الأحد 01-نوفمبر-2026 - 21 جمادى الأول ، 1448
الحرب في لبنان
التعريف بالخطبة:
خطبة مؤثرة للشيخ رحمه الله جاءت
في سياق العدوان الصهيوني الوحشي على لبنان، حيث تناول فيها
الشيخ ما يتعرض له المسلمون من قتل وتشريد وانتهاك للأعراض، مسلطًا الضوء على
تقصير الأنظمة العربية وصمود المقاومين، وداعيًا الأمة إلى نصرة المظلومين
والاعتصام بالله والثقة بوعده. الخطبة مليئة بالصور الإنسانية المؤلمة، والمشاهد
التي تهز القلوب، والدعاء الخاشع الذي يعبر عن عمق المأساة وصدق الانتماء للأمة.
عناصر الخطبة:
تصوير معاناة الأطفال والنساء والأمة المستضعفة
وصف المجازر والجرائم في لبنان وفلسطين
الدعاء للمستضعفين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد
صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة
في النار.
عباد الله..
أوصيكم ونفسي بتقوى الله حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (النساء: 1)، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)(الطلاق: 2).
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا
وهواننا على الناس يا أرحم الراحمين، أنت ربنا وأنت رب العالمين، إلى من تكلنا إلى
من تكلنا، إلى قريب ملكته أمرنا أو إلى بعيد يتجهمنا، لك العتبي حتى ترضى، لك العتبي
حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
رحماك رحماك.. رحماك ربنا بالأطفال اليتامى
والنساء الثكالى والشباب الحيارى.
رحماك رحماك ربنا بعجائز ركع وبشيوخ خشع.
رحماك رحماك ربنا بأمة محمد صلى الله عليه وسلم
التي أصبحت كالقطيع التائه تنهشه الذئاب في الليل والنهار، رخصت دماؤهم، نهبت
أموالهم، هتكت أعراضهم.
رحماك رحماك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك إلا إليك.
تصوير معاناة الأطفال والنساء والأمة المستضعفة
أيها الإخوة المسلمون:
ماذا عساي أن أقول وقد جئتكم حائراً كما أنكم
تحتارون كأي مواطن عربي وكأي مسلم مظلوم مكلوم ركبته الهموم لا يدري ماذا يقول في
زمان أصبح الحليم فيه حيران!
ماذا عساي أن أقول جئتكم بلا تحضير أأذكر عن
مناكر صغيرة؟
أو ألفت الأنظار إلى أخطاء جانبية؟
أعظ كما يعظ الوعاظ ممن وظّفوا دينهم للسلاطين
فأساهم في تخدير الشعوب وأضلل الأمم؟
لا، لو وقفت صامتاً لا أفعل ذلك، ماذا عساي أن أقول؟
ونحن لا نزال نتلمس جراحنا الدامية في مجزرة حماة الدامية، والجرح بعد ينزف وإذا
بجرح أعمق وأوسع ينفتح في القلب المسلم جروح تلو جروح ماذا نفعل؟ ماذا نصنع؟
أنبكي كما تبكي النساء؟ إذا بكت النساء أحسسن بالراحة، أما نحن ماذا نفعل؟
نرى الأعراض تنتهك! نرى المسلمين يُذبحون! واليهود
يعيثون في الأرض فساداً!
نلتفت إلى القادة وإذا بأحدهم يصرح: يا أيها
الفلسطينيون، انتحروا انتحروا إذا أردتم لقضيتكم البقاء، إنه يريد أن يوفر على
اليهود طلقة، إنه حريص حتى على سلاح اليهود، إنه يود أن يدخل كل مقاتل صامد الآن أن
يدخل النار خالداً، لهذا لما نهق ونطق قال: انتحروا لتبقى القضية!
الحرب في لبنان وما أدراك ما لبنان، ابتداء من الجنوب وقرى الجنوب وصيدا وصور والدامور وبرج البراجمة بيروت الشرقية والغربية القرى المسلمة المستضعفة، والجيوش ترتع وتأكل كما تأكل الأنعام، والأسلحة لا تزال تدفع لها الأرصدة وترصد لها الميزانيات، والله يقول: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً) (النساء: 75)، ولا مجيب!
الأخ القائد المجاهد الأكبر هكذا ينادونه أبا
رقيبة، نادى لمؤتمر فكان كنعيق البوم فتفرقوا شذر مدر.. أتدرون ما يدور في لبنان
بالأمس واليوم وغداً؟
هل رأيتم الأسرى وهم يشدون حفاة عراة ويسجنون في
الباصات؟
وتدور حولها الأمهات تنادي كل أم باسم ولدها لعله يناديها من خلف الزجاج والستار: يا خليل، يا باسل، يا محمود، يا أحمد.. تتعالى نداءات الأمهات الحيارى بقلوب محزونة، ودموع متحدرة، وقد يكون ابنها هناك في هذه الشاحنة، لكنه لا يملك أن يرد عليها؛ لأنه معصوب العين مربوط اليدين، ثم تنطلق الشاحنة وينطلق الباص وتخر الأم على الأرض بعد التعب والإعياء وتنسى في هذه اللحظات كل شيء.
تنسى السلاطين والملوك والأمراء ولا تذكر إلا
الله فتقول: منكم لله.. الله ينتقم منكم.
ما قالت رئيساً ولا زعيماً ولا أميراً ولا ملكاً، وإنما تتذكر الأم في هذه اللحظات وقلبها بين أيدي اليهود مقطوع لا تذكر إلا الله!
وصف المجازر والجرائم في لبنان وفلسطين
عشرة آلاف أسير، شباب في مقتبل العمر يحشرون، حولهم أسلاك شائكة، خلف جدران صامدة، في سراديب الأرض هناك في فلسطين، وتغطيهم أسلاك شائكة وأبراج ومصابيح تسلط الليل والنهار لتكشف نسمات الفم والأنف، لو سألت أحدهم لو قلت له: ماذا تتمنى وأنت في معتقلك؟
لقال: مكِّني من حاكم عربي لترَ ماذا أصنع به،
إنها أسمى أمانيهم الآن!
لبنان وما أدراك ما لبنان، أرأيتم كيف تقع القنابل
المحرقة خلف الدار وتشتعل النار فيفر الصغار؟! يتجارون إلى الطرقات، وإذا بقذيفة تسقط
أمامهم تتطاير أشلاء بعضهم ويتفرق الباقي إلى غير اتجاه، ثم بعد ذلك يعودون
ويجتمعون ويتجهون إلى دارهم من جديد؛ فيرونها قد تهدمت وأكلتها النيران، فيجتمعون
حول بعضهم لا يملكون إلا أن يغطوا أعينهم بأيديهم، ولعل معهم صغيراً عمره ثلاث
سنوات خرج بملابسه الداخلية الصغيرة، وهو يفرج إصبعيه لينظر إلى بيته يحترق ويتذكر
في هذه اللحظة بعقله الصغير لعبته التي تحترق هناك في غرفته، ثم يلتفت أكبرهم فيرى
أناساً من أناس مشردين يسيرون إلى غير اتجاه، فيمسك باقي إخوته ويذهب هكذا حفاة
جياعاً عراة خائفين حائرين، الأب والأم هناك تحت الأنقاض.
اتصل بي بالأمس أحد القائمين على مآوي الأيتام في الأردن وقد جمعنا له يوماً هنا صدقات.
يقول: يا شيخ، ماذا أقول لك وما رأت عيني تأتينا
إلى الأردن شاحنات ولوريات مشحونة بالأطفال كفراخ الدجاج بالآلاف يدوس بعضهم بعضاً، منهم الحي ومنهم الميت، ومنهم المتعفن لا ندري أين نذهب بهم!
لبنان وما أدراك ما لبنان، اختلطت الأوراق في أيدي القادة لما صمد المقاتلون وظنوها أنها ساعات، إن لم تكن ساعات فأيام، ثم يتم
الاستسلام ثم يجرون إلى أي بقعة في سورية في الأردن، ويبدأ التنظيم من جديد والعمل
من جديد لكي يعطوا اليهود الغماز الأخضر في المستقبل والمبرر؛ لأنه لا يكون تنظيم
ولا إشراف ولا تدريب ولا معسكر إلا تحت إشراف طاغوت من طواغيت العرب!
يضعهم في حلة ويمسك الغطاء في يده يخنقهم متى شاء، ولكنهم رأوا غير ذلك، رأوا صموداً عجيباً!
يتقاسمون الخبزة.. يتقاسمون جرعة الماء..
يتقاسمون السلاح.. يتقاسمون الجراح.. فاختلطت الأوراق بأيدي الخونة والعملاء
واحتاروا ماذا يفعلون!
الشتاء قادم والحرب طالت، وتدخل المجرم ريغان ينادي نظام سورية: أفسحي في أرضك أفسحي لهم أرضاً سأتدخل بقواتي لأفك الحصار وأنقلهم هناك لكي تأتي مجزرة سادسة وسابعة وثامنة وعاشرة.. وهكذا أمة محمد كالأيتام على موائد اللئام لا ينصرهم أحد ولا يقف معهم أحد.
لبنان وما أدراك ما لبنان! أسمعتم صراخ عذراء في
خربة وقد انكب عليها يهودي يهتك عرضها ويمزق جسدها، وهي تتعفر على الصخور
والتراب لا يحميها أحد، أبوها قتلوه، أخوها أسروه، أمها مشردة مشردة أين؟ حتى مخيمات
اللاجئين ما بقيت!
اللاجئون الذين لا يملكون هوية أو وثيقة أو إقامة
أو تابعية أو حتى جوازاً ولا بطاقة إلا بطاقة لجان غوث اللاجئين، ولا غوث حتى مخيمات
اللاجئين ما بقيت من يجيرها، من يجيرها؟ ودماء عفتها تسيل على الأرض على يد يهودي!
إن هذه الخطايا في رقاب هؤلاء الطواغيت، وسيأتون يوم القيامة مكبلين بالأغلال أذلاء كهيئة الذر تطؤهم الخلائق بأقدامهم!
أسمعتم دعوة حملت على جناح الظلماء تعبر أجواء
الفضاء تخترق السماء إلى الله.. والله يجيبها وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
إنها هناك الآن سهام الليل تنطلق من قلوب محروقة
وعيون دامعة وأمهات يبحثن ذات اليمين وذات الشمال فلا يجدن شيئاً، رأيت بعيني في بعض
الأفلام التي عرضت في الإعلام العميل، الإعلام الذي يغطي الكرة وأنفاس اللاعبين ولا
يستطيع أن يغطي مذابح إخواننا وأخواتنا على أرض لبنان، وإنما يستقي بعض أفلامه من
مصادر صهيونية ووكالات أنباء صليبية.
رأيت بعيني أماً وضعت وليدها في صندوق تفاح وهو
يبكي ويفحص برجليه ويديه، هي لا تملك الغذاء حتى يدر ثديها فترضعه، وليس معها حليب، ورأيت الذباب يدور عليه، فهو ينتظر دوره لكي يلتهم الجثة بعد أن تموت!
أسر على مد البصر تحت الأشجار، وصخور الأنقاض منهم
من علق خيشة، ومنهم من نزعت حجاب عفتها وجعلته ساتراً عن الناس لا تملك حتى غطاء!
هذا لبنان ونحن نفكر عند الطعام الإفطار والسحور
أصنعت الزوجة شوربة أم صنعت لحماً أم صنعت هريساً!
هذا لبنان لا يستوي من يده في النار ومن يده في الماء.
أيها الإخوة المسلمون..
قال تعالى: (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل عمران: 195).
أيها الإخوة المسلمون..
نسأل الله تبارك وتعالى أن يفرج عنهم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يسدد رميهم ويوحد شملهم ويصلح أمرهم ويغفر ذنبهم ويختم بالصالحات أعمالهم ويحقق بالطاعات آمالهم.
أيها الإخوة المسلمون..
لا ملجأ إلا إلى الله، لا نثق إلا بالله، والثقة بهذا الدين أعمق، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، الذي لا يحمد على مكروه سواه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ألقى بها ربي وأعرف بها دربي وأدخل بها قبري، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة.
القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول إلا ما يرضي
الرب: إنا لله وإنا إليه راجعون.
والعيد يقترب، وأطفال الناس يفرحون ويلعبون ويمرحون، وأطفال المسلمين هناك يجلس أحدهم في ليلة العيد ينتظر هديته وثوبه الجديد، فلطالما دخلت به أمه وحمله أبوه، وإذا بهذا العيد لا أب له ولا أُم له، إنما يحتويه الصليب الأحمر لكي يدنس فطرته وينصّره طال الزمان أو قصر.
العيد قادم، أي فرحة ستكون لهذه الأمة؟! أي جديد
سيلبسون، وأخواتنا عاريات وأبناؤنا مشردون؟! إنها قضيتي وقضيتكم.
الدعاء للمستضعفين
أيها الإخوة..
إن شعب لبنان وفلسطين والأفغان والفلبين هو شعبي
وشعبكم، إخواننا وإخوانكم، ونبرأ إلى الله من شركاء الجريمة طواغيت هذا الزمان.
اللهم إنا نبرأ إليك منهم ومن ظلمهم، اللهم إنا
نبرأ إليك منهم ومن ظلمهم، اللهم إنا ثقة بعلمك وثقة بحلمك وثقة بعدلك وثقة بحكمك، نجأر إليك، ونشكو إليك ظلم الطواغيت، اللهم عليك بيهود العرب، اللهم عليك بيهود العرب.
اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، أذلوا الأمة ودمروا
الشعوب.
اللهم إنا نشكو إليك، وبك نعتز، وقد اعتزوا علينا بفاسق كل محلة، اعتزوا علينا باليهود، اعتزوا علينا بالصليبيين، اعتزوا علينا بالشيوعيين، اعتزوا علينا بالعلمانيين، اعتزوا علينا بالبعثيين، اعتزوا علينا بالقوميين، اعتزوا علينا بالشياطين من الإنس والجن، ونحن نعتز بك عليهم أنت العزيز لا إله إلا أنت.. أنت حسبنا يا الله، يا الله، يا الله، نسألك أن ترينا فيهم يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون، وما ذلك على الله بعزيز، اللهم دمّر شملهم، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق فيهم أحداً.
اللهم إنا نسألك العافية ودوام العافية والشكر
على العافية في الدنيا والآخرة، ونستغفرك من ذنوبنا وخطايانا التي كانت سبباً في
بلائنا سبباً في شقائنا فاغفر لنا يا أرحم الراحمين.
اللهم نسألك نصرك المؤزر المبين لجندك وأوليائك الدعاة المجاهدين.
اللهم فك أسرهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم ارحم ضعفهم، اللهم اقتل عنهم، اللهم ارم عنهم، اللهم حارب عنهم، اللهم كن معهم، اللهم أنزل ملائكتك، اللهم أنزل نصرك يا قيوم السماوات والأرض، أنت الحي الذي لا يموت، ترانا وترى ضعفنا، تسمعنا وتسمع دعاءنا، فاجعلها ساعة إجابة، واجعلها ساعة إنابة يا أرحم الراحمين، يا
مقيل عثرات العاثرين، يا راحم المذنبين، لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس
فنضيع، رحماك رحماك يا إله السماء والأرض، نشكو إليك، نجأر إليك، نضرع إليك، فانصرنا
واغفر لنا يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله يذكركم، واشكروه
على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.