الأربعاء 04-نوفمبر-2026 - 24 جمادى الأول ، 1448

لماذا نهزم والجيوش تملأ الثكنات؟!

234
2026-11-01

التعريف بالخطبة:

خطبة نارية للشيخ أحمد القطان رحمه الله يتستنهض همم الأمة الإسلامية في مواجهة الأخطار المحدقة بها من كل جانب، مقدمة «دستوراً قرآنياً للنصر» يربط بين التوكل العقائدي والإعداد العسكري.

وتُعالج الخطبة بجرأة واقع التخاذل الإعلامي والرسمي، وتكشف عن الطابور الخامس والنزاعات الداخلية كأسباب رئيسة للهزيمة، مؤكدة أن الولاء لله وحده طريق العزة، ومختتمة ببيان فضل الشهادة والرباط كخيار وحيد لردع العدوان وحماية الدين والعرض.

 

عناصر الخطبة:

  • بمن نثق حين تتخلى عنا أمريكا وروسيا؟
  • دستور النصر القرآني.. المعادلة المفقودة!
  • لماذا نهزم والجيوش تملأ الثكنات؟
  • السلاح الخفي الذي يفتك بالأمة أكثر من صواريخ العدو!
  • هل تحميك المعاهدات الدولية عند ساعة الصفر؟
  • كيف يُشترى ولاء الشعوب بغير المال؟
  • من هو الشهيد الحقيقي الذي يتمنى العودة للدنيا ليُقتل؟

 

المقدمة:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد..

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

عباد الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله، حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وقال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

اللهم أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك الكريم، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم.

اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وعم عطاؤك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، اللهم إنا نسألك نصرك المبين المؤزر لجندك وأوليائك المجاهدين الذين يجاهدون بسم الله وينطلقون تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، راغبين راهبين، اللهم سدد رميهم، اللهم فك أسرهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم وحّد شملهم، اللهم اجمع صفهم، اللهم اختم بالطاعات أعمالهم، وحقق بالصالحات آمالهم، واجمعنا وإياهم في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، وارزقنا الشهادة في سبيلك مقبلين غير مدبرين، بعد طول عمر وحسن عمل في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زيّنا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.

 

بمن نثق حين تتخلى عنا أمريكا وروسيا؟

أيها الأحبة في الله..

وبما أن العدو يقترب من بلاد المسلمين يوماً بعد يوم، المتمثل بالصهيونية العالمية، والصليبية العالمية المتمثلة بـ«إسرائيل»، وبأمريكا، وبالشيوعية العالمية المتمثلة بروسيا والدول التي تسير في فلكها.

وبما أنالحروب طاحنة في هذه المنطقة وتقترب يوماً بعد يوم، وإننا نعيشها بقلوبنا وأحاسيسنا، حتى أصبح الواحد منا إذا وضع رأسه على الوسادة أخذت الحروب تقض مضجعه ويتساءل: متى يأتي عليَّ الدور؟ متى أكون في ميدان القتال؟

ما بيننا وبين الحروب إلا أميال قليلة، فلا بد أيها الإخوة أن يعيش المسلم في قلق على دينه، في قلق على عرضه وعلى أرضه، وعلى ماله وعلى دمه، وإلا فليعش مقطوعاً عن العالم في مغارة أو في شعاب الجبال، وسيصله الدور عاجلاً أو آجلاً.

 

دستور النصر القرآني.. المعادلة المفقودة!

أيها الأحبة في الله..

إن الحروب الطاحنة البعيدة والقريبة لا بد أن نعيها تماماً، ولا بد أن نبحث عن العلاج، والإسلام ما ترك أمراً إلا وجعل له علاجاً ودواءً.

الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {64} يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ) (الأنفال).

هاتان الآيتان، أيها الإخوة، هاتان الآيتان العظيمتان فيهما حقائق جهادية، دستور عسكري جهادي، لا بد أن يعيه القائد أولاً ثم الجنود ثم جماهير أمة الإسلام.

الحقيقة الأولى يذكرها الله في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)؛ أي لا تعتمد على قتالك وعلى نفسك وعلى حماية دمك وحماية عرضك على أحد من الناس! لا على معسكر الشرق ولا على معسكر الغرب، ولا على راية علمية، وإنما (حَسْبُكَ اللَّهُ)؛ الله وحده، والمؤمنون حسبهم الله، الله وحده هذه حقيقة، أيها الإخوة، يجب أن نعيها تماماً والحروب تقترب، يجب أن نطبقها سلوكاً وواقعاً والحروب تقترب، وهناك كلمة قيلت: بأنه من اعتمد على غيره في الدفاع عن نفسه فقد ضل وأضل.

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ)؛ فلهذا لا تعتمد على أحد في حماية غيره.

أيها الشعوب، أيتها الدول الإسلامية والعربية، لقد اعتمدت كثير من الدول على أمريكا فخذلت، وعلى روسيا فخذلت، وعلى الأحزاب التي تحكم كثيراً من البلدان فخذلت! هناك منظمات أيضاً اعتمدت على روسيا واعتمدت على أمريكا واعتمدت على الدول العربية ولم تعتمد على الله فخذلت.

أيها الإخوة..

القرآن يضع الدواء على الداء، لا بد أن يكون حسبنا الله، وحسبنا الله أن نرضى به رباً، وبنبيه رسولاً، وبكتابه منهجاً؛ هذا معنى «حسبنا الله».

 

لماذا نهزم والجيوش تملأ الثكنات؟

ثم تقول الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ)؛ حرّض، ما معنى حرّض؟ يعني ألهب فيهم شعور الجهاد في سبيل الله، ربِّهم على معاني القتال في سبيل الله؛ (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ)، ودون هذا التحريض ستجد الجندي في ميدان القتال في الهزيمة كالغزال ستجده يلقي السلاح ويولي الأدبار.

أما إذا حرّضته ترهيباً؛ يوم أن تقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والسبع الموبقات ثم ذكر منها التولي عند الزحف» (متفق عليه)، فالتولي في ميدان القتال من السبع الموبقات، ويوم أن ترغبه وتقول له: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، من قاتلهم صابراً محتسباً دخل الجنة.. نعم، أيها الإخوة، هذا معنى (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ).

ومع الأسف الشديد، واليهود يقتربون شبراً بعد شبر، وذراعاً بعد ذراع، والحرب في المنطقة بين الدولتين في منطقة الخليج تقترب شبراً بعد شبر وذراعاً بعد ذراع، وحتى الآن لا نعيش معنى التحريض للقتال!

وإنما نجدالإعلام ينشر الرذائل والفساد، والغناء والتمثيليات والمسرحيات، ولا كأن هناك أناساً تطحنهم رحى الحرب معنا!

وكذلك الأئمة والوعاظ لم يأخذوا ولم يتلقوا حتى الآن منهجاً جهادياً مدروساً منظماً يجعل الأمة؛ قائداً ومقوداً وشعباً ورجالاً ونساء، على قلب رجل مؤمن واحد حتى الآن!

إذاً معنى حرض المؤمنين على الجهاد ليست في واقعنا اليوم! فأي حرب ستقوم في القريب أو في البعيد فإننا سنستسلم لا محالة! وسننهزم لا محالة! إن لم يرحمنا الله رب العالمين!

يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ)؛ فبعد استكمال الجانب الروحي المعنوي تكون النتائج مضمونة على الله، اسمع: (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ)
أي بعد التحريض (
يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ).

وأنا، أيها الإخوة، لي في هذا البلد دعوة أخاف عليها، ولي في هذا البلد إسلام أخاف عليه، ولي في هذا البلد عرض أخاف عليه، وإنني أطالب باسمي أولاً وباسمكم ثانياً وباسم كل مسلم غيور في هذا البلد، أطالب المسؤول الأول في الدولة أن يُحرّض المؤمنين على القتال، لا تكفي زيارة الجيش، لا تكفي زيارة الثكنات، وإنما لا بد من إعادة النظر في الإعلام كله، ولا بد من إعادة النظر حتى في الجيش وفي بعض القيادات دون النظر إلى أي اعتبار كان، وإلقاء المجاملات، وإلقاء الحسب والنسب، وإلقاء كل العواقب جانباً، وأن يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ولا بد أن تجهز وزارة التربية بمنهج خاص جهادي يتلقاه الطفل في الروضة إلى الطالب في الجامعة، ولا بد أن تقف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وقفة جهادية بجيش من العلماء والخطباء يقاتلون بلسان الكلمة من فوق المنبر كقتال الجندي بسلاحه في ميدان القتال.

نريد أئمة يقاتلون بأرواح المدافع لا بسيوف من خشب! هكذا نحرض المؤمنين على القتال، وإلا فالنتائج أليمة وحزينة ومؤلمة كما حدث لغيرنا!

 

السلاح الخفي الذي يفتك بالأمة أكثر من صواريخ العدو!

فالله لا يحابي أحداً، ولا يجامل أحداً، وهذه الآيات واضحة، ثم يقول سبحانه وهو يبين أسباب الهزيمة الحقيقية: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46)؛ ولا تنازعوا.. أحضروا لي دولة لا تنازع دولة، احضروا لي.. لن تجدوا!

استمعوا إلى الإعلام ستجدون النزاع قائماً، حرب باردة، وهناك حرب ساخنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، هذا على مستوى الدول.. أما على مستوى الشعب الواحد، فاستمع وأنا بصفتي داعية للعامة.. بصفتي داعية أحتك بالجماهير.. بدأت تطرح عليَّ أسئلة خطيرة إذا لم ننتبه إليها فإنها ستكون ناراً في الهشيم لا تبقي ولا تذر.

فهناك من يأتيني، من يسألني: لو دارت حرب في هذا البلد نقاتل أو لا نقاتل؟

هل الذين يقاتلون في ميدان قريباً عند البحر؟ هل هم مسلمون أو غير مسلمين؟ هل الراية التي سنقاتل تحتها راية إسلامية أم راية علمانية جاهلية كما ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم.

أيها الإخوة المسلمون، أيها المسؤولون في الدولة..

اعلموا يوم أن تطرح مثل هذه الأسئلة فإنه مؤشر خطير، مؤشر إلى الهزيمة التي بينها الله في هذه الآية: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، ويقول: (حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: 152).

(مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) (آل عمران: 152)؛ انظر إلى النتيجة؛ (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ)، ويا له من بلاء إذا نزل!

أيها الإخوة..

إن طرح مثل هذه الأسئلة من الخطورة بمكان إذا لم يكن هناك تنسيق وتنظيم وجهود متضافرة وحملة جهادية عظيمة تبدأ من المسؤول الأول في الدولة إلى أصغر موظف إلى أصغر طفل، وإلا فلنحذر ولتلكونا الأحزان بعد ذلك كما لاكت غيرنا!

أيها الإخوة المسلمون..

أقول هذا من قلب، مشفق ناصح، قلب مشفق ناصح للنساء والأبطال والشيوخ والرجال: إن زماننا هذا زمان فتن، ولا أخدعكم يوم أن أقول: اطمئنوا، فالإسلام بخير ونحن بخير ونحن بعافية؛ فالمساجد مملوءة، والله لقد كانت دول مملوءة مساجدها أكثر من هذه المساجد، ولما تبدلت أنظمتها ودولها تبدل شر وجاء أشر منه، حرمت الصلاة ودمرت المساجد وجرفت الطرقات، لقد كانت مساجد اليمن مملوءة، وكان رمضان فيه أحسن من رمضان هنا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الإيمان يمان الإيمان يمان الإيمان يمان»، فماذا أصبح الآن؟ أصبح لينين يمان، وستالين يمان! هكذا أصبح وأصبحوا يعذبون المسلمين ويضهدونهم، أرأيتم؟ الإسلام ليس بخير عندما تمتلئ المساجد ثم تمتلئ القلوب بعد ذلك بالدراهم والدنانير، وتمتلئ الأفكار بالمناهج الهدامة، وتمتلئ المشاعر والعواطف بالأغاني الخليعة التي تؤدي في النهاية إلى هزائم تلو الهزائم، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

 

هل تحميك المعاهدات الدولية عند ساعة الصفر؟

والله جل ثناؤه يقول: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (الأنفال: 60).

في هذه الآية حقائق كثيرة:

الحقيقة الأولى:

واجب على الأمة أن يعدوا القوة لعدوهم، وغاية القوة هي غاية الاستطاعة، والاستطاعة هي غاية الجهد؛ يعني لا تتركوا ثغرة إلا وتسدوها.

الحقيقة الثانية:

لا بد من تكثير الأسلحة الإستراتيجية المهمة، وإيجاد مصانعها من نفس البلدة، وهذا من معاني الإعداد؛ حتى لا يتلاعب بنا عدونا فيساوم فينا ويشتري ضمائرنا وديننا.

ثم يقول الله جل ثناؤه: (وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ)؛ أتدرون من هؤلاء؟ هؤلاء الطابور الخامس الذي يدخل داخل الصف داخل الشعب داخل البلد ليس له ولاء يحقد! يمكر! بالليل والنهار ويتمنى أن يذبحك الليلة قبل غد! هذا هو الذي يذكره الله في هذه الآية لا تعلمونهم الله يعلمهم.

أما نحن فنعلم أن الله يعلمهم أولاً، ونحن نعلمهم ثانياً، ولكن نضع رؤوسنا تحت التراب حتى الآن لم نتخذ موقفاً إسلامياً تجاه هذا الطابور الخامس الذي يقلقل الصفوف ويزعزع القلوب ويبث الرعب ويتحدى مشاعر المسلمين والجماهير الإسلامية.

 

كيف يُشترى ولاء الشعوب بغير المال؟

يقول سبحانه: (وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ {62} وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال).

هذه الآية أيضاً فيها حقائق جهادية:

الحقيقة الأولى:

أن النصر والتأييد من الله؛ (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ).

الحقيقة الثانية:

لا بد من التلاحم الشعبي بين القائد والمقود، إذا لم يكن هناك تلاحم بين القائد، بين القائد والمقود؛ فإنه لا نصر أبداً؛ لأن الله يقول لنبيه: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)؛ أي ما انتصرت بمفردك ولكن انتصرت بالمؤمنين وجميع القادة.

الذين فتحوا الفتوحات؛ فتح «القادسية» وفتح «اليرموك» وفتح «أجنادين» وفتح «حطين» وفتح «القدس»، كلها ما كانت بالقائد وحده، وإنما كانت بالقائد وبالمؤمنين؛ المؤمنين الذين آمنوا بالله رب العالمين؛ (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)؛ إذاً لا بد من هذا التلاحم الشعبي، ولا يكون تلاحماً شعبياً بين القائد والمقود إلا إذا أرضى الله رب العالمين، والله رب العالمين لا يرضى إلا إذا أزيح المنكر الأكبر، والمنكر الأكبر هو الحكم بغير ما أنزل الله.

أيها الإخوة المسلمون..

كل المناكر تتفرع من هذا المنكر! والمعروف الأكبر الذي تتفرع منه جميع خصال الخير والمعروف هو الحكم بما أنزل الله في كل مكان، لا أعني بذلك السياسة، فالسياسة جانب من جوانب الحكم بما أنزل الله.

أنت تحكم بما أنزل الله في بيتك وفي ولدك وفي زوجك وفي وظيفتك وفي مالك وفي أهلك، كذلك الحاكم سواء بسواء، فالحكم بما أنزل الله ليس مقصوراً على السلطة التنفيذية، وإنما الحكم بما أنزل الله ابتداءً من حرف كلمة ألف في الإسلام، وانتهاء بما أنزل الله في كتابه وبما قاله رسوله في لحظة وفاته صلى الله عليه وسلم.

أيها الإخوة المسلمون..

يقول الله جل ثناؤه: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ).

الحقيقة الثالثة:

أن التأليف بين القلوب من الله؛ من أراد أن يؤلف بين القلوب بزيادة الرواتب لا يتم ذلك! من أراد أن يؤلف بين القلوب بالإجازات لا يكون ذلك! من أراد أن يؤلف بين القلوب بالخطب لا يتم ذلك! من أراد أن يؤلف بين القلوب بالزيارات لا يكون ذلك! من أراد أن يؤلف بين القلوب بطابور مهنئين أو طابور معزين لا يكون ذلك! إنما الذي يؤلف بين القلوب هو الله!

إذا أرضيناه يكون التأليف بين القلوب، إذا أسخطناه لا يكون التأليف بين القلوب!

ثم ماذا، أيها الإخوة؟ ثم يقول الله: (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) مّا في الأرض؛ كل البنوك كل آبار النفط كل الذهب المخزون كل المعادن الثمينة وغير الثمينة، لو أنها جمعها قائد ما وبدأ ينفقها على شعبه ليملك قلوبهم ويملك حبهم في لحظات العسرة قبل لحظات اليسر، فإنه لا يستطيع أبداً، ومن المستحيل أن يملك قائد ما على وجه الأرض كل ما على الأرض، مستحيل، وبما أن جمع ما في الأرض مستحيل؛ إذاً التأليف بين القلوب أشد استحالة ومحالاً.

إذاً، التأليف بيد الله، والله لا يؤلف بين القلوب إلا إذا أرضيناه؛ (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)؛ «عزيز» يعني لا يغلبه أحد، «حكيم» يعني يضع الأمور في مكانها التي يجب أن توضع فيه.

الحق.. القسط.. العدل.

أيها الإخوة المسلمون..

هذه نبتة مصدور ألقيها في سبيل الله وليفسرها من يفسرها بما يشاء، ولكنني لا أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وإنني أفوض أمري إلى الله، والله بصير بالعباد.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

الخطبة الثانية:

لحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أيها الإخوة المسلمون..

وتأتي التهديدات تلو التهديدات؛ مما يبين أن الأمر جد لا هزل، وأن المر حزم وعزم، آخر تهديد نشر اليوم في الصفحة الثامنة من جريدة «الوطن»، يقول قائد دولة إيران: إننا نقول: إن الشعب الإيراني سيتصدى لأي عمل في الخليج والمنطقة من جانب أي دولة كانت، وبغرض تقديم أي مساعدة جديدة!

ذُكر هذا التهديد في خطبة العيد التي ألقيت.. ما معنى هذا؟ سيفسره المفسرون، عندما يقول: سيحج الشعب الإيراني ليتصدى لأي عمل في منطقة الخليج من جانب أي دولة كانت بغرض تقديم أي مساعدة جديدة، هذا كلام لا يستهان به يا إخوة، ولا بد أن يؤخذ بمأخذ الجد، والآلاف تقتل، والآلاف تدمر، فلا بد أيها الإخوة من التحريض والاستعداد.

وكانت دولة في المنطقة في موضع الهجوم فأصبحت الآن في موقع الدفاع! والسبب تحولها من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع أن التربية الجهادية الإسلامية جاءت متأخرة، ولو كانت جاءت متقدمة من قلوب صادقة لتغير الوضع! فإذا أردنا أن ننتصر على أعدائنا الذين يهددوننا اليوم وغداً وبالأمس، لا بد من الإعداد على الأقل سنتين أو ثلاثاً، تشترك في هذا الإعداد جميع الأجهزة في الدولة لكي يكون هناك شعب إيماني جهادي يرغب ما عند الله ويستشعر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما إذا ظننا ونسأل الله ألاّ يأتينا هذا الظن على جميع المستويات، إذا ظننا أن أمريكا ستحمينا لأن النفط هنا في هذه المنطقة! أو ظننا أن بريطانيا ستحمينا بمعاهدات ماضية قديمة ولا تزال نعيش تحت ظل بعضها! «لا»، فإننا مخطئون مخطئون مخطئون، إنهم لا يستطيعون حماية أنفسهم فإذا نزل القضاء عمى البصر.

 

من هو الشهيد الحقيقي الذي يتمنى العودة للدنيا ليُقتل؟

أيها الإخوة المسلمون..

لابد من الإعداد الكامل يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «للشهيد عند الله سبع خصال؛ يُغفر له عند أول دفعة من دمه، ويرى مكانه من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج بثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهل بيته» (رواه الترمذي، وابن ماجه)، هذا للشهيد.

ثم من هو الشهيد الذي يطلق عليه الشهيد؟ هو الذي يقاتل من أجل إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم يقول عليه الصلاة والسلام: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون مظلمة فهو شهيد».

فعلى الذين يطرحون مثل هذه الأسئلة التي تفيد التردد نقاتل أو لا نقاتل فليعلموا أنه من قاتل دون هذه الأمور المذكورة فهو شهيد إن شاء الله، وإن ديننا في خطر؛ لأن الدين الغازي غير ديننا، والله يعلم سبحانه وتعالى ذلك.

وستعلمون؛ (لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (الأنعام: 67)، ثم يقول عليه الصلاة والسلام: «رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه»؛ لأن بعض الناس عندما يكون القتال وتأتي القنابل والصواريخ يذهب إلى المسجد ويبدأ يصلي ويصوم ويركع كما فعلوا عندما غزى نابليون مصر، ذهب الدراويش وجلسوا في المسجد وفتحوا كتاب البخاري وأخذوا يقرؤون عن فلان عن فلان عن فلان، فقيل لهم: لماذا تفعلون ذلك؟ قالوا: حتى ينهزم نابليون! انظر إلى السخط وانظر إلى الجهل! لهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً وقيَ من فتنة القبر، ونميَ له عمله إلى يوم القيامة»، ويقول: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «لا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم»، ويقول: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، غَيْرُ الشَّهِيدِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ» (رواه مسلم).

ويقول عليه الصلاة والسلام وهو يعطيك صمام الأمن وأنت تقاتل؛ لأن الحرب رؤوس قاتلة، حرب رومية حرب غازات سامة حرب قنابل لا بال حرب قنابل انخراطية حرب لهيب إلى آخره، ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما يجد الشهيد من مس القتل إلا ما يجد أحدكم من مس القرصة» (رواه الترمذي، والنسائي)، هكذا يقول عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة كلها.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه، ويكلأنا برعايته، وأن يجعلنا نعيش الجهاد في سبيله في قلوبنا وواقعنا، وأن نرضيه، فاز عبد بكى ذنباً، فاز عبد أدى فرضاً، فاز عبد حفظ عرضاً، فاز عبد ذكر رباً، فاز عبد أدى صدقة ماله، فاز عبد حفظ عياله.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على تطبيق شرعه وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، وخفف زلاتنا، اللهم نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك.

ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة.

اللهم فك الحصار عن إخواننا في بيروت، اللهم فك أسرهم، اللهم ارحم ضعفهم، اللهم اقتل عنهم، اللهم ارم عنهم، اللهم اجبر كسهم، اللهم أيدهم بنصرك، اللهم احفظ دينهم، اللهم احفظ إيمانهم، اللهم ثبّتهم على اليقين، اللهم أفرغ عليهم الصبر إفراغاً.

ونسألك نصرك المبين لجندك المجاهدين في أفغانستان، اللهم دمر روسيا ومن معها تدميراً، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون، اللهم خذ أمريكا ومن معها أخذ عزيز مقتدر، واحفظ ما فيها من المسلمين الموحدين، اللهم دمر معسكر الكفر، اللهم أرنا فيهم دعوة عبدك نوح: «رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً».

يا رب العالين، بك نجول وبك نصول وبك نقاتل، ندرأ بك اللهم في نحور أعدائنا، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين، يا رب السماء والأرض، برئنا من حولنا وقوتنا، وعذنا بحولك وقوتك، فلا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، وإلى إلى الناس فنضيع.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تحميل