الحاكم والقاضي
3- الخليل إبراهيم قدوة الحكا
م عبر الزمان

4- وقفات مع آيات التوحيد

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدّر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى.

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وأصلي وأسلم على قدوتي، وقائدي ومعلمي، وحبيبي محمد بن عبد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة.

وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وأصحابه الغر الميامين، رضي الله عنهم ورضوا عنه.

دعاء وثناء

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم.

اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمّت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم ألّف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، اللهم عليك باليهود وأعوانهم، والنصارى وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، ويهود العرب، احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

اللهم لا يرد أمرك، ولا يُهزم جندك، سبحانك وبحمدك، منزل الكتاب، ومنشئ السحاب، ومجري الحساب، وهازم الأحزاب، اهزم أحزاب الباطل، وانصر حزب الحق يا رب العالمين.

أما بعد، عباد الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

أيها الأحبة الكرام.. إني أحبكم في الله.

أولا: الإمارة بين التكليف والطلب

جاء أبو موسى رضي الله عنه، أبو موسى الأشعري الذين أوتي مزماراً من مزامير آل داود، ومعه رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما إن وصل الثلاثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تكلم الرجلان وسألا النبي صلى الله عليه وسلم إمارة اليمن، والولاية، فأُصيب أبو موسى الأشعري بحرج شديد.

قال: والله يا رسول الله، ما كنت أعلم أنهما سيسألان، وهناك تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان المسواك في فمه، فزمَّ شفتيه عليه، ثم رفع رأسه وقال: «لا ولن نعطي الإمارة من سألها».

ثم التفت إلى أبي موسى الأشعري وقال: «اذهب والياً على اليمن».

فالذي سألها، حُرمها، والذي لم يسألها أُعطيها... ما السر في ذلك؟

ذهب أبو موسى الأشعري إلى اليمن، فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم بقاضٍ؛ لأن الدولة لا تصلح إلا بسلطان وقاضٍ، فكان القاضي هو معاذ بن جبل، عالم الصحابة رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم كما تعلمون سأله: «بماذا تحكم؟»، قال: بكتاب الله، فقال له: «فإن لم تجد؟»، قال: بسُنة رسول الله، فقال له: «فإن لم تجد؟»، قال: أجتهد رأيي.

فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل معاذ إلى أبي موسى في مجلس الإمارة، وجد عنده رجلاً مربوطاً، رجلاً موثوقاً، في يديه ورجليه، ومعاذ على ناقته، والأمير أبو موسى على الأرض، ما كان عندهم كراسي ولا عروش، فقال أبو موسى، انزل يا معاذ، وأخذ الوسادة وألقاها له كي يجلس على الوسادة، فقال معاذ: ما هذا؟ وأشار بيده إلى المربوط، قال: هذا يهودي أسلم، ثم ارتد وتهوّد، وعاد إلى يهوديته.

عند ذلك صاح معاذ بن جبل، لا والله لا أنزل ولا أجلس، حتى تُضرب عنق هذا، قضاء الله ورسوله، وأخذ يصيح بأعلى صوته ثلاث مرات، والناس يسمعون.

قضاء الله الله ورسوله، قضاء الله الله ورسوله، قضاء الله الله ورسوله.

فلم يتمالك أبو موسى حتى أمر السياف فدك عنق اليهودي.

عند ذلك نزل معاذ على الأرض، وأخذ يتذاكر مع الأمير أبي موسى بماذا؟

ثانيًا : أهمية القرءان في حياة الحاكم والقاضي

عندما يلتقي القاضي اليوم، مع رئيس الدولة، بأي أمر يتحادثان؟

تحادث أبو موسى مع معاذ بن جبل في قيام الليل، قيام الليل، بحيث كل واحد منهما يذكّر الآخر بالآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة، في ضرورة قيام الليل للأمير ولقاضيه، لأن القلب لا يرق ولا يخضع ولا يخشع ولا يرحم ولا يعطي ولا يصل ولا يفصل إلا إذا وقف صاحبه كل ليلة بين يدي الله يناجيه.

ويُعرض عليه الدستور العظيم، القرآن الكريم، تُعرض نصوصه كل ليلة مادة، وآية، حتى إذا جاء النهار وبدأت مصالح الناس، وجاء أصحاب الخصومات، والمطالب والمظالم، طبّق ما وقف بين يدي الله بالليل، على الناس في النهار، فينتشر العدل بين العالمين.

أين نحن اليوم من تلك الحوادث التي نسمعها؟

هناك على أرض لبنان، الطيار اليهودي يقصف، يقصف البيوت على النساء والأطفال ويحرق الحقول، ويدمر الأشجار، ويهلك الدواب، ويقصف المستشفيات على المرضى، ولا يترك مدارس الأطفال حتى إذا ما سقط أسيراً، استقبلوه استقبال الفاتحين، هذا يعطيه كأس شاي، وهذا يعطيه سيجارة! وتتصل حكومة اليهود بمن أمسكه، ويطالبون بإعادته بمصفحة أو مجنزرة، في كامل قواه وعافيته.

وهذا المشهد شاهدناه مئات المرات، ابتداء من هزيمة 1967م وقد رأيت بعيني في التلفزيون الطيار اليهودي جالساً يضع رجلاً على رجل، وبيده كأس الشاي، والسيجارة، ويبتسم، وهذا نُقل على مستوى العالم كله، وإلى أيامنا هذه!

ما السر؟ السر ذكره الحديث في أوله: «لن نولي أمرنا من سأله». هذا هو السر.

كره النبي أن يعطي الولاية لمن طلبها، وكلف بها من كرهها، وهذا سر من أسرار القيادة الناجحة

لو أن الولاة الذين يحاربون اليهود جاؤوا إلى كراسيهم مرغمين لا راغبين، ولا طالبين، ولا سائلين، إنما يدفعون إليها دفعاً، لما حدث ما حدث، ولكن كل متشبث على كرسيه ينافح، ويعادي، فإذا اعترض الكرسي باليهود، أو بالمصلحة، لتذهب كل المقدسات عبر الرياح، وتهدر كل الدماء بلا ثمن، وليذهب كل الشعوب ذبيحة لأعدائها، ما دام يسلم الكرسي، وهذا الذي نسمعه بعد هزيمة عام 1967م، وكل هزيمة كان الحزب يردد قائلاً: إن اليهود وحكومة «إسرائيل» ما كانت تعني بحربها إلا الحزب، وبما أن الحزب سلم، فإن الهزيمة نصر، وإن اليهود لم ينتصروا علينا، ما دام الكرسي والحزب يتربع عليه.

إذن عرفنا سر الحديث وتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم، عندما سأل الرجلان الولاية، قال: «لا»، وفي رواية «لن»، وهذا للتأبيد إلى يوم القيامة؛ «لا ولن نوليها من سألها»؛ لأنها عندما يأخذها من سألها سيضيع أمان هذا الكرسي كل شيء.

ومعاذ بن جبل أُرغم عليها، وأبو موسى الأشعري أُرغم عليها، فكان اليهودي الذي ارتد لم يمض في مجلس القضاء إلا دقيقة أو دقيقتين، ثم ضُربت عنقه، وأُلقي بها فوق المزابل.

وبهذا الأسلوب يُعامل اليهود، ويُحارب اليهود، واليهود يعرفون هذه الحقيقة تماماً، يعرفونها جيداً، لهذا هم يتنمّرون علينا لأن المصلحة ترتبط بالحزب والكرسي فقط لا غير.

ولنستمع ماذا يقول القرآن عن هذه الحقيقة، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة «البقرة»: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة: 120)، اليهود والنصارى الآن يرضون أم لم يرضوا، بالتأكيد هم راضون، والدليل على أنهم راضون، أنه لا توجد حرب؛ لأن الذي يرضى عنك لا يحاربك، والذي يعاديك يحاربك؟

هل توجد الآن حرب حقيقية بيننا وبين اليهود والنصارى؟

لا.. إذن هم الآن راضون، والرضا ذكره الله في هذه الآية نتيجة ماذا؟

الاتباع.. إذن وإن تسمى من تسمى بالإسلام والإيمان، فما دام اليهود لا يحاربون المسلمين ولا يحارب النصارى المسلمين، أقصد جيوشاً وعساكر، لا شعوباً، فالشعوب لا تقدم ولا تؤخر في زماننا هذا، ولكن الذي يقدم ويؤخر من يملك البندقية، ومن يملك الصاروخ، ومن يملك المدفع.

هل بينهم رضا أم بينهم حرب؟ بينهم رضا.. إذن الآية عندما تقول: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).

والاتباع حاصل، ابحث إن وجدت دولة مستقلة عن معسكر الشرق، أو معسكر الغرب، وكلا المعسكرين من أسس مبادئه ومنهجه هم اليهود، سواء الشيوعية الحمراء، أم الرأسمالية.

ثم لنستمع ماذا يقول الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى) (البقرة: 120)؛ أي دين الله هو الدين، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم) (البقرة: 120)؛ فتبين أن كل المشاريع والقرارات والمؤامرات والتصريحات والخطب والزيف كل ذلك أهواء، حوتها كلمة أهواء، أهواء من يهود العرب، ويهود فلسطين، ويهود أمريكا ويهود روسيا، كل ذلك أهواء، ويبقى دين الله وهدى الله هو الهدى الذي يملك محققات، الذي يملك مقومات الحياة، وبهذا الهدى تعود فلسطين، ويعود الأقصى بإذن الله رب العالمين.

ثم لنستمع بقية الآية (بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ) (البقرة: 120)؛ إذن العلم الإيماني الإسلامي، يقابل الهدى اليهودي والهدى النصراني، (بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) (البقرة: 120)، انظر إلى تعقيب الآية الخطير، الذي يترك علم قال الله، قال رسول الله، الكتاب والسُّنة، ليس له إلا الهوى، والأهواء، والجهل والظلمات، يتخلى الله عنه، فليس له ولي من الله، ولا نصير من الله، لهذا جاءت الهزائم بعد الهزائم، ولم نستطع منذ عام 1948م إلى هذه اللحظة أن نحقق شبراً واحداً في انتصاراتنا على أرض فلسطين، أو أرض لبنان، أو أي أرض نقاتل فيها اليهود والنصارى.

أيها الأحباب: الجهل لا ينتصر على العلم، الجهل أيضاً لا ينتصر على الهوى إن كان الهوى تدعمه قوة، ويدعمه مبدأ، ويدعمه دبابة وصاروخ، فاليهود وإن قال الله عنهم والنصارى أهواء، ولكنهم تشبثوا بالأهواء وضيعنا نحن العلم، فكيف ننتصر عليهم. (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ).

ثم يبين الله الطريق الصحيح، وهو الالتزام بهذا الكتاب، (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة: 121)، وأي خسران يقع فيه المسلمون اليوم، ثم يقول سبحانه مذكراً بني إسرائيل ما كانوا عليه من نعمة، ويعيشون الآن في أوهامها، اليهود الآن يظنون بالانتصارات التي حققوها أنهم على حق، وما هي إلا أوهام، فهذا ماض قد غبر، يوم أن كانوا يعبدون الله وحده، ولا يشركون به عزيراً، أو غير عزير، (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 122)، ثم يأمرهم الله بالتقوى لأنهم غير متقين، (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ) (البقرة: 123)، وقدم الله العدل على الشفاعة، والعدل معناها الفدية؛ أي الفلوس، على الشفاعة التي هي الواسطة؛ لأن مبدأ اليهود والنصارى مبدأ مادي؛ لأنهم يظنون أنه بالذهب وبرؤوس الأموال والبنوك الربوية يحققون كل شيء، في الدنيا والآخرة، والله يخيّب ظنهم، ويقطع رجاءهم، ويقول: إن يوم القيامة لا يُقبل عدل ولا شفاعة، والله لو أن الكافر بذل ملء الأرض ذهباً لن يقبله الله، فإذا رد الله الذهب اليهودي، والذهب النصراني، والدولار الأمريكي، سيبحثون عن واسطة أو شفيع، حتى يقبل الله، فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ).

الخليل إبراهيم قدوة الحكام عبر الزمان

ثم يظهر إماماً وقدوة، لي ولك ولكل الناس، من حمل إثم الناس على الأرض في كل الأرض، في كل زمان، في القديم والحديث، فيقول الله سبحانه: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) (البقرة: 124)، صلى الله عليه وسلم، (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) من يتبرأ من كلمة الناس، لا أحد، إذاً إبراهيم، الناس كلهم في كل زمان ومكان مطالبون أن يتخذوه إماماً؟ لماذا؟ بالتوحيد، فإبراهيم هو إمام الموحدين.

استمع: (جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي)، هذا طلب إبراهيم عليه السلام؛ أي اجعل الإمامة أيضاً في ذريتي، وولاية العهد للإمامة في ذريتي، بماذا أجاب الله؟ استمع (قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124).

عهدي في قيادة البشرية للعادلين المسلمين، للمؤمنين، للموحدين، ليس للظالمين والمشركين، (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، إذن هذا التوارث العجيب للظلم عبر الزمان، في كل مكان، العهد بينه وبين الله مقطوع، ومبتوت، والله الذي رد دعوة إبراهيم في هذا العهد للظالم من ذريته، فلم يحابِ اللهُ أحداً بعد إبراهيم أبداً.

لا نسب، ولا حسب، ولا لون، ولا دم، إذا أردت أن تتصل بهذا العهد التاريخي العالمي الأرضي السماوي، تحت مظلة لا إله إلا الله، والله قطع العهد عن ابن نوح، وقطع العهد عن والد إبراهيم آزر، والحديث يشهد، يأتي إبراهيم بأبيه آزر يوم القيامة، فيقول: «أي ربي، وعدتني ألا تخزني يوم تبعثون، وهل أخزى من أن يلقى أبي الأبعد في النار؟ فيقول الله له: يا إبراهيم، عهدي لا يناله الظالمون، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، انظر تحت قدميك، فينظر فيحوّل الله آزر أبا إبراهيم، إلى ضبع ملطخ بالدماء، أقبح منظر، وأقبح منظر أن ترى الضبع ملطخاً بالدماء، فتحمله الزبانية من رجليه فتلقيه في النار، وإبراهيم ينظر».

ومنزلة إبراهيم عند الله منزلة الخلة، (وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) (النساء: 125)، لهذا قال له: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).

جعل الله مقام إبراهيم مصلى فلا يحل أن نتخذ مقامًا لولي أو قطب نصلي فيه

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (البقرة: 125)، المقام الذي قام به إبراهيم لربه، فوحّد، وبنى البيت، وخصّ الله إبراهيم بأن يكون مقامه مصلى، إذن كل ضريح، وكل قبر، وكل مقام من المقامات التي تُزار سينظر لها للأصفياء والأولياء والأتقياء، والأقطاب، والأبدال، والمجددين إلى آخره، ليس لهم دليل شرعي واحد بأن يُشرك بالله سبحانه وتعالى بهم، فالذي يُسأل هو الله، والذي يُذبح له هو الله، والذي يُنظر له هو الله، فلا يجوز أن نتخذ مقاماً مصلى إلا الذي نص عليه الله، وهو مقام إبراهيم فقط، وكل المقامات هذه شرك، فمن قام بها يصلي، أو يتجه بالدعاء، أو يقدم الذبح، أو يقدم النذر، فإن عهد الله بينه وبينه مقطوع، كما قطعه عن ذرية إبراهيم الظالمين المشركين.

هذا كلام خطير، يجب أن ننتبه إليه، يؤسفني كثيراً إذا ذكرت اسم بلد، أو اسم زعيم، أو اسم شيخ طريقة، أو اسم ولي مدفون، يتعصب له كثير من المسلمين، والخطورة في هذا التعصب أن يُحشر معه يوم القيامة.

أو يؤتى ذلك الضريح، أو ذاك الذي يدافع عنه، وهو العهد الذي بينه وبين الله مقطوع، فيحشر معه يوم القيامة.

وتتم القطيعة الرهيبة؛ لأنه لا يفوز عند الله إلا الموحدون.

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ {125} وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً) (البقرة)، في هذه قال: (بَلَداً آمِناً) نكرة، وسبب التنكير لأن البلد لم يتكوّن حتى الآن، وقد تكوّن البلد بعد م أن أقام البيت، وبدأ الناس يتجمعون حوله، ولكن في آية أخرى، جاء بأل التعريف: (اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً) (إبراهيم: 35)؛ لأن البلد قد قام، فانظر إلى دقة القرآن في التعبير.

البلد الآن يقوم ويبنى، فيقوم إبراهيم، وإسماعيل بدعاء مشترك عبر التاريخ والزمان، انتبه، لمن يدعم البيت الأبيض، أو البيت الأحمر!

إبراهيم عليه السلام يبني بيت الله ولا يدري أن يقبل الله منه أم لا يقبل، عليه الغبار وتلطخ بالطين، ويده من حمل الحجارة تدمي، ويرفع يديه مع إسماعيل، يسأل الله القبول، فكيف يقبل الله من عبد يدعم البيت الأبيض الشيطان الأكبر، ويدعم البيت الأحمر دبابة إبليس، كيف يقبل الله حلاً أو عقداً يوم القيامة؟! أم كيف يشفع محمد لمن يدفع الأموال بالملايين لمن يذبح الفلسطينيين الآن هناك؟! لا حجة له إلا أن هذا جناح يمين أعطيه الملايين لكي يهتك أعراض المسلمين.

يقول الله عن إبراهيم وهو الذي يبني البيت بيديه، والله ينسب البيت إليه، بيتي، (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) (الحج: 26)، استمع ماذا يقول إبراهيم: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) (البقرة: 127)، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، لاحظ كلمة أضطره، فسبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، فالله تعالى قادر أن يقول: «أأخذه»، ولكن لماذا اختار كلمة الاضطرار، حتى يبين لك كيف يتشبث أصحاب الكراسي بها أثناء الموت حتى آخر لحظة، فالله يضطره اضطراراً وهو ماسك الكرسي والزبانية تسحبه، فلهذا جاء التعبير (أَضْطَرُّهُ) اضطراراً، (أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {126}‏ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

كيف سيمد يديه من يدعم البيت الأبيض، أو البيت الأحمر؟ هل يقول: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم؟

سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم!

(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ) (البقرة: 128)، يا غفلة المسلمين عن هذا الدعاء.

تحت اسم الإسلام تنضوي كل الطوائف، أنت فجأة تجد في موسم معين، وفي يوم معين، مكاناً مزدحماً، فيُقال: من هؤلاء؟ فيُقال: هؤلاء البهرة، هؤلاء القاديانية، وتطلع عليك أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، أين كانوا مختفين؟ كانوا مختفين تحت مظلة الإسلام.

وليس لهم من الإسلام شيء، من أجل ذلك كان إمام الموحدين ينادي بهذا النداء له ولذريته، حتى ننتبه أن الإسلام مظلة واسعة، وكم يختفي تحتها من المنافقين والدجالين والمبتدعين والمشركين وعباد القبور، كم تحت مظلة الإسلام؟

لهذا كان إبراهيم، يقول الله سبحانه وتعالى في دعائه: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا)، (وَأَرِنَا) يريد إبراهيم الدليل الشرعي من الله، قال الله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا)، والآن تجد بعض المقلدين، تسأله ما هذا؟ يقول: الصحف قالت بهذا، الصحف تنشر أخبارها على شرط البخاري أو مسلم، أو يقول: الإذاعة الفلانية قالت، أو إذاعة «مونت كارلو» قالت، فأصبحت «مونت كارلو» تشرِّع.

إبراهيم عليه السلام يسأل الله المناسك، والنصوص في المناسك، (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 128).

إنما حاجتنا إلى قائد رباني، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً

ما أحوجنا إلى التوبة! ما دام إبراهيم الموحد يتوب إلى الله، وإسماعيل: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ) (البقرة: 129)، الله أكبر، الرسالات خُتمت بمحمد، واستجاب الله دعوة إبراهيم، لكننا نحن الآن نعيد نفس الدعاء، ولكن لا نقول: (وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ)، إنما حاجتنا إلى قائد رباني، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وإبراهيم عليه السلام يعلم أن الله علّمه أن الأمة ستشرك بعده، فكان يسأل الله أن يبعث فيهم رسولاً يعيدهم إلى التوحيد، ويملأ الأرض عدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، والدعوة نحن مطالبون بها الآن، فقد عاد الزمان ودار دورته، ولنقل أجمعين: اللهم أوجد، اللهم ابعث، اللهم عجّل بقائد رباني، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (البقرة: 129).

ثم يوجه الله سبحانه وتعالى صبغة السفه والسفهاء لكل من لا يسير في هذا الطريق، (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ) (البقرة: 130)، مهما كان ذلك الذي كان، فهو سفيه في ميزان الله، دعمته جيوش، وقامت عليه أجهزة، ونصرته معسكرات، فهولا يعدو كلمة سفيه في الميزان الإسلامي.

والرسول نادى بها وأمته تسمع: «هذه سُنتي، فمن رغب عن سُنتي فليس مني».

(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ {130} إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (البقرة).

أسلمنا لرب العالمين، اللهم إنا لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، وأنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، اللهم اجعلنا من المتقين، آت أنفسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، يا أرحم الراحمين.

والنبي صلى الله عليه وسلم، أمام الذين يسألون دون حق، كما قال: «لا، ولن نوليها لمن سألها».

يقول يوم القيامة للذين يستغلون المناصب للمصالح الشخصية: «لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة ومعه شاة تيعر»، شاة لها صوت فضيحة بجلاجل، «فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، أو يأتي ومعه بعير له رغاء، أو فرس لها حمحمة، أو رقاع تخفق»، رقاع تعني ملابس (حرامي ملابس)، «فيقول يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك»، لاحظ التصنيف، هذا الحديث يصنف الناس؛ أصحاب الأكل والبلعة هم يحملون الغنم والخرفان، يأتي يوم القيامة مع شاة، وأصحاب هوايات ركوب الخيل والقفز ويشترونها بالملايين من أموال الشعوب، هذا يأتي معه فرس يحمحم، والحمحمة صوت الفرس عندما تكون عطشانة.

والذين يجعلون الجمل والبعير، قضية عالمية تنشر  لها صحف العالم وإذاعات العالم، يأتي يوم القيامة ومعه بعير له رغاء، وعبّاد الموديلات والأزياء؛ فستان للصباح، وفستان للمساء، وفستان للربيع، وفستان للصيف، وفستان للبحر، ويطلع مسؤول يقول: نحن نعتبر معقدين إذا جعلنا في المنادي «المايوه من قطعة واحدة»، لماذا لا نجعل المايوه من قطعتين؟!

«يأتي يوم القيامة ومعه رقاع»؛ أي ثياب تخفق، فضيحة تضرب وتقصف، حتى يرى كل الخلائق ذلك العار، وهذا الحديث ليس للحصر، وإنما هي أمثلة، ولكن لو سحبته لوجدته ينطبق على أصناف لم يذكرها الحديث، أو يأتي يوم القيامة معه بئر نفط تلتهب، أو يأتي يوم القيامة وعلى رأسه طربوش عميل، يعقد مؤتمرات اليهود، أو يأتي يوم القيامة وبيده رشاش «إسرائيلي» يذبح به المسلمين، ويهدر دماءهم على أرض لبنان، وإلى آخره، ولا نهاية لهذا الحديث، لكثرة مآسي الأمة.

وقفات مع آيات التوحيد

نعود إلى آيات التوحيد في كتاب الله، (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ {131} وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ {132} أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي) (البقرة) الوصية الأخيرة، توحيد الله والإسلام، (مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {133} تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ {134}‏ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {135} قُولُواْ آمَنَّا) (البقرة)، هذه الآية يحفظونها أولادهم كما يحفظونهم الفاتحة، احفظوها عباد الله، وحفظوها لأولادكم، ففيها عهد بيننا وبين الله.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 136).

ثم يقول الله: (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) (البقرة: 137)، أليس الشقاق موجوداً، اعقد مليون مؤتمر، إذا لم يكن قلبي هو قلبك، وحب الله وتوحيده في القلبين لن نلتقي أبداً، أبداً، لهذا الله سبحانه وتعالى تعهد عقوبة من أشرك به، أن يحل بينهم الشقاق والنفاق وسيئ الأخلاق.

هذا عهد تذكره الآية، فاستمع: (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ)، هذا هو الشرط للنجاة، (وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ)، يا رب، وإلى متى هذا الشقاق؟، الدعاة المخلصون الصادقون يذهبون في هذا الشقاق يطويهم، فيقول: لا، (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 137).

إذن، الذين هم في الشقاق الآن يتحدون من؟ يتحدون الله سبحانه وتعالى.

والدعاة من سيكفيهم؟

سيكفيهم الله، وهذه الآية العظيمة، كان يقرؤها عثمان بن عفان، فدخل عليه الثوار المجرمون وذبحوه، فنزل دمه عليها، فلما مسحوا الدم، وجدوا تحته: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، فما مر عام إلا وقضى الله على كل الذين قتلوه، ما بقي منهم أحد؟

ثم يقول الله سبحانه وتعالى: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ {138} قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ) (البقرة)، أتحاجوننا في الله، نعم، نحن نتفق معكم في توحيد الربوبية، ربنا وربكم، نتفق أنه الرازق، الخالق، المدبر، لكن الفرق بيننا وبينكم، يا من تعبدون غير الله كائناً من كان؛ من شجر، أو حجر، أو بقر، أو بشر، الفرق أننا أخلصنا لله توحيد الألوهية، فانتبه إلى هذه الآية الفصالة، حتى لا يسمي الشخص منا نفسه عبد النبي، أو عبد الزهراء، أو عبد الأمير، إنما اسمك عبدالله، عبدالرحمن، عبدالملك، عبدالقدوس، عبدالعزيز، تحرَّ العبودية في التسمية، لا تقول: يا بدوي مدد، يا عبدالقادر مدد، أغثني يا فلان، أغثني لا علان، هذا شرك، وإن اتفقت معي في توحيد الربوبية، فإني أختلف معك في توحيد الألوهية.

قال تعالى: (قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) (البقرة: 139)، هذا هو الفرق.

الملك في الدنيا ما يرضى إذا أنت شاركته ملكاً آخر في ولائه، لا يرضى، إذا أردته أن يعطيك، ويكرمك، ويقربك، ويجعلك من جلسائه، ووزرائه، لا بد أن تمحص له الولاء، وهذا بين الناس معروف

فكيف تريد من الله أن يعطي الجنة من أشرك به؟

لهذا يقول الله تعالى للمشرك يوم القيامة: يا فلان، لو طلبت منك فداء ملء الأرض ذهباً أتعطيه؟ قال: نعم يا رب، لقد سألتك أهون من ذلك فأبيت.

سألتك، طلبت منك، ألا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك.

(وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ {139} أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ) (البقرة)، هذه هي الحجة، كل واحد يأتيك ويقول: الله أمر بهذا الشرك، وجدنا عليه آباءنا، فقل لهم: (أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ)؟

هذا هو السؤال الذي يحج الجميع: (أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ) (البقرة: 140)، هذه الفقرة من هذه الآية لوعاظ السلاطين، وأصحاب الفتاوى ذات البلاوي، الذين يشرعون للطواغيت، ويعطونهم المبررات الشرعية، ظلماً وزوراً، الله تعالى لم يتركهم، بل ذكرهم هنا، الذين يقدمون شهادات الزور، ويقولون هكذا قال الله، وهكذا قال رسوله.

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ {140} تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ) (البقرة)، المسؤولية فردية، المسؤولية فردية يوم القيامة، وأصبح الحق واضحاً بيناً فلنلتزم به عباد الله، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

دعاء الختام
اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل، اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء حزننا، وذهاب همنا وغمنا، اللهم افضح بهذا القرآن مكر الطواغيت، اللهم افضح بهذا القرآن خبث الخبثاء، ومكر الماكرين، وشر الأشرار، وكيد الكائدين، اللهم اجعل لنا منه نوراً، اللهم اجعلنا ممن يحل حرامه، ويحرم حرامه، ويؤمن بمحكمه ومتشابهه، واجعله شفيعنا يوم أن نلقاك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك أن تحرر فلسطين و«الأقصى»، وأن تكفي دماء المسلمين يا رب العالمين، اللهم احقن دماءهم، وصن أعراضهم، واحفظ عقولهم، واحفظ أموالهم، اللهم إخواننا في السجون والمعتقلات، في فلسطين وغير فلسطين، اكشف همهم، وادفع غمهم، وفرج عنهم، وخفف قبضة الطواغيت عليهم، اللهم إنا نسألك يا أرحم الراحمين أن تجعلها ساعة إجابة، وساعة إنابة، انصر المجاهدين في أفغانستان، وفي كل أرض يذكر فيها اسم الله.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اجعله عطاء إيمان ورزق إيمان، اللهم اجعله عطاء إيمان رزق إيمان، إن عطاءك لم يكن محذوراً.

اللهم اجعله في أرضنا، وأنبت فيها زرعها وبركتها وزينتها ومرعاها، اللهم ادفع به الداء والوباء والبلاء والغلاء يا أرحم الراحمين.

اللهم أغثنا ولا تجعلنا من القانطين.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أعظم، والله يعلم ما تصنعون.

تحميل