الخميس 04-يونيو-2026 - 18 ذو الحجة ، 1447

نعمة الربيع

75
2026-06-04


التعريف بالخطبة

يتحدث الشيخ أحمد القطان رحمه الله عن "الربيع" كآية للبعث لا مجرد نزهة عابرة، محذراً من تحويل مواسم النزهات إلى مواسم للمعاصي وضياع الصلاة والاختلاط المحرم، داعياً لاغتنام "ربيع العمر" و"ربيع القلوب" قبل أن يأتي شتاء القبر والحساب.

 

عناصر الخطبة

  • هل الربيع غاية للهو أم وسيلة للإيمان؟
  • حين تضيع الصلاة وتُهتك الأستار في الخيام.
  • ذئاب بشرية وضحايا الإهمال الأسري.
  • بين نيران المدفأة ولصوص البيوت.
  • سرقة الوقت العام والشعوذة باسم الترفيه.
  • صرخة في وجه التبرج
  • أجهزة الدمار الأخلاقي في خيام البر.
  • أمطار بلا بركة وأعمار تضيع
  • ربيع العمر يذبل سريعاً
  • الربيع الحقيقي الذي لا يزول.
  • بين ربيع الدنيا الفاني وربيع الجنة الخالد.

 

المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله حيث أمرنا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].

اللهم إنا نستعين بك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق. اللهم أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم. اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين.

هل الربيع غاية للهو أم وسيلة للإيمان؟

عباد الله: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: 5]. لماذا يا رب؟ ما الحكمة في ذلك؟ ما الحكمة في توجيه أنظارنا إلىالربيع ونباته؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: 6-7].
إن الربيع وسيلة وليس غاية؛ وسيلة إلى الإيمان بالله، إلى الإيمان بالبعث، إلى الإيمان بالنشور. قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: 50].

وكما أن الربيع رحمة فهو متاع يستمتع به الإنسان والحيوان، قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 24-32].

حين تضيع الصلاة وتُهتك الأستار في الخيام!

ولكن بعض الناس مع الأسف الشديد جعل الربيع غاية لا وسيلة، ويوم أن تختلط الوسائل بالغايات تكون المعاصي والذنوب. نعم أيها الإخوة، اتخذ الربيع غاية للملاهي والأنس والذنوب واللهو عن طاعة الله، فكان بعض الناس أول ما ضيع في الربيع والمخيمات فريضة الصلاة؛ فريضة الصلاة التي وجهنا الإسلام إليها، الصلاة! يدخلون وقتاً عن صلاة الجمعة بحجة أنهم في البر، ويتكاسلون عن الطهارة والوضوء والاغتسال بحجة البر! والله جل ثناؤه ما أنعم علينا هذه النعمة لنعصيه، هو الذي: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 10-11].

نعم أيها الإخوة، فنصيحتي إلى إخوتي وأخواتي هناك في مخيمات البر والربيع أن لا يفرطوا في الصلاة، فالصلاة فريضة. يوم أن وعد الله الذين يحافظون على صلاتهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 9-11].

كما أنني أذكر بعض الناس الذين هتكوا الحجاب واختلطوا، يختلطون على الطعام؛ يأتي النساء أمام الرجال الأجانب بلباس النوم، ويجلسون على مائدة واحدة يتمازحون ويتضاحكون، إن هذا لا يرضي الله بحجة أننا عائلة واحدة! لا والله، إن ابن العم غريب، وابن الخال أجنبي، وأخ الزوج هو الحمو، و«الحمو الموت» [متفق عليه]؛ هكذا فسره الرسول صلى الله عليه وسلم. ورب زوج زوجته ليس عندها قسط من الجمال، فينظر إلى الجميل في مجلس الطعام أو الأنس، فيزهد في زوجته فيطلقها أو يتزوج عليها أو يهجرها أو يذهب إلى الفساد، والسبب ذلك الاختلاط الذي نهى عنه الإسلام بحجة البر والأنس في البر.

ذئاب بشرية وضحايا الإهمال الأسري

وبعض الناس يهملون أولادهم، يهملونهم لا يعرفونأصحابهم لا يدارونهم. وإن مروج المخدرات الآن قام سوقهم ونصبت أعلامهم في البر، فهم يبيعون المخدرات والحشيش على الأطفال الكبار والصغار، نعم أيها الإخوة، ومروج الخمور أيضاً.

ولا ننسى تلك القصة التي نشرتها الجريدة يوم الأربعاء الماضي لفتاة صغيرة في الثالثة عشر من عمرها، سنها القاصر، آذتها امرأة أبيها وشددت عليها في الإيذاء، ففرت من دارها، فرت في الليل ووقفت على قارعة الطريق، وحملها أحد الذئاب من ذئاب البشر، وذهب بها هناك في البر وأحضر أصحابه؛ ثلاثة عشر ذئباً يتعاورون عليها أياماً معدودات، ثم يلقونها هكذا مهتوكة العرض مسلوبة الشرف! السبب في ذلك هو إهمال الآباء.
أنت يوم أن تزوجت على امرأتك أما علمت أن الإسلام طالبك بالعدل؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يخبر: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» [رواه أبو داود والترمذي والنسائي]. أي نصفه مائل. لماذا تترك الزوجة الأولى في البيت مع الأولاد مهمومة محزونة، وتذهب مع الجديدة في الصحراء في الخيام، لها السيارات الفاخرة ولها الأنس والمال؟ هذا لا يجوز، الضحية هم الأولاد والبنات.

بين نيران المدفأة ولصوص البيوت

نعم وإنني أذكر بعض الناس، أذكرهم أمام ضحايا البر في حوادث السيارات والدراجات النارية، وما أدراك ما الدراجات النارية! لقد صليت بنفسي صلاة الجنازة على شاب في ربيع عمره لم يبلغ العشرين عاماً، انقلبت به دراجته النارية ذات الثلاث عجلات فدُك رأسه في الأرض فمات، وبكى أبوه وحزنت أمه، ويا لها من فرحة أعقبتها ترحة، والسبب هو العواطف التي لا تُحكم، التي ليس لها ضابط ولا ميزان. نعم، لو يعلم الأب مصير ابنه ما اشترى له، ولكنه الدلال والدلع والرفاه والترف هو الذي ضيع أولادنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهناك بعض الإهمال يحدث؛ إن الصيانة في البر بالنسبة للكهرباء وغيرها دائماً تكون ارتجالية، والأطفال هناك عند مكائن الكهرباء والمولدات يلعبون، وكم من الأطفال صعقوا! وكم من الأطفال ماتوا!
كذلك اشتداد البرد، تدخل الأم غولاً في الخيمة اسمه "المدفأة"، وتظن أنها ترحم أبنائها بهذه المدفأة، وهي لا تعلم أنها تولد الاختناق وتسلب الأكسجين وتسبب الحرائق. واقرؤوا الصحف كل يوم في الحرائق التي تنشر في الخيام، وأول ضحاياها الأطفال الرضع الذين لا يملكون الفرار ولا الهروب، ويجدونهم مشويين محروقين داخل الخيام.

أما عن السرقات وما أدراك ما السرقات! ترك الناس بيوتهم وذهبوا في البر، وجاء اللصوص في موسمهم يقتحمون البيوت بيتاً بيتاً. عليك أن تغلق الباب وتوصده وتشدد الحراسة ما استطعت، فإن الدنيا دنيا شر إلا من رحم الله.
أيها الإخوة، هذه بعض الوصايا أنبه عليها فانتبهوا بارك الله فيكم.

سرقة الوقت العام والشعوذة باسم الترفيه

ثم مع الأسف الشديد، كما أن اللصوص يسرقون من البيوت، هناك بعض الموظفين يسرقون من الدوام والعمل بحجة الذهاب إلى البر مبكراً! يخرج قبل نهاية الدوام بساعة أو ساعتين، أو يسخر صغار الموظفين من أجل مخيمه؛ فهذا يحضر له الطعام وذاك يحضر له السيارة وذاك يحمل له الأدوات. بأي حق؟
عمر بن الخطاب أصدر قانوناً نهى أن يجمع الإنسان بين عمله الخاص وعمل المسلمين العام، ونهى أن يستخدم حاجة العام لحاجته الخاصة. ورحم الله عمر بن عبد العزيز يوم أن احتاج أن يغتسل في الشتاء البارد، وقام خادمه ودفأ ماءه على ماء المسلمين وعلى تنور المسلمين، قال له: لا يحل لي أن أغتسل به حتى أن أدفع قيمته. نعم أيها الإخوة هكذا كانوا. وكما أن اللصوص يسرقون من البيوت، هناك لصوص من جنس ثاني يقول عنهم الحديث: «إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» [متفق عليه].

ثم ماذا أيها الإخوة في نصائح أهل البر ومخيمات البر؟ الإسراف! الإسراف في الطعام، الإسراف في الولائم. تجد الأطعمة وهي نعمة مرماة هنا وهناك تداس بالأقدام، وحولنا من الناس من يموت جوعاً في لبنان وفلسطين وفي أفغانستان وفي كثير من بلاد المسلمين، هناك في الهند حيث يذبح المسلمون في آسام آلاف يذبحون كل يوم، وهناك في أفريقيا يموتون من الجوع. إن هذه الأموال التي نبذرها على أفانين الطعام والشراب والملاذ كان أولى بنا أن نقتطع منها جزءاً لإخواننا في الدين وإخواننا في العقيدة ليرضى الله عنا وليبارك في ربيعنا وأيامنا وأولادنا وأموالنا.

نعم أيها الإخوة، ثم في هذا الموسم موسم الربيع تنتشر الخرافة، خرافة عجيبة! تجد كثير من الجاهلات الأميات ممن يدعين قراءة الفنجان أو الفأل أو قراءة الكف يتسكعن بين المخيمات. والذي يستمع إليهن -وذلك أعجب- المثقفات المتعلمات القارئات الدارسات! تجلس امرأة مشعوذة عامية تلقي لها ودعاً وحجراً ثم تدعي علم الغيب. أتعلمون ما هذا الادعاء؟ إنها تدعي أنها إلهاً من دون الله، لأن الذي لا يعلم الغيب إلا الله. ثم إن بفعلها هذا تحتقر جميع العقول المثقفة التي أمامها؛ كيف أنتِ وقد تخرجتِ من الجامعة تستمعين إلى هذه الجاهلة وتصدقينها بما تقول؟ إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» [رواه أحمد والحاكم]، ولا تقبل منه الصلاة حتى يتوب.

صرخة في وجه التبرج

نعم أيها الإخوة، الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر بذلك في حديثه. ثم ما يحدث من رقص في حفلات الغناء، وهذا أمر حرمه الشرع، أن يقف البنات يلفحن برؤوسهن أمام الأجانب. وإن كان لابد ففي مجمع من النساء لا يدخله رجل واحد أبداً، هذا لا يحل يا إخوان، هذا لا يجوز. إن الذين يشاهدونني الآن لا يغضبون، إن الحلال واسع وإن الحرام ضيق، ولابد أن ندور حيث يدور الإسلام، وأن نقول كما علمنا الله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]، أم تريدوننا أن نكون كما يقول اليهود سمعنا وعصينا؟ لا والله لا نقول ذلك. إذا أردنا النعمة فالنعمة بالشكر تدوم، نعم أيها الإخوة إنها بالشكر تدوم، إذا كنت في نعمة فارعها، فإن المعاصي تزيل النعم.. تزيل النعم.

ثم أوصي أخواتي المحجبات، وقد شاهدت مناظر مؤلمة. إن المحجبة شعارها الحياء، شعارها العفة، شعارها الستر، واسمها "محجبة"، فلا أدري ما معنى أن تضع الألوان على وجهها وعلى شفاهها، وتفوح منها رائحة العطر تنادي.. تنادي من بعيد: "يا مريد الفاحشة أقبل"؛ هذا لسان حالها. هناك بعض المحجبات قدوة سيئة مع الأسف الشديد، ولكن نحمد الله أنهم قلة وليسوا كثرة. ما معنى هذه الوردة التي تشدينها على الحجاب؟ ما معنى هذا الحزام الذي يشد على الخصر فيبين مفاتن الجسم؟ ما معنى هذا الكعب العالي؟ ألا ينطبق هذا الوصف على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «كاسيات عاريات مائلات مميلات» [رواه مسلم]. أنت مائلة بلباسك، مميلة لغيرك، كاسية اسمك محجبة، عارية لأن الثياب تصف جسمك كله. وصيتي إلى أخواتي الستر والعفاف، وإن الدعوة بالقدوة لأبلغ من الدعوة بالكلام، اتبعن أيها الأخوات من يعلمكن بأفعالهن لا بأقوالهن.

أجهزة الدمار الأخلاقي في خيام البر

ثم أقول للآباء والأمهات: احذروا الفيديو، احذروا الفيديو، هذا الجهاز الرهيب. إن الشباب الآن تأتيهم الهدايا من أمريكا وألمانيا وأوروبا أفلام الجنس الخليع، ويشغلون مكائن الكهرباء في البر أو في البيوت، وتجتمع الفتيات المراهقات قبل الزواج والشباب يشاهدن العلاقات الجنسية الداعرة بين حيوان وحيوان وذكر وأنثي -لا أقول رجلاً وامرأة- ماذا ترجو من فتاة في المراهقة قبل أن تتزوج ترى الممارسات الخاطئة؟ كيف تكون أماً؟ كيف تكون مدرسة للأجيال؟ كيف تربي الناشئة؟ السبب ذلك هو إهمال الآباء والأمهات إذ أحضروا الفيديو ولم يراقبوه.

ثم أقول لهم أيضاً انتبهوا من تعاطي القماروالميسر إذ ينتشر هناك بين الأولاد فيتربوا على الحرام وأنتم لا تعلمون. كذلك حافظوا على هذه النعمة التي نحن فيها بالشكر أولاً، ثم بالنظافة دائماً، فديننا دين النظافة، والله نظيف يحب النظافة، وأول النظافة نظافة القلوب والأخلاق، عند ذلك تنعكس على بيئتنا فينظف فينا كل شيء، أو ينطبق علينا قوله سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41].

أمطار بلا بركة وأعمار تضيع!

نعم أيها الإخوة، ليعلم الجميع أن ربيعنا نعمة لا نريده أن يكون نقمة. ثم عباد الله، لكل شيء ربيع، كما أن للفصول ربيع فإن لكل شيء ربيع.
فربيع المال زكاته، ولهذا سميت الصدقة زكاة لأن المال يزكو وينمو فيها، فأصحاب الأموال الذين يكنزون عليهم أن يزكوا فإن الزكاة ربيع الأموال.

كذلك الحكم، فإن ربيع الحكم العدل وإقامة الحدود، وابن عباس يقول: "لأن يقام حد في سبيل الله من حدود الله خير من أن يمطر الناس ستين عاماً". الأمطار تنزل منذ سنين، ولكن أين البركة؟ أين البركة؟ نزعت البركة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا قيمة ربيع العمر أيضاً، فالعمر له ربيع، فيقول صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» [رواه الحاكم وصححه الألباني]. ويقول: «بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر» [رواه الترمذي وحسنه الألباني].

ربيع العمر يذبل سريعاً!

نعم أيها الإخوة، بادروا. وهذا الإمام الحسن البصري رحمة الله عليه يقول: "يا ابن آدم، لا تزال في هدم عمرك من يوم أن ولدتك أمك، إنما أنت أيام، كلما ذهب يومك ذهب بعضك، وفجر كل يوم جديد ينادي فيقول: أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة".
لكل شيء ربيع، وربيع المؤمن يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «الشتاء ربيع المؤمن، طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه» [رواه أحمد].

وكذلك القلب له ربيع.. القلب له ربيع، وربيعه القرآن، وربيعه ذكر الله. نعم أيها الإخوة، والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ربه قائلاً: «اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء حزننا، وذهاب همنا وغمنا» [رواه أحمد وصححه الألباني]. اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار واجعله حجة لنا يا رب العالمين.

نعم أيها الإخوة، إن ربيع الإنسان في عمره سريع يمر. وإني أنتقل بكم إلى إنسان أهدر عمره بين الكأس والمجون، شاعر الأندلس ابن شهيد الأندلسي، أمضى ثمانين عاماً من عمره في اللهو والسهو، حتى إذا أدركه الموت ماذا قال؟ قال: يا حسرة على ما فات من عمري، اكتبوا على قبري هذه الأبيات لعل إنسان يمر فيعتبر، وادفنوني بجوار نديمي الذي كنت معه. ووجه الخطاب إلى نديمه يقول:
يا صاحبي قم فقد أطلنا ... أنحن طول المدى هجود
فقال لي لن نقوم منها ... ما دام من فوقنا الصعيد
تذكر كم ليلة لهونا ... في ظلها والزمان عيد
وكم سرور همى علينا ... سحابة ثرة تجود
كل كأن لم يكن تقضى ... وشؤمه حاضر عتيد
حصله كاتب حفيظ ... وضمه صادق شهيد
يا ويلنا إن تنكبتنا ... رحمة من بطشه شديد
يا رب عفواً وأنت مولى ... قصر في أمرك العبيد

نعم أيها الإخوة هذه نهاية من لها وسها. نعم، وقالها من قبله الحسن بن هانئ الذي أمضى نفسه وحياته وعمره بين الكأس والغانية، ماذا قال؟ قال في اللحظات الأخيرة:
اصبر لمر حوادث الدهر ... فلتحمدن مغبة الصبر
وامهد لنفسك قبل ميتتها ... وادخر ليوم تفاضل الذكر
فكأن أهلك قد دعوك فلم ... تسمع وأنت محشرج الصدر
وكأنهم قد قلبوك على ... ظهر السرير وظلمة القبر
أو ليت شعري كيف أنت على ... ظهر السرير وأنت لا تدري
أو ليت شعري كيف أنت إذا ... غسلت بالكافور والسدر
أو ليت شعري كيف أنت إذا ... وضع الحساب صبيحة الحشر
يا حسرتي فيما صنعت ويا ... ندمي على ما فات من عمري
ومات وانتهى.. وماذا بقي له؟ بقيت له الحسرة والندامة والألم.

نعم أيها الإخوة، الله جل ثناؤه ماذا يقول عن حياتهم تلك؟ قال: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: 112-116].

نعم أيها الإخوة، لحظات الأنس قصيرة وعمر الشهوة قصير، ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة! غير ساعة.. العمر الطويل ساعة، كما يقول قائلهم:
في ليال كتمت سر الهوى ... في الدجى إلا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها وهوى ... مستقيم السير سعد الأثر
وطر ما فيه من عيب سوى ... أنه مر كلمح البصر
وبين مروره كلمح البصر استمع ماذا يقول: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 56-59].
بين قوله هذا وقوله ذاك، إنها لحظات تمر.

نعم أيها الإخوة، كما يقول شاعرهم:
جادك الغيث وإذا الغيث همى ... يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلماً ... في الكرى أو خلسة المختلس
وبين أن يقول قائلهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: 106-111].

نعم أيها الإخوة، ألا إنه ذلك هو الفوز المبين، وكما يقول سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: 205-207]. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون!
فالفرصة أمامنا من جديد، يا نفس توبي قبل ألا تستطيعي أن تتوبي، واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب، إن المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب، والموت شرع واحد والناس مختلفو الدروب، والله ينادينا في كتابه قائلاً: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
أقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الربيع الحقيقي الذي لا يزول

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
عباد الله:

إن لكل أمر ربيع، فلهذا كان صلى الله عليه وسلم من وصاياه قال: أوصني يا رسول الله، قال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله» [رواه الترمذي وابن ماجه]. ربيع اللسان أن يكون رطباً غضاً طرياً بذكر الله رب العالمين.
والناس في فصل الربيع يستمتعون.. يستمتعون بهوائه العليل وأزهاره وأطياره وأشجاره وثماره، إن هذا الربيع شيء عجيب، يضحك الأرض من بكاء السماء، ذهب حيثما ذهبنا ودر حيث درنا وفضة في الفضاء. الربيع يقول عنه الشاعر:
فالربيع اهتز والبدر بدا ... والكثيب اخضر والسوسن فاح
والثريا رجح الجو بها ... كابن ماء ضم للوكر جناح
وكأن الغرب فيها ناشط ... باقة من ياسمين أو أقاح
وكأن الصبح ذا الأنوار من ... ظلم الليل على الظلماء صاح
في حديق غرس الغيث به ... عبق الأرواح موشي البطاح
فكأن الترب مسك أذفر ... وكأن الظل كافور رباح
وكأن الروض رشت زهره ... بمياه الورد أفواه الرياح

وصف الربيع وصف جميل، ولكن أيدوم؟ اسمعوا ماذا يقول الله عن ربيع الدنيا الذي يتغنى به الشعراء: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24].
ربيع الدنيا لا يدوم، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 45-46].

بين ربيع الدنيا الفاني وربيع الجنة الخالد

نعم أيها الإخوة، هذه هي الدنيا وربيعها:
عش ما بدا لك سالماً ... في ظل شاهقة القصور
يُسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور
فإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ... ما كنت إلا في غرور

أما ربيع الجنة لا يحول ولا يزول، فحيهلا على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم، منازلك الأولى وفيها المخيم.
من يرد ملك الجنان فليدع عنه التواني، وليقم في ظلم الليل إلى نور القران، وليقم في ظلم الليل إلى نور القران، وليصل صوماً بصوم إن هذا العيش فاني، إنما العيش جوار الله في دار الأمان.

نعم أيها الإخوة، نداء: يا مدمن الخمر حرمت نفسك! يا مدمن الخمر حرمت نفسك! ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: 15]. يا مدمن الخمر حرمت نفسك ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 25-28].
ويا مدمن الزنا حرمت نفسك، ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: 22-24]. حرمت نفسك، ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 35-38]. حرمت نفسك، ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 56-58]. حرمت نفسك، ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: 70]، ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: 72]، ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 58].
ألا إن ذلك هو الحرمان المبين. نعم أيها الإخوة، يزول ربيع الدنيا ويبقى ربيع الجنة لا يبغون عنها حولاً.

أما آن يا صاح أن تستفيق ... وأن تتنادى الهوى والعشيق
وقد ضحك الشيب فاحزن له ... وصار مساؤك فيه شروق
ألا فانصح النفس عن غيها ... عساك تجوز الصراط الدقيق
ودون الصراط لنا موقف ... به يتناسى الصديق الصديق
فتبصر ما شئت كفاً تعد ... وعيناً تسح وقلباً خفوقاً
إذا أطبقت فوقهم -أي جهنم والعياذ بالله-
إذا أطبقت فوقهم لم تكن ... لتسمع إلا البكى والشهيق
شرابهم المهل في قعرها ... يقطع أوصالهم والعروق
أذلك خير أم القاصرات ... تخال مباسمهن شروقاً
قُصرن على حب أزواجهن ... فمشتاقة تتلقى مشوقاً
وترفلن في سابغات الحرير ... فتبصر عيناك مرأى أنيقاً
وأكوابهم ذهب أحمر ... يطاف بها مترعات رحيقاً
إذا جرت الريح فوق الكثيب ... أثارت على القوم مسكاً سحيقاً
كلوا واشربوا.. كلوا واشربوا
فلقد طالما أقمتم بدار الغرور الحقوقا

فمن أقام الحقوق في دار الغرور أنجاه الله. فاز عبد بكى ذنبه، فاز عبد بكى ذنبه، فاز عبد ذكر ربه، فاز عبد أدى فرضه، فاز عبد صان عرضه، فاز عبد زكى ماله، فاز عبد حفظ عياله، فاز عبد ذكر الله، فاز عبد ذكر الله.

أيها الإخوة، الفرصة أمامنا من جديد، وهذان طريقان شقي وسعيد، فليختر كل واحد منا مع أي فريق يكون؟ إما ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، أو هناك ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: 42-45]. والمترف لا يتحمل أدنى الأذى فكيف بنار الجحيم؟

اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا مؤمناً إلا ثبته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً سترته وأصلحته، ولا مسافراً إلا حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته، ولا حاجةً من حوائج الدنيا والآخرة لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا بقضائها يا أرحم الراحمين.
اللهم ثقل ميزاننا، وحقق إيماننا، وفك رهاننا، واخسأ شيطاننا، واجعلنا في الفردوس الأعلى.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

 

 

تحميل