الجمعة 10-أبريل-2026 - 22 شوّال ، 1447
فرحة الصائمين المؤمنين
التعريف بالخطبة:
يتحدث الشيخ
أحمد القطان رحمه الله عن فرحة الصائمين بتمام العبادة في يوم الجائزة، مستعرضاً
محطات الفرح الموعودة للمؤمن في رحلته الأخروية من سكرات الموت وحتى جنات النعيم،
كما يلقي الضوء على حسرة المفرطين والمنافقين، مختتماً بدعوات صادقة لأمتنا
الجريحة ونصرة المستضعفين في كل مكان.
عناصر الخطبة:
- بُشرى
العيد
- رائحة
أطيب من المسك
- مشهد
المحشر
- ظلمات
النفاق
- مَن
المطرودين عن الكوثر؟
- أبواب
الجنة.. مَن يفتح القفل؟
- هل
تبقى ضغينة في الفردوس؟
- الفرحة
التي تُنسي كلَّ نعيم!
المقدمة:
الحمد لله
بالإيمان، الحمد لله بالإسلام والقرآن والصيام والقيام، الحمد لله حمداً كثيراً،
وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً،
والحمد لله، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده،
ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
وأصلي وأسلم على
قدوتي إمام الصائمين، وإمام القائمين القائل: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ
يَفْرَحُهُمَا؛ فَرْحَتُهُ يَوْمَ فِطْرِهِ -وهذا يوم فطركم ويوم عيدكم وبارك الله
لكم فيه- وَفَرْحَتُهُ يَوْمَ لِقَاءِ رَبِّهِ» (أخرجه الخبارى، ومسلم)، وفرحة
اللقاء مع الله لا تعدلها فرحة، اللقاء مع رسل الله عند لحظات الموت فرحة عظيمة.
بُشرى العيد
أيها الأحباب..
النبي صلى الله
عليه وسلم يقول عن ملائكة الرحمن: «يَرَاهُمُ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ مَدَّ
الْبَصَرِ، بِيضَ الْوُجُوهِ، بِيضَ الثِّيَابِ، تَنْزِلُ رُوحُهُ مِنْ فَمِهِ
كَمَا تَنْزِلُ قَطْرَةُ الْمَاءِ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ» (أخرجه أحمد (18534)،
وأبو داود (4753))، ويوم العيد هو يوم الإفراج من سجن الدنيا، يوم أن ينتهي تشريدي
وتشريدك، حيث إننا لسنا في أوطاننا، إنما وطننا الأم جنات النعيم بإذن الله رب
العالمين، شردنا الشيطان يوم أن أبى أن يسجد للرحمن، فكيف يريد الشريد الطريد أن
يعود إلى وطنه وقد رفض أن يسجد للرحمن؟ الشيطان شرّد بني آدم بتشريد أبويهما؛ لأنه
رفض أن يسجد لآدم، فكيف يريد الشريد أن يعود إلى وطنه وهو يرفض أن يسجد لله؟
الحمد لله
بالصيام والقيام، والصلاة، فرحته العظيمة يوم أن تتلقاه الملائكة: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا
تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ {30} نَحْنُ
أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا
تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت)؛ سبحان الله، هذه أوائل فرحتك في لقائك مع الله، دائماً
قبل أن تلقى ملك الملوك يمهّد لهذا اللقاء بالرسل، وهم الملائكة الذين يرسلهم إليك
لقبض روحك أطيب وأجمل وأعذب وأريح ما يكون.
رائحة أطيب من المسك!
ولها رائحة أطيب
من رائحة المسك على وجه الأرض، تقول ملائكة السماء الدنيا: روح من هذه الطيبة؟
يقولون: روح فلان بن فلان بأحب الأسماء إليه في الدنيا، فيقول الله، يسمعونه وهو
فوق العرش: «أَيْ عِبَادِي، إِنِّي رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي فَأَفْرِشُوا لَهُ مِنَ
الْجَنَّةِ، وَأَرُوهُ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَاجْعَلُوا رُوحَهُ فِي
عِلِّيِّينَ» (مقتبس من حديث طويل في صفة قبض الروح، أخرجه أحمد، 18534)، فيا لها
من فرحة!
مشهد المحشر
وفرحته يوم لقاء
ربه على أرض المحشر، ماذا يقول الله عنها في أرض المحشر، ساعة الحساب؛ (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (المعارج: 4)، رؤوس الكفار منكوسة، ومعيشتهم
متعوسة، يقول الله سبحانه: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ
بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ {19} إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي
مُلَاقٍ حِسَابِيهْ {20} فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ {21} فِي جَنَّةٍ
عَالِيَةٍ {22} قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ {23} كُلُوا) (الحاقة)، نداء للصائمين كما قال عكرمة في تفسيره لهذه الآيات: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا
أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) (الحاقة: 24).
وإذا بهذا
المشهد يُختم بنداء الصائمين، من الله، كلوا واشربوا بما أسلفتم من صيام وجوع وظمأ
وترك للشهوات في أيامكم الخالية التي خلت وراءكم في دنياكم، فرحة ما بعدها فرحة!
ثم تكون الفرحة بعد ذلك عند الصراط وعند الحوض، ماذا يقول الله عن هذه الفرحة
الثالثة؟ (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم
بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {12} يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ
لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) (الحديد).
ظلمات النفاق
ماذا ينفع
المنافقين اليوم؟ انتهى رمضان، بدأ سريعاً وانتهى سريعاً، والآن في قلوبهم حسرة
وهم وضيق، لا يدري الواحد منهم هل يعيش إلى الآخر أم لا، وقلوب الصائمين الذين
سيتبعونه بست من شوال في غاية الانشراح والسعادة.
اسمع أحوال
المنافقين في الآخرة وهي كأحوالهم في الدنيا، ظلمات بعضها فوق بعض: (يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ
وَالْمُنَافِقَاتُ)؛ لماذا لم يقل: الكافرين والكافرات؟ لأن هذا المنافق
يتظاهر أنه صائم، ويسمعك: اللهم إني صائم، وهو يختفي في الحمام ويشرب السيجارة،
لهذا خص الله بذكر النور على الصراط، خص المنافقين حتى يبيّن من يتظاهر بالإسلام
يوم أن قال: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (أخرجه البخاري (1894)، ومسلم (1151))؛
لا يعلمه إلا الله.
يقول الله: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ
وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ
ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ
بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ {13}
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ
أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى
جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ {14} فَالْيَوْمَ لَا
يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ
هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الحديد).
حوضُ النبي.. مَن المطرودين عن الكوثر؟
والرسول صلى
الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ حَوْضِي مَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَعَدَنَ، أَكْوَابُهُ
عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، يَصُبُّ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ نَهْرِ
الْكوْثَرِ، يُذَادُ عَنْهُ رِجَالٌ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي أَصْحَابِي،
فَيَقُولُونَ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا،
بُعْدًا بُعْدًا» (أخرجه مسلم، 2301)، قالوا: كيف تعرفنا يا رسول الله بين هذه
الخلائق؟ قال: «تَأْتُونِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» (أخرجه
البخاري (136)، ومسلم (246))، يأتي المصلي محجلاً بالنور، نور في الجبين، ونور في
اليد، ونور في الرجل، فكيف يأتي من لا يصلي؟!
يقول الله
سبحانه: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن
يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ
نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
(التحريم: 8).
أيها الأحباب
الكرام..
هذه أنوار
القائمين وأنوار الصائمين في فرحتهم وهم يذهبون في ذلك اليوم إلى الله رب
العالمين، اليوم الذي بشر به محمد صلى الله عليه وسلم: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛
فَرْحَتُهُ يَوْمَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَتُهُ يَوْمَ لِقَاءِ رَبِّهِ». اللهم اجعل
حياتنا فرحة، ومماتنا فرحة، وحشرنا فرحة، ولقاءنا معك فرحة، ليست فرحة البطرين
الأشرين، إنما هي فرحة القائمين الصائمين الذاكرين الشاكرين.
أقول قولي هذا،
وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على محمد الصادق الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي
الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد، عباد
الله..
أبواب الجنة.. مَن يفتح القفل؟
اتقوا الله حق
التقوى، واعلموا أن فرحة المؤمنين تكتمل عندما ينطلقون فوق الصراط ويسبقهم محمد
صلى الله عليه وسلم عند باب الجنة يقرعها، فيقول رضوان: من؟ يقول: «مُحَمَّدٌ»،
فيقول: «لَكَ أُمِرْتُ أَنْ أَفْتَحَ» (أخرجه مسلم، 197)، وهنا قبل أن يدخلوا
الجنة ينزع الله الغل من صدور المؤمنين، فيلقيها على أبواب الجنة -خارج الجنة-
كمبارك الإبل.
تصوّر وتوهّم أن
قلبك -في الدنيا- بلغ فيه الغل مبلغاً، فتقطع والديك وأرحامك، وتقطع أصحابك، وتغضب
سريعاً، وتغتاب المسلمين، وتفعل ما تفعل حتى إنك قد تجرّد السيف على أخيك المسلم،
فينزع الله سبحانه وتعالى الغل من الصدور. فعليّ بن أبي طالب في معركة «الجمل» ينظر
إلى طلحة بن عبيد الله، ودموعه تتحدّر على لحيته وطلحة شهيد في ميدان القتال، في
الفتنة الكبرى التي دارت بين المسلمين، فماذا يقول؟ يتذكر هذه الآيات، يقول: «أسأل
الله أن أكون أنا وأخي هذا ممن قال الله فيهم: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً
عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ {47} لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم
مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ) (الحجر)، (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ) (الحجر: 49)»، والله إن هذه الآية الأخيرة لو رددتها عشر مرات لا تملك إلا أن تبكي؛
نبئ، النبأ: هو أعظم الأخبار، نبئ يا محمد عبادي أني أنا الغفور الرحيم.
هل تبقى ضغينة في الفردوس؟
أيها الأحباب
الكرام..
أيضاً عند أبواب
الجنة اسمعوا ماذا يقول الرحمن من الباب إلى الفردوس الأعلى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ
إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ
لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {73}
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ
نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر).
وهي فرحة لا تعم
المؤمنين فقط، فيحمدون الله على هذه النعمة فقط، وإنما هي فرحة تعم حملة العرش،
وتعم جميع الملائكة التي تحيط بالعرش، ومن حول العرش وقد استوى الله على العرش،
والسماوات والأرض والكرسي بالنسبة للعرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة، وحول العرش
العظيم ملائكة الله فما أكثرهم وما أعظمهم! فيقول الله سبحانه عن هذه الفرحة
العظيمة: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ
حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ
وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الزمر: 75).
وأما داخل
الجنة، فالصائمون لهم باب «الريان» يُنادى منه يوم القيامة: أين الصائمون؟ ادخلوا،
فيدخلون، فإذا دخلوا أغلق ولا يدخل بعدهم أحد، ومن شرب منه لا يظمأ بعد ذلك أبداً (أخرجه
البخاري (1896)، ومسلم (1152)).
والله سبحانه
وتعالى يصف لنا تلك الفرحة؛ يوم أن يلتفت الوالد فيرى الله قد أمر بإلحاق أبنائه
وزوجته معه في درجات الجنة، فإذا كنت في الفردوس رفع الأولاد إلى الفردوس، والله
سبحانه وتعالى لا ينزل الأعلى إلى الأدنى، فهو جواد كريم: ألحقوهم به، وهي فرحة ما
بعدها فرحة، ابنك يسافر للدراسة ثم يعود، انظر إلى فرحتك وشوقك للقياه، فكيف والله
يرفعه إلى الفردوس الأعلى وجنات النعيم؟!
يقول الله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ
وَنَعِيمٍ {17} فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ
عَذَابَ الْجَحِيمِ {18} كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
{19} مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ {20}
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا
بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ
امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ {21} وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا
يَشْتَهُونَ {22} يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا
تَأْثِيمٌ {23} وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ
مَّكْنُونٌ) (الطور: 17 - 24)؛ الغلمان: الخدم، الخادم كاللؤلؤة فكيف المخدوم؟
(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ
لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ {24} وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ {25}
قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ {26} فَمَنَّ اللَّهُ
عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ {27} إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ
إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور).
أين الآباء
والزوجات؟ الآباء والزوجات لهم شفاعة خاصة من حملة العرش، وحملة العرش الثمانية ما
بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام، يتوجهون مع جميع الملائكة الذين حول
العرش، ولا يعلم عددهم إلا الله يتوجهون بنداء واحد: يا رب، يا رب، يا رب، ألحق
الآباء، ألحق الزوجات بالمؤمنين الصالحين، ويستغفرون لهم، قال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ
حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ
لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ {7}
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ
آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ {8} وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ
فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (غافر).
الفرحة التي تُنسي كلَّ نعيم!
في نهاية هذه
الفرحات، وهي فرحة الفرحات، يوم يطلع الله إلى العباد في الجنات فيقول: «هَلْ
أَرْضَيْتُكُمْ عِبَادِي؟»، فيقولون: كيف لم ترضنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من
خلقك، فيقول: «الْيَوْمَ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ
أَبَدًا» (أخرجه البخاري (7518)، ومسلم (2829)).
يرفع حجاب النور
عن وجهه الكريم فينظرون إليه بعدما طال شوقهم إليه، وطالما ركعوا وسجدوا وصاموا
وصلوا، ورأوه بقلوبهم، والآن ينظرون إليه بأعينهم: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ) (القيامة)، ويقول: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ {22}
عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ {23} تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
{24} يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ {25} خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ {26} وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ {27} عَيْناً
يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) (المطففين).
أيها الأحباب
الكرام..
هذه هي الفرحة
التي ذكرها محمد صلى الله عليه وسلم للصائمين؛ فرحته يوم فطره، وفرحته يوم لقاء
ربه.
أيها الأحباب..
أهل الجنة ينسون
نعيمها للذة النظر إلى وجه الله، وفي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر
على قلب بشر (أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824))، يقول الله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا
أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
(السجدة: 17).
الخاتمة والدعاء:
اللهم إنا نسألك
أن تتم فرحتنا بتحرير «الأقصى» وفلسطين، اللهم أتم فرحتنا بهزيمة اليهود وأعوانهم،
اللهم أتم فرحتنا بتوحيد المسلمين، اللهم أتم فرحتنا في دنيانا وأخرانا يا رب
العالمين، وكما أدخلت السرور على قلوبنا في يوم عيدنا هذا فأدخل السرور على موتى
المسلمين في قبورهم. اللهم تقبل فيهم دعاءنا واستغفارنا إنك على ذلك قدير، اللهم
آنس وحشتهم، وارحم غربتهم، واغفر زلتهم، واقبل حسنتهم، وألحقهم بالرفيق الأعلى يا
رب العالمين. واجعل أرواح المسلمين المؤمنين في عليين، وإذا صرنا إلى ما صاروا
عليه، اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، وأمدنا فيها بالروح والريحان، والنور
والإيمان، والبر والرضوان.
اللهم أدخل
الفرحة على القلوب المنكسرة من الشعب الشريد شعب فلسطين، اللهم اجبر قلوب الأمهات،
والأطفال اليتامى، والشباب الحيارى، والرجال الذين ينتظرون طويلاً وطويلاً وطويلاً
للعودة إلى فلسطين.
اللهم إني أسألك
أن ترزقنا صلاة طيبة مباركة في «الأقصى» الشريف، إنك على ذلك قدير يا رب العالمين.
رب السماوات والأرض، أسألك أن تنصر إخواننا المجاهدين في أفغانستان، والفلبين، وفي
كل أرض يذكر فيها اسمك يا كريم، اللهم سدد رميهم، واجبر كسرهم، وفك أسرهم، واغفر ذنبهم،
وحقق بالصالحات آمالنا وآمالهم، واختم بالطاعات أعمالنا وأعمالهم. أسألك اللهم أن
تجعلنا فرحة في قلوب المسلمين، فرحة المنتصرين، فرحة الصادقين، فرحة المجاهدين
بتحقيق وعد الله، نسألك اللهم وعدك الذي وعدت إنك لا تخلف الميعاد؛ (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ
لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ
مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء: 7).
انطلاقاً من هذا
المسجد ومن هذا المنبر المدافع عن «الأقصى» إلى خنادق المجاهدين، وإلى منبر
الأقصى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعم الفرحة على جميع قلوب المسلمين آمين.
إن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم
تذكرون.
اذكروا الله
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وكبّروا الله على ما أعطاكم من فضل، ولتكبروا
الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون.
أقول قولي هذا،
وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.