الأربعاء 04-نوفمبر-2026 - 24 جمادى الأول ، 1448

مصير الظالمين

240
2026-11-04

التعريف بالخطبة:

يتحدث الشيخ أحمد القطان رحمه الله في هذه الخطبة الإيمانية والمؤثرة عن تاريخ الصراع بين الإيمان والطغيان، مستعرضاً صوراً مروعة لثبات الصحابة الأوائل تحت وطأة التعذيب في مكة، قبل أن يكشف الستار عن المصارع المهينة والعاقبة الوخيمة التي حاقت بالظالمين في الدنيا والآخرة، تأكيداً على أن نصر الله آتٍ لا محالة وأن الظلم ظلمات يوم القيامة.

 

عناصر الخطبة:

  • دلو من الجنة وغوث المَلِك
  • دعوة النبي وسهم المنون
  • مصارع الظالمين في محكم التنزيل
  • قليب بدر.. حيث ذلّ الكبرياء
  • رأس الثور تحت قدم ابن مسعود
  • يوم تبدل الأرض وبروز الجبار

 

نص الخطبة:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوات ربي وسلامه عليه.

أما بعد، أيها الأحباب الكرام..

إني أحبكم في الله، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

أنى التفت إلى الإسلام في بلد.. تجده كالطير مقصوصاً جناحاه.. نرقع دنيانا بتمزيق ديننا.. فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع، وواقع حال المسلمين اليوم في مشارق ومغاربها كقول الشاعر:

كل فرد من الرعية عبد     ومن الحزب كل فرد أمير

والدعوة في الماضي يوم أن بدأت في مكة المكرمة، ثلاثة عشر عاماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع شعار «صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» (رواه الحاكم في المستدرك وصححه).

يتلفت إلى أصحابه، فلا يرى إلا بلالاً يجر على الرمضاء في الصيف، ويوضع الحجر على صدره ويُجلد بيد أمية بن خلف، ثم يوضع الحبل في عنقه، ويُعطى للصبية يجرونه من واد إلى واد، يلهث خلفهم من الظمأ وقد زاغت عيناه وتفسخ جلده، تنزف جروحه دماً.

ويلتفت إلى عمار وهم يسلخون جلده، وإلى سمية وأبو جهل يدفع الحربة في مكان عفتها فتخرج من ظهرها، وياسر يعلقونه ويشعلون تحته النار حتى يموت مشوياً، وخباب بن الأرت، يُعرونه من ثيابه، ويوقدون له جنادل الحجارة، حتى إذا احمّرت شبحوه بالحبال بيديه ورجليه، وجروه وهم يضحكون حتى يُطفئ ودك ظهره الجمر.

 

دلو من الجنة وغوث المَلِك

وهذه أم شريك أسلمت وآمنت فربطها قومها في الشمس ومنعوا عنها الماء، فلما جف ريقها وصارت شفتاها كالحطب، ولسانها كالحجر، ونام الناس في ظل الأشجار، وقد ربطوا أفواه القرب حتى لا تقطع حبالها وتشرب من مائهم، فأنزل الله عليها دلواً من الجنة سقاها، وأهرق الملك ما بقي من الدلو على جسدها فشُفيت، وانطفأ لهيبها. فلما أفاق قومها وجدوها لم تمت: من سقاك يا أم شريك؟ قالت: ربي.. فأسلموا جميعاً.

وهذه زنيرة رضي الله عنها، تعذبها سيدتها ضرباً بالنعال على رأسها والجدار حتى فقدت بصرها، فكانت تتفنن في تعذيبها وتجويعها، فإذا قالت أسقوني ماء، وضعوا الماء بعيداً عنها وهي عمياء، ثم قالوا لها ابحثي عنه، فإن وجدتيه شربتيه، فتتلمس بيديها ورجليها، وكلما اقتربت من الماء سحبوه إلى جهة أخرى وهم يضحكون! فقالت لها سيدتها: يا زنيرة، لو كان ربك حقاً صدقاً فادعيه حتى يرد عليك بصرك حتى تري الطعام والشراب، فقالت: اللهم ردّ علىّ بصري! فرد الله عليها بصرها. وتعرض النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثلاث محاولات للاغتيال؛ محاولتين بيد يهود، ومحاولة بيد المنافقين، ولكن الله أنجاه.

 

دعوة النبي وسهم المنون

ثم ماذا كانت النهاية؟ ولمن العاقبة؟ جاء القرآن يتحدث عن مصارع الظالمين، جاء القرآن يحدثنا عن أخبارهم، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعذب هو وأصحابه ويُهان، وأقرب الناس إليه أبو لهب عمه يحثو على رأسه الحصى والتراب، ويوبخه ويشتمه أمام وفود الرب، وهم يأتون إلى الحج، أو يأتون إلى الشعب.

ماذا فعل الله بهم؟ أما أحدهم فقد قال: واللاتي ولو أنزلت كتاباً من السماء فلمسناه ما صدقناك، ولو فجرت الجبال أنهاراً وجعلت مكة جنة ما آمنا بك! فماذا قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك» (أخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة).

فذهب هو وأبوه في تجارة على حدود الشام، وعندما حل المساء سمعوا صوت أسد يزأر؛ فارتجف الابن، وقال لوالده ابن ربيعة: يا أبت، ما أظن إلا هذا الذي دعا به محمد عليَّ، دعوني أنام في وسطكم، فحوطوا أنفسهم بالجمال، وحوطوا الولد بأنفسهم، فلما انتصف الليل، جاء الأسد وتخطى الجمال، وتخطى النائمين، والتقم رأسه فهشمه كالبيضة على الصفا، فلما أفاق الناس، وإذا بهم يجدونه جثة بلا رأس، ودمه قد جر على الأرض. إنها دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، دعوة المظلوم؛ «وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» (أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني).

الزور والبهتان.. يطعنونه في نيته الصادقة، ويقول القرآن عن طعنهم: (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) (ص: 6)، ليس قصده التوحيد، وليس قصده عبادة الله، وليس قصده إصلاح المجتمع، وإنما قصده شيء آخر؛ (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)؛ ما هو الشيء المراد؟ لا يفصحون عنه، ويتركون الناس يفكرون فيه، وكل شخص يفكر فيه كما يريد، يبهتون النبي صلى الله عليه وسلم.

 

مصارع الظالمين في محكم التنزيل

أما الذي جر بلال على الرمضاء فهو أمية بن خلف، ماذا قال الله عنه وعن أمثاله؟ (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ {45} بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر)، (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ) (الدخان: 16)، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (الشعراء: 227)، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال: 13).

اسمع عن مصارع الظالمين: (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ {50} فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ {51} فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {52} وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (النمل).

اسمع عن مصارع الظالمين: (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ {57} وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص).

 

قليب بدر.. حيث ذلّ الكبرياء

أما أمية بن خلف، ففي معركة «بدر» سقط من حصانه وهو ثمين، فجرى خلفه فكاد أن يهلك من الظمأ، فرأى عبدالرحمن بن عوف، فقال له: ائسرني واحمني، فرآه بلال فصرخ وقال: يا معشر الأنصار، أتريدون من كان يعذب بلالاً في الرمضاء؟ قالوا: بلى، فأحاط به الناس من كل جانب، فقال له عبدالرحمن بن عوف: اجرِ أمامي أحمك، فجرى كما كان يجري بلال، فاندلع لسانه من الظمأ، فاجتمعت الناس عليه، فقال له عبدالرحمن بن عوف: ألق بنفسك على الأرض، فألقى بنفسه على الأرض وألقى عبدالرحمن بن عوف نفسه عليه ليحميه، كما كان يلقي الأحجار على بلال في صحراء مكة، فقال بلال: أطعنوه من كل جانب، فطعنوه في خواصره، وبعد دقائق تفسخ لحمه، وخرج من بين الدرع وتملخت أطرافه، فلم يستطع أحد أن يجره إلى القليب.

 

رأس الثور تحت قدم ابن مسعود

وأما أبو جهل، فقد طار إليه شابان، الذي طعن سمية، طعنها بالحربة في مكان عفتها، طار إليه معاذ، ومعوذ ابنا عفراء، فضرباه بالسيف فخر سريعاً، فقال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود وهو نحيف ضعيف، وكان أبو جهل يهينه ويضربه ويحتقره، قال: اذهب بين الجرحى لعلك تجد جريحاً فتقتله، فيكتب الله لك أجر المجاهدين، فلما بحث في ساحة المعركة وجد أبا جهل يخور كما يخور الثور، ومع عبدالله حربة، نفس الحربة التي طعن بها سمية، فركب عبدالله بن مسعود على صدره كالصخرة، فلما رآه أبو جهل قال: من.. روعي مكة، لقد ارتقيت مرتقى صعباً، فنزل من على صدره ووقف من بعيد، لأنه خاف منه وهو جريح، فهو عملاق صنديد، فوضع الحرب على منخره، مكان العزة، لأنه ما كان يريد أن يسجد لله، وعندما أمره الله بالسجود أخذ بعضاً من التراب على خشمنه، فدفع ابن مسعود بالحربة على منخره حتى خرجت من رأسه. فقال: الله أكبر، إنه فعل من؟ إنه فعل الله.. يُقتل بالحربة.

وهذا عقبة بن أبي معيط، الذي كان يدوس على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجيء به مربوطاً، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: دقوا عنقه، كما كان يدق عنق النبي برجله، فقام إليه أحد الصحابة فضرب عنقه، فتدحرج على الأرض، فقال عليه الصلاة والسلام: «كان يدوسني على عنقي وأنا ساجد حتى كادت عيناي تندران إلى الأرض من وجهي» (رواه البخاري في قصة سجوده صلى الله عليه وسلم عند الكعبة).

وأما النضر بن الحارث الذي كان يعارض القرآن بقصص إسكنديار، جيء به مربوطاً فدقت عنقه. وأما أُبي بن خلف الذي كان يهدد رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم فسقط، فأراد قومه أن ينقذوه، فقال: لا والله، إن هذه الطعنة لو كانت على جبال مكة لذابت وماعت، ثم هلك. وهذا عتبة، وهذا شيبة، ومصعب بن عمير، الذي قطع الكفار يديه وهو يحمل الراية، من بني عبدالدار، ماذا فعل الله بعشيرته التي سلبت أمواله، وحرمته ميراثه، وطردوه من بيته، وتركوه بثوب واحد حافي القدمين، أشعث الرأس، لا يجد الصحابة له كفناً يكفنونه به، أتدرون ما فعل الله ببني عبدالدار؟ قتل منهم في معركة واحدة أحد عشر شاباً، مقابل مصعب بن عمير. هذا فعل الله، هذا فعل الله.

أيها الأحبة الكرام..

الله جل جلاله في كتابه الكريم يبين أثر من يظلم، ومن يهتك، ومن يفعل مثل هذه الأمور، نهايته في الدنيا ونهايته في الآخرة. قال تعالى عنهم في مصارعهم في الآخرة: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا {67} رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) (الأحزاب).

وقال عنهم وهم يتبرؤون هتافة التهريج، الذين يطبلون ويزمرون، ويتهمون ويرجفون، اسمعوا ماذا يقول الله عن مصارعهم يوم القيامة: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ {166} وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة).

أين القصور؟ أين الآبار؟ صدق الله: (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مُّشِيدٍ) (الحج: 45)، فلا البئر يُشرب منها، ولا يُنتج منها، ولا القصر يسكن فيه أهله، إنها مصارع الظالمين.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الصادق الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين. أيها الأحبة الكرام.. وحاول المنافقون في المدينة أن يخلطوا بين الحق والباطل، فإذا رأوا صاحب الباطل يدافعون عنه، وفيهم الفصحاء وفيهم البلغاء، ماذا قال الله عن دفاعهم عن الظالم، واتهامهم المؤمنين وأذاهم لله ورسوله، وللمؤمنين، اسمع: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) (النساء: 109).

تزوير المحاضر، وتزوير الأقوال؛ القول الأول لا القول الثاني، لكن الله لا يبدل القول لديه؛ (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) (ق: 29).

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً) (الأحزاب: 57)؛ لماذا (مُّهِينًا)، ولم يقل «أليماً» أو «عظيماً»؟ لأنهم يتعمدون إهانة الدعاة والدعوة، فهو عذاب مهين، إهانة مقابل إهانة؛ (وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً {57} وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) (الأحزاب).

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ) (الأحزاب: 59)، لماذا هذا العُري؟ لماذا تتجرأ البنات على الآباء بلا توقير؟ لماذا لا يوجد احترام للمدرسة أو المدرسة؟ لماذا تتجرأ الكاسيات العاريات المميلات المائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها.. لماذا هذه الجرأة على الله ورسوله؟ بسبب صنف المنافقين، التي تذكرها هذه الآية، الذين يشجعون ويطبلون ويزمرون؛ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: 59).

 

يوم تبدل الأرض وبروز الجبار

فيا أيها الأحباب الكرام..

هذه مصارع الظالمين، وهذه مساكنهم، وهذه نهاياتهم في الدنيا، وهذا مآلهم في الأخرى. الله.. الله، أيها الأحبة، من الوقوع في أدنى الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة! الله.. الله، فإن الله سبحانه إذا رأى عبداً من عبيده مظلوماً مبهوتاً مكذوباً عليه، مفترى عليه، لا يعطونه فرصة لكي يدافع عن نفسه، فإن الله هو الذي يدفع؛ (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (الحج: 38).

أيها الأحبة الكرام..

نعوذ بالله من الظلم، ونعوذ بالله من الافتراء، ونعوذ بالله من الاضطهاد، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل خير أيامنا يوم لقائه، وخير أعمالنا خواتيمها. اللهم من أرادنا وبدعوتنا وأمتنا وصحوتنا وشبابنا وبناتنا سوءاً فأشغله بنفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدبيره تدميره، انصرنا كما نصرت محمداً وأصحابه صلى الله عليه وسلم؛ (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (القمر: 45)، (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ) (الدخان: 16)، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (الشعراء: 227)، (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً {51} يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء: 51-52)، (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ {42}‏ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء {43} وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ {44} وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ {45} وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ {46} فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ {47} يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (إبراهيم).

 

الخاتمة والدعاء:

فحضِّروا الجواب أيها الظالمون عند الله الواحد القهار للسؤال: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) (الصافات: 24)، قال صلى الله عليه وسلم: «لو بغى جبل على جبل لدك الله الجبل الباغي» (أخرجه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني)، وقال عليه الصلاة والسلام: «يؤتى بالعنز القرناء والجلحاء فيوضع لها قرون فتنطحها» (رواه مسلم)؛ تمام عدل الله، ولا إله غيره؛ (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران: 18).

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا (رواه الترمذي).

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تحميل