الاثنين 11-مايو-2026 - 24 ذو القعدة ، 1447
وداع رمضان.. بين سعة الرحمة وأنين المقدسات
التعريف بالخطبة:
يتحدث الشيخ
أحمد القطان رحمه الله بنبرة إيمانية حزينة عن وداع شهر رمضان المبارك، مستعرضاً
سعة رحمة الله التي سبقت غضبه وتجلياتها في ستر العباد وتوبة الخاطئين.
كما يسلط الضوء
على مفهوم الرحمة في أسمى صورها داخل البيوت والنفوس، مختتماً بصرخة وجدانية تجاه
ما يتعرض له المسجد الإبراهيمي من انتهاكات، ومستنهضاً اليقين بقدرة الله التي لا
يعجزها ظلم ولا جبروت.
عناصر الخطبة:
- غصَّة
الوداع.. ورجاء القبول!
- سبقت
رحمتُه غضبَه!
- نداء
الملك للشاردين.
- استغفار
حملة العرش.. لك أنت!
- ميثاق
الرحمة.. والوفاء المفقود!
- صرخة
من مرقد الخليل.
- بَرْدُ
إبراهيم.. وقوةُ «كُن» الربانية.
المقدمة:
إن الحمد لله،
نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من
يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد..
فإن أصدق الحديث
كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل
محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله..
أوصيكم ونفسي
بتقوى الله، حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (آل عمران: 102)، وأعطانا
الأمان النفسي والمعيشي في التقوى، فقال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2}
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق)، وأعطانا الضمان لذريتنا من بعدنا في التقوى والدعوة
إلى الله، فقال سبحانه: (وَلْيَخْشَ
الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ
فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء: 9).
اللهم لك الحمد
بما خلقتنا، ورزقتنا، وكفيتنا، وآويتنا، هديتنا، وعلمتنا، وفرجت عنا، لك الحمد
بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، لك الحمد بالأهل والمال
والمعافاة، كبت عدوَّنا، وأظهرت أمننا، وجمعت فرقتنا، وبسطت رزقنا، وأحسنت
معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد على ذلك حمداً كثيراً. لك
الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو خاصة أو
عامة، أو شاهد أو غائب، أو حي أو ميت، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد على الرضا،
ولك الحمد على حمدنا إياك، اللهم لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
غصَّة الوداع.. ورجاء القبول!
أما بعد، أيها
المسلمون..
ونحن في اليوم
الأخير من رمضان نودّع شهر الصيام، نسأل الله أن يجعل لنا في أوله رحمة، وفي أوسطه
مغفرة، وفي آخره عتقاً من النار. رحل رمضان بما فيه، ولا ندري أي العمل قُبل، وأي
العمل رُد، ولكن ظننا بالله حسناً، فما فرض علينا وكتب علينا إلا ليجزينا. اللهم
إنا صمناه رمضان إيماناً واحتساباً، فتقبله منا يا أرحم الراحمين، ولا تقطعنا ولا
تمنعنا عن صيام غيره، وأعدنا على كل رمضان باليمن والإيمان والسلامة والإسلام.
اللهم اجعل هذا
الشهر شاهداً لنا لا علينا، ثقّل به ميزاننا، وحقّق به إيماننا، واخسأ به شيطاننا،
واغفر به خطايانا، واقبل حسناتنا يا أرحم الرحمين. اللهم أنت ذو الفضل العظيم،
بقوتك وتثبيتك وحولك استطعنا أن نصوم، واستطعنا أن نقوم، ولولاك ما فعلنا.
والله لولا الله
ما اهتدينا
وما تصدقنا وما
صلينا
فأنزلن سكينة
علينا
وثبت الأقدام إن
لاقينا
وداعاً يا شهرالصيام، وداعاً أيها الحبيب القريب، إن القلب ليحزن على فراقك، والعين تدمع، كيف
لا.. وفيك صفدت الشياطين، وفتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران؟! كيف لا نحزن
على فراقك وقد أُحيي الليل بالقرآن؛ خشعت العيون، واقشعرت الأبدان، وكأننا نسمع
الملائكة ونحس بهم وبالسكينة والرحمة تغشانا بين الحين والحين؟ كيف لا نحزن على
فراقك وفيك ليلة لو عاش أحدنا عمره كله في طاعة أو عبادة دون أن يصيب فضل هذه
الليلة، فإنها تفوق على العمر كله مهما كان طويلاً، إنها ليلة القدر في العشر
الأواخر من رمضان.
سبقت رحمتُه غضبَه!
أيها الأحبة..
الحمد لله الذي
بنعمته تتم الصالحات، وتمشّياً مع روح رمضان المشبّع بالمغفرة والرحمة من الله،
سأقف معكم ومع الرحمة في كتاب الله، لنعلم أن الله سبحانه أول ما خلق خلق القلم،
فقال له: «اكتب، قال: ماذا أكتب يا رب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» (أخرجه
الترمذي)، فكتب القلم بإذن ربه في كتاب، وكتب الله أول ما كتب بيده في هذا الكتاب:
«أن سبقت رحمتي غضبي» (أخرجه البخاري ومسلم)، فالكتاب عنده على العرش، ولولا أن
رحمته سبقت غضبه لما بقيت دابة على وجه الأرض، من الذي سترنا في خطايانا؟ من الذي
سترنا في دنيانا، ويسترنا في أخرانا؟ إنه الله.
نداء الملك للشاردين
أيها الشاردون
البعيدون عن ربكم، ها أنا ذا أدعوكم ليس في بيتي، فأنا لا أطيق أن أدعو هذا الجمع
كله إلى بيتي، وليس إلى بيت ملك من الملوك، فهم لا يطيقون أحداً من الصالحين، إنما
معظم بطائنهم من الذين إذا نسوا لم يذكّروهم، وإذا غفلوا لم ينبّهوهم، وإذا فعلوا
السوء لم ينهوهم، إنما أدعوكم من بيت ملك الملوك، من بيت الله الذي ينادي.. ينادي
من؟ يناديكم أيها الشاردون البعيدون عن ربكم ومولاكم، الموغلون في الخطيئة،
المسرفون في الذنب، الله هو الذي ينادي: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا
تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53).
نداء إلى
العاصين والخاطئين، عودوا إلى الله، إن البشر هم الذين يحقدون، إن البشر إذا
تخاصمت معهم هم الذين يقولون: إن الذي يدخل في قلبي لا يخرج منه حتى أنتقم، أما
الله فهو يقول لمن يصرّون على الذنب بالليل والنهار ويسرفون دائماً وأبداً يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53).
ويفوّت الله على
الشيطان حيله بقوله: (جَمِيعاً)،
حتى لا يأتيك الشيطان فيقول: أيها العاصي المسرف، من أي ذنـب تتوب؟ فقـد فعلت..
وفعلت.. وفعلت، الله يقـول: لا.. (إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)،
ويأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُحسن استقبال الخاطئين، وعندما يوجّه
الأمر إلى القيادة الإسلامية المتمثّلة بشخص الحبيب صلى الله عليه وسلم، فمن باب
أولى أن يلتزم بهذا الأمر كل قائد وحاكم ووال بعده، لأنه معصوم، فالتزم بهذا
الأمر، فغير المعصومين أولى بهذا الالتزام، ماذا يقول الله لرسوله؟ اجتمع نفر من
الصحابة في مكة وقد كان لهم ماض أسود، فهذا وأد بنته، وهذا قطع رحمه، وهذا سفك
دماً، وهذا أكل مالاً، فاجتمعوا وخافوا من معاصيهم، وجاؤوا إلى الرسول صلى الله
عليه وسلم دامعين العين، مكسورين القلوب، فماذا قال الله فيهم؟ استمعوا: (وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن
بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {54} وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ
وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام).
استغفار حملة العرش.. لك أنت!
(نفَصِّلُ الآيَاتِ)؛ آيات الرحمة، حتى لا يأتي المجرمون من الطواغيت
والمرجفون في المدينة، فيشيرون إلى الدعاة: إنهم متعصبون وإرهابيون، إنهم يكفرون
أصحاب الذنوب والمعاصي، الله يقول: لا.. إنهم لا يكفرون أصحاب الذنوب والمعاصي، بل
يسلمون عليهم: (سَلاَمٌ
عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ
مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ)؛ فيتعرى المجرمون المرجفون في المدينة: (وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ
وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)؛ ويلتقي دعاء المؤمنين في الأرض
ودعاء الملائكة في السماء، لمن؟ للخاطئين.
اسمعوا دعاءالملائكة وحملة العرش ومن حول العرش، الذين لا يعلم عددهم إلا الله، لأن السماوات
والأرض بالنسبة للكرسي كحلقة في أرض فلاة، والسماوات والأرض والكرسي كحلقة في فلاة
بالنسبة للعرش، والله قد استوى على العرش. هؤلاء حملة العرش اسمعوا ماذا يقولون عن
العاصين والخاطئين والمذنبين: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ
حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ
لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ {7}
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ
آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ {8} وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ
فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (غافر).
وينبعث الدعاء
من الصالحين في الدنيا ليلتقي بدعاء الملائكة، وذلك في قول الله الذي يعلمنا أن
ندعو: (رَبَّنَا اغْفِرْ
لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي
قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحشر:
10).
أتظنون أن الله
يعذب التائبين والمؤمنين وإن تكرر منهم الخطأ وهو الذي يعلمهم دعاء التوبة
والمغفرة: (رَبَّنَا لاَ
تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا
إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ
تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة:
286)؟ أتظنون أن الذي يقول: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) (الفرقان:
70)، أتظنون من يقول هذا الكلام يعذّب من تاب وأناب وأقبل على الله بما معه
من ذنوب؟ فالحديث القدسي يقول: «ابن آدم، لو جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنـي
لا تشرك بي شيئاً جئتك بقرابها مغفرة، ولو بلغت ذنوبك عنان السماء»، وفي رواية:
«ولو بلغت ذنوبك الأرض والسماوات لغفرتها لك ولا أبالي ما استغفرتني» (أخرجه
الترمذي في سننه، 3540)؛ ما قلت: أستغفر الله، من قالها غفر الله ذنوبه وخطاياه.
والرسول صلى
الله عليه وسلم يعلمنا هذا الدعاء المبارك: «من قال في يوم الجمعة ثلاث مرات:
أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غُفرت له ذنوبه
وإن كانت مثل زبد البحر، وإن تولى من الزحف» (أخرجه الترمذي، 3577).
ميثاق الرحمة.. والوفاء المفقود!
استمعوا معي إلى
رحمة الله الواسعة ماذا يقول الله سبحانه وتعالى عنها، يقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم
مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم
مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:
21)؛ وتندفع الرحمة بين الزوج وزوجته، ولم يقل سبحانه: وجعل فيكم مودة
ورحمة، وإنما قال: (بَيْنَكُم)،
وكأن الرحمة والمودة شخص ماثل بين الزوج وزوجته، يرى الرحمة في عينيها وابتسامتها،
وفي كلامها وجمالها، وترى الرحمة في رجولته ووفائه وصدقه؛ (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)؛
لو جعل الله مودة فقط لما استمرت الحياة الزوجية؛ لأن المودة هي الحب، والمودة هي
العشق.
ولكن الرحمة
تأتي بعد أن تصبح الحياة الزوجية حياة روتينية عادية، مرت لحظات المجاملة، مرت
لحظات الغزل والهيام، وبدأ الوالد والوالدة يعتركان في الحياة من أجل تربية
الأولاد وكسب الرزق، ماذا يبقى لهم؟ المودة كانت أيام الشباب وشهر العسل، ولكن
الله برحمته دفع الرحمة إليهم، فبدأ يخاف الله فيها وتخاف الله فيه، ويفي لها إلى
آخر لحظة من عمرها، إنها رحمة الله المفقودة في الغرب، المفقودة في أوروبا وأمريكا
وروسيا، قد تكون بينهم مودة حب ومجاملة، ولكن تنتهي في لحظات، فيبدأ هو يبحث عن
خليلات، وتبدأ هي تبحث عن عشاق، لأن الرحمة غير موجودة، ولا تأتي الرحمة إلا
بالإيمان والقرآن، كما يقول الله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ
لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يزيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَساراً) (الإسراء: 82).
فهذا رسولك صلى
الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: «إن الله لا ينزل رحمته إلا على رحيم»،
فقالوا: كلنا يرحم يا رسول الله، قال: «ليس رحمة أحدكم صاحبه، بل الناس جميعاً» (أخرجه
الطبراني). ويقول صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في
الأرض يرحمكم من في السماء» (أخرجه أبو داود).
ويقول صلى الله
عليه وسلم، وهو ينظر إلى امرأة فقدت طفلها، فلما وجدته جلست تحت ظل شجرة، ألقمته
الثدي بحنان، قال: «أتظنون أن هذه ملقية ولدها في النار وهي تقدر؟»، قالوا: لا يا
رسول الله، ما نظن أنها تلقي ولدها في النار وهي تقدر، قال: «فاعلموا أن رحمة الله
بعباده أعظم من رحمة هذه بولدها» (أخرجه البخاري، ومسلم).
صرخة من مرقد الخليل!
ومن مآسي هذه
الأمة وفي العشر الأواخر من رمضان يذهب اليهود الملاعين في وضح النهار والمسلمون
صائمون ويأتون إلى مرقد الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فيسكبون حوله الخمور،
ويشربونها ويأكلون الطعام، ويرغمون الناس على الإفطار في شهر رمضان! هذا حدث في
وضح النهار في العشر الأواخر، فما بكت عين! وما ارتجف قلب! وما تألم قائد! نعم.
إن إبراهيم
اليوم في زماننا غريب، وقد كان في زمانه أمة في التوحيد، أمة في البراء والولاء،
أمة في تحدي الطاغوت. كان إبراهيم وحيداً على وجه الأرض؛ ولكنه كان بثباته وصبره
وتحديه لطواغيت زمانه، إن تراب قدميه ليعلو رؤوس طواغيت هذا الزمان الذين يركعون
لأمريكا وروسيا، ويتملقون العدو اليهودي.
إبراهيم عليه
السلام في مرقده يشكو إلى الله رب العالمين، وهو الذي دعا دعوة صالحة لكي يبعث
الله فينا رجلاً، فاستجاب الله دعوته وبعث الله فينا محمداً صلى الله عليه وسلم.
وإبراهيم هـو الذي يدعـو لنا وللمؤمنين إلى يوم القيامة: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي
رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء {40} رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم).
أهذا جزاؤه؟
أهذا نصيبه؟ أهذا حظه منّا؟ في مرقده يسكب عليه الخمر! في مرقده يشرب عنده الخمر!
في وضح رمضان والناس صيام، فلا يتحرك أحد. إنها مأساة وكربة لا يفرجها إلا الله رب
العالمين، وما بقي لأمتنا إلا خطب وشعارات ولا يقولها إلا القليل.
بَرْدُ إبراهيم.. وقوة «كُن» الربانية
إن إبراهيم وقف
أمام النمرود وأخبره أن الله يحيي ويميت. وقال التافه: أنا أحيي وأميت، فماذا قال
له إبراهيم؟ قال: (فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ
بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) (البقرة: 258)، وتجبّر الطاغوت
وتكبّر، وأشعل لإبراهيم النهار وقذفه فيها، فماذا فعل الله؟ (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً
وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء: 69)؛ فالذي سلب خاصية الإحراق من
النار هو الله، وهو حي لا يموت، وهو قادر على أن يسلب خاصية القوى من أمريكا ومن
روسيا بكلمة «كن».
لقد جاء يوماً
أبرهة لكي يهدم بيت الله، فانبرى الله يدافع عن بيته، دافع عنه بكلمة «كن»،
فانطلقت الطير الأبابيل من قاعدة «كن» الربانية، وليست من قاعدة «كيب كيندي»
الأمريكية التي يركع لها العرب، ولكن من قاعدة «كن» فيكون.
جاءت الطيور
الأبابيل بإذن ربها فدمرت الطاغوت، وصدق الله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ
{1} أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ {2} وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً
أَبَابِيلَ {3} تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ {4} فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ
مَّأْكُولٍ) (الفيل)، واليوم يتآمر أعداء هذا الدين من اليهود وأشياعهم، يتآمرون على مرقد
الخليل إبراهيم، وعلى المسجد الأقصى، ومن تآمر على المسجد الأقصى لا شك أنه يتآمر
على الكعبة ويتآمر على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الخاتمة والدعاء:
نشكو إلى الله
في اليوم الأخير من رمضان؛ اللهم إنا نشكو إليك ذل الطواغيت، اللهم إنا نسألك أن
تحرر المسجد الأقصى مسرى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ونسألك أن تحرر مرقد
الخليل إبراهيم، وأرض فلسطين المباركة، وأن تنصر إخواننا المجاهدين في أفغانستان
بقائد رباني يحكم بكتاب الله وتحرسه، شعاره الوحيد:
نحن الذين
بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً
فإذا هددوه
وتوعدوه صاح بهم صيحة خبيب:
ولست أبالي حين
أقتل مسلماً على أي
جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات
الإله وإن يشاء يبارك
على أجزاء شلو ممزع
اللهم لا تدع
لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا
شافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا
عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً إلا سترته وأصلحته، ولا مسافراً
إلا حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته.
اللهم نسألك أن تصلح ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأن
تصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. اللهم من أراد بنا وهذا البلد وسائر بلاد
المسلمين سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده. اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك
وبرك وإحسانك، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا
بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر
بالعـدل والإحسان وإيتـاء ذي القربى، وينـهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم
لعلكم تذكرون.
اذكروا الله
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.