الخميس 21-مايو-2026 - 4 ذو الحجة ، 1447

صور من رحمة الله

104
2026-05-20

التعريف بالخطبة:

يتحدث الشيخ أحمد القطان رحمه الله في هذه الخطبة المباركة عن عظمة خلق الله للإنسان ورحمته به، متأملاً في مراحل الخلق العجيبة من نطفة إلى إنسان سوي، مستعرضاً الآيات القرآنية الكريمة التي تصف هذا الخلق الإعجازي في ظلمات الرحم، مبيناً كيف أن هذا الخلق المتقن دليل قاطع على قدرة الله على البعث والنشور، داعياً المؤمنين إلى التأمل في نِعَم الله الظاهرة والباطنة وشكره عليها.

 

عناصر الخطبة:

  • من ظلمات الأرحام إلى زحام المحشر
  • لماذا قال الله "ويعلم مافى الأرحام" ولم يقل ومن؟
  • من يملك نفعك وضرك حقاً؟
  • نطفة ضعيفة.. تتحدى خالقها!
  • لماذا قدّم الكافر على المؤمن؟
  • ثمانون عاماً تصبح ساعة واحدة!
  • لماذا ذُكر الملك مع الظلمات الثلاث؟
  • أين الجد والجدة من حياة الأحفاد؟

 

نص الخطبة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى.

الحمد لله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، الحمد لله الذي خلقنا من عدم، وأسبغ علينا وافر النعم، كبرنا من صغر، وأطعمنا من جوع، وسقانا من ظمأ، وهدانا من ضلالة، وعلمنا من جهالة، وسترنا من عورة، وثبتنا في الفتن، أمننا في الفزع، صبرنا من جزع، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، حبب إلينا الإيمان وعلمنا القرآن، ورزقنا البيان، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه.

وأصلي وأسلم على قائدي وقدوتي وقرة عيني محمد بن عبدالله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، والصحابة أجمعين، والتابعين، ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.

وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق.

عباد الله..

إني أحبكم في الله، وأوصيكم بتقوى الله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).


أيها الأحبة الكرام..

الله سبحانه هو الكريم وهو الأكرم، هو الخالق، الذي قال في كتابه أول ما قال لنبيه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (العلق).

الله كريم، والله أكرم؛ (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق).

ومن كرم الأكرم سبحانه ذلك الخلق العجيب للإنسان، الذي يتفضل الله به ويبين أنه رحمة من رحمات الله، الرحمن الرحيم، ثم يأتي بصور لهذه الرحمة: (الرَّحْمَنُ {1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2} خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن)، رحمة بعد رحمة، بعد رحمة، فهو الرحمن.

ومن سور رحمته أن الخلق وكل دابة أصلها من ماء، وهنا يكون الإعجاز، هذا الماء الذي لا لون له، ولا ريح له، ولا طعم له، أوجد منه تلك الألوان، والصور، والروائح، والطعوم، والله خلق كل دابة من ماء، ويكون الإبداع عندما يخلقك ويخلقني، من هذه السلالة العجيبة.. طين.. متعفن.. يخرج منه إنسان سويٌّ، تعال معي إلى كتاب الله، بهذه المسلسلة العجيبة في الخلق.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ {12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) (المؤمنون)، وهنا قال عمر بن الخطاب وهو يستمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآيات: يا رسول الله، فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال بعده النبي صلى الله عليه وسلم مكملاً ما أنزل الله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون: 14).

ونطق عمر المحدث بالقرآن قبل أن ينطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، استجابت فطرته النقية إلى إتمام هذا المعنى الذي لا يتم إلا بتقديس الله وتسبيح الله؛ (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).

 

من ظلمات الأرحام إلى زحام المحشر

ثم، أيها الأحباب الكرام، لنستمع إلى عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وهو داخل الرحم بعلمه وقدرته وخلقه، يصور كل إنسان حسب صورته في ظلمات ثلاث، ظلام دامس، الإنسان ببصره لا يرى شيئاً، ولكن الله فوق سابع سماء يصور خلقه في جميع الأرحام بملايينها، من الإنس والجن، والوحش، والطير، ومخلوقات لا يعلمها إلا الله، صغرت، وكبرت، عظمت، ودقّت، كلها يعطيها صورها وتشكيلاتها وهي في الظلام؛ (إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء) (آل عمران: 5).

ولكي يعطيك دليلاً على أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ضرب لك المثل في خلقك؛ (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران: 6).

ولما تم التصوير، والولادة، يُترك هملاً عبثاً.. لا، جاء بعدها مباشرة تنزيل المنهج، الذي عليه يسير ذلك المخلوق؛ (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (آل عمران: 7).

فيا تعاسة وانتكاسة من خلقه الله ثم لم يأخذ بآيات الله المحكمات فيؤمن بها والمتشابهات!

ويوجه الله إلى الناس نداء إلى جميع الناس، كل الناس، في كل الأرض، في كل زمن، وكل جيل، يطالبهم بمطلب التقوى، وبمطلب صلة الأرحام، وبمطلب مراقبة الله الذي يُسأل به الناس جميعاً، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) هي آدم (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) هي حواء (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء) فقدم الرجال على النساء لأفضلية القوامة، والرعاية، (وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء: 1)؛ رقيباً: الذين يقطعون الأرحام، الله عليهم رقيب، الذين يصلون الأرحام الله عليهم رقيب، فاقطعوا ما شئتم، وصلوا ما شئتم، فهناك رقيب فوق السماء.

والله سبحانه يقول عن مدى العلم الذي يعلم كل دقيق، عندما يتخلق الإنسان في الرحم، يزيد يوماً،وينقص يوماً، تأتيه الدماء عن طريق حبل السرة، فتغذيه، وتخرج النفايات منه، ثم يزداد، تنقسم خلاياه انقساماً ثنائياً، ويبدأ ذلك الرحم الصغير، الذي بحجم قبضة اليد، أو حبة الكمثرى، يتمدد ويتمدد حتى يستوعب كل البطن، ويصل إلى الصدر، والإنسان يتمدد فيه داخل الكيس الذي فيه ذلك الماء النقي الطاهر، الذي يحفظه من جميع الميكروبات والفيروسات، ويكون وسادة ودعامة له إذا جاءته الصدمات، يسبح فيه ويتقلب فيه حتى يريد الله له.

إن هذه القدرة العظيمة في الزيادة والنقصان، يعلمها الله سبحانه، ثم يربط حقيقة عقيدية في هذه القضية، فيقول سبحانه: (اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ {8} عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ {9} سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ {10} لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) (الرعد)؛ أي بأمر الله، الله أمرهم أن يحفظوه، تسير في الطريق فتجتاحك السيارة، ثم تنتبه، وإذا ما بينك وبينها إلا شعرة.. من الذي دفع؟ الله تعالى بمعقباته التي أنزلها.

يصيب الإنسان المرض، فيعجز الأطباء، ويقررون: ما بقي عليك إلا أيام معدودات، فيرفع المريض طرفه إلى السماء، وتتمتم شفتاه بدعاء، يسبق وصفة الدواء، ثم ينزل من الله القضاء، وتعود الأجهزة تنقلب، والتقارير كلها إيجابية، وقد كانت منذ لحظات سلبية، ثم يخرج من المستشفى يضرب الأرض بقدميه، عليه بردان، للأرض منه وعيد، وجمعت، ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة.

(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) (الرعد: 11)؛ ليس هناك والٍ إلا الله.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ) (الحج: 5)، انظر إلى النقلة الهائلة ذلك الذي ينكر البعث، وأن الله يبعث العباد، ينقلك الله نقلة عظيمة، بينما أنت في رحم أمك تتخلق ثم تحيا ثم تموت، وإذا أنت في رحم الأرض، فيبعثك من رحم الأرض كما بعثك من رحم أمك.

رحم الأرض التراب؛ (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) (الحج: 5)، لهذا لا يستعجل الأطباء في العمليات الجراحية للوالدات، مستشفى الولادة يضيق، مستشفى أو مستشفيان لا يكفي، وأصبحت العمليات الجراحية كثيرة تدخل بعد ساعة تجرى لها عملية، لأن السرير تحتاجه امرأة أخرى، الله جعل لكل جنين أجلاً، لا يُستعجل عليه بعملية جراحية، ولكن ماذا نقول؟ وقد ضاقت المستشفيات، وأُلقيت الوالدات في الممرات، وكأننا في أيام حرب.

الله يقول سبحانه: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) (الحج: 5)، ثم نقلة عظيمة من رحم الأم وأحداثه، إلى رحم الأرض لكل الكائنات؛ (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (الحج: 5)، انظر إلى بلاغة القرآن الكريم وفصاحته، بالحركة، بالحرف، يجعلك تعيش معنى الكلمة، الاهتزاز لتربة الأرض عند نزول المطر، واهتزاز السنابل عند تحرك الريح، الاهتزاز سكون وحركة ثم سكون وحركة، أما النمو فهو حركة مطردة ثم تقف.

وتأتي الكلمتان في القرآن تعبران عن ذلك: «اهتزت» حركة وسكون، حركة وسكون، «وربت» ثلاث فتحات وسكون، وتأتي الحركة تؤدي دورها في كتاب الله؛ (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) لماذا كل هذا؟

اسمع الغاية من ذلك كله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {6} وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ) (الحج).

وبعد هذا الحق المنير، يوجد هناك أغبياء يجادلون: هل الله موجود أو غير موجود؟! ويحملون أرقى الشهادات، بروفيسور، أستاذ، دكتور، يعقب الله بعد هذه الأحداث العظيمة الدالة على وجوده، ولله في كل حركة وفي كل سكنة شاهد، وفي كل آية، ولله في كل آية تدل على أنه الواحد، يقول سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) (الحج: 8)، ونداء آخر إلى الناس: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) (لقمان: 33)، هذه النقلة الآن ليس إلى مستشفى الولادة، والزحمة، وإنما إلى زحمة أعظم، هناك، في أرض المحشر، إن كانت الأم في مستشفى الولادة، بعد الولادة والمخاض والدماء ما إن تسمع بكاء الطفل حتى تحتضنه ودموعها على وجهها فتنسى جميع الآلام، فإن المخاض العسير في أرض المحشر، يقول الله عنه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ {33} إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان).

 

لماذا قال الله "ويعلم مافى الرحام" ولم يقل من؟

ويكتشف العلم الحديث بواسطة المنظار والتلفاز الملون أنه أدخل كاميرا صغيرة داخل الرحم حتى توصل في بعض الحالات الشاذة إلى معرفة الذكر والأنثى، وهكذا يزعمون، وعقيدتنا أنه لا يعلم ذلك إلا الله، ولكن لو سلّمنا لهم جدلاً، وأخذنا نرد عليهم زعمهم، عندما قال الله: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ)، جاؤوا مستبشرين، وقالوا: قرآنكم باطل، قلنا: لم؟ قالوا: لأن الله يقول يعلم وقد اختص بعلم ما في الأرحام، وقد عرفنا الذكر من الأنثى، نقول: يا مساكين، ظلت هذه الآية 15 قرناً لا يعلم الذكر من الأنثى إلا الله، ولما اكتشفتم المنظار، جاء حرف واحد في هذه الآية يرد عليكم، الله لم يقل: «يعلم من في الأرحام»، إنما قال: (وَيَعْلَمُ مَا)، لو قال «يعلم من في الأرحام» لعنت الذكر والأنثى فقط، أما «مَا» هذه تفيد أنه يعلم عمره، وحياته، ورزقه، وشقي، أو سعيد، وعدد كريات الدم الحمراء والبيضاء، وعدد الخلايا، ولون عينيه، ولون شعره، وطوله، وقصره، وأنفاسه، وكل شأن من شؤونه وأنّى لكم أن تعرفوا ذلك وتعلموه.

(وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ)، لا إله إلا هو، فخسئوا، والقرآن دائماً يغلب لأن قوته من قوة الله، لأنه كلام الله.

 

من يملك نفعك وضرك حقاً؟

(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) (الفرقان: 54)، كلنا منتفعون، نسب، تناسب الناس، يصاهرونك، تنتفع بانضمام عائلة جديدة إليك، وانضمامك أنت إلى عائلة أخرى، ولكن أيضاً قد تكون فيها مضرة، قد تناسب إنساناً لا يليق، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (رواه الترمذي وحسنه).

إذن، الذي يملك النفع والضر في قضية الأنساب والأصهار من؟ إنه الله، ولا يستطيع إنسان أن يعيش بدون نسب أو صهر أبداً، مهزوز، لا سكن له، لأن الله خلق الزوج سكناً؛ (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).

ففي قضية النسب والصهر يقول سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً {54} وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً) (الفرقان).

إذن، يعبدون ما لا ينفعهم، ولا يضرهم، النافع الضار هو الله، المعطي المانع هو الله، الخافض الرافع هو الله، المعز المذل هو الله.

واسمعوا ربنا يسبح نفسه بنفسه، سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ) (يس: 36)، وأنت عليك أن تسرح بخيالك إلى الغابات بجميع أشجارها، ونباتاتها المتسلقة على الأشجار، والبراعم المنبثقة من الأغصان، والورود المنبثة بجميع ألوانها تستقي الضوء والحرارة من أشعة الشمس، التي تخرج داخل الأرض من حبة في الظلمات مقلوبة، فتظهر الرويشة تحت، والجذر إلى فوق، ثم يقلب الله الجذر فينحني إلى تحت فيشرب الماء، ويعيد الرويشة الخضراء لكي تستقبل الضياء والهواء، كل ذلك يقدره الله سبحانه من خلال جهاز التذكير والتأنيث في النباتات، ثم تنسحب الآية بعد ذلك إلى كل المخلوقات، من إنسان وحيوان وجان وحشرات، ثم بعد ذلك إلى عالم لا نعلمه، في عالم إلكترونات، والذرات والانقسامات، ثم ما وراء ذلك في الأرض في السماوات والمجرات؛ (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) (يس: 36).

ذلكم هو الله، الذي له تركعون وتسجدون، فتذوقو طعم العزة في السجود والركوع لرب لا إله إلا هو، ولا معبود سواه.

اللهم كما صنت جباهنا من السجود لغيرك، فاحفظ أيدينا من أن تمتد لأحد سواك، اللهم إنا نسألك عز الإيمان، وعز التوحيد، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، هب لنا عمراً مديداً، أنت الذي تهب عمر الأبد لأهل الجنة، واعمره في الصالحات الباقيات، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم.

وينقلنا الله بين سورتين، موقفين، لقطتين، اللقطة الأولى الإنسان وهو نطفة، وعندما أقول لك «نطفة»، فإن الإنسان في مائه المهين، في الدفقة الأولى، تخرج منه خمسة ملايين نطفة، لو حملت برأس الدبوس لحملت مليوناً، مليون إنسان على رأس الدبوس، واحد من النطف الهائل بملايينها، هو أنا وأنت.


نطفة ضعيفة تتحدى خالقها

هذه النطفة في ضعفها وعجزها أمامها سورة أخرى، الإنسان وهو فحل قوي يتحدى الله في قدرته على الخلق، قارن بين السورتين: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ {77} وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ {78} قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ {79} الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ {80} أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ {81} إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {82} فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (يس).

سبحانه، سبحانه، سبحان ربي ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة!

ويأتي العلماء بعد أن وضعوا النطف تحت المجهر الإلكتروني، فوجدوا أن نطفة الإنسان في ماء الإنسان تنقسم إلى نوعين؛ نوع يتسبب في الذكورة، ونوع يتسبب في الأنوثة، فيخرج من هذه النطفة، إذا لقحت البيضة المخصبة النازلة من قناة «فالوب» التي بعد ذلك تلتصق بالرحم وتكون الانقسامات الثنائية، إذا كانت هذه النطفة برأسها المدبب وصوتها الذي تسبح به من الأسفل إلى الأعلى في متاهات كالفضاء من النطف المذكرة كان الوليد ذكراً، وإذا كانت من النطف المؤنثة، كان الوليد أنثى.

الله ذكر هذه الحقيقة العلمية في كتابه فقال سبحانه: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى {45} مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى) (النجم).

من نطفة، إذا تمنى، خلق الزوجين، الذكر والأنثى، ذلك هو الله.

ثم انظر كيف يدفعنا الله إلى الإحسان عندما نعمل، لأنه هو المحسن، لا إله إلا هو، ومن علامات إحسانه أن هذا الطين العفن أوجد منه إنساناً سوياً جميلاً، إذن أحسنوا كما أحسن الله، قال سبحانه: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) (السجدة: 7).

وفي آية أخرى: (مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) (الحجر: 26)، المسنون هو المتعفن، الأسود المتعفن، لهذا الشيطان أبى أن يسجد لإنسان خُلق من طين متعفّن، لذا قال: نار، فالنار تطهر كل شيء، وتقتل الميكروبات.. قياس فاسد وقياس متكبر، أنت تطيع الذي خلق، ولا تقيس «أنا من نار وهذا من طين»، مع أن الطين أفضل من النار؛ لأن في الطين الحياة والحركة والإنتاج والإنبات، إلى آخره، والنار فيها الكبر والإحراق والدمار والرماد.

 

لماذا قدّم الكافر على المؤمن؟

الله سبحانه وتعالى يقول: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ)، استمع إلى هذه النعمة التي تصبح عليها وتمسي؛ (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ) (التغابن: 2)، الله أكبر، إذن كان بإمكان الله أن يخلقني يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، أو بوذياً، ما حيلتي؟ ما موقفي؟ كيف أهتدي؟ لكنه تفضل عليَّ فجعلني من أبوين مسلمين مؤمنين، فتحت أذني على التوحيد، وهما يؤذنان في أذني، ويسمعاني كلمة «لا إله إلا الله»، هذه نعمة لا تقدر بثمن؛ (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ)، وقدم الكافر على المؤمن للأكثرية، أكثر الناس كفار، أقل الناس مؤمنون، فلهذا قدم الأكثر على الأقل؛ (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13)، اللهم اجعلنا من الشاكرين.

(فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (التغابن: 2)؛ كأنه يقول: كما خلقتك مؤمناً، فاعمل عملاً صالحاً، فأنا بصير بعملك، وشكري أن تعمل العمل الصالح.

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (التغابن: 3)؛ نقلة هائلة بين خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وتصويره وإعطائه هذه الصورة الحسنة.

ويقول سبحانه عن الغاية من خلق الإنسان: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى {36} أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى {37} ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى {38} فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى {39} أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى) (القيامة)؛ بلى قادر، ثم تأتي بعد ذلك الآيات التي تنادي ذلك الإنسان المغرور، فيقول الله له بعد التسوية والتعديل: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ {6} الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ {7} فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) (الانفطار).

ويقول سبحانه: (وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً) (فاطر: 11)، لا إله إلا الله، ثم اسمع ماذا يقول الله سبحانه: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (فاطر: 11).

ويقوله سبحانه الذي يبين هذا الخلق العجيب في مراحله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (الروم: 54).

وبعد هذا العمر الطويل، ضعف ثم قوة، ثم ضعف، ثم شيبة، استنفد الإنسان عمره، 80 – 90 سنة، ثم يموت، ثم يبعث، وإذا هذا العمر الطويل يصبح أمام أهوال يوم القيامة ساعة، فيقول الله بعد هذه الآيات مباشرة: (مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ {54} وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) (الروم)؛ أين الثمانون سنة؟ أين المائة عام؟ مجرد ساعة.

 

لماذا ذُكر الملك مع الظلمات الثلاث؟

يخبرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن هذا السر العلمي الذي لم يكتشف إلا حديثاً، الرحم، وظلمة البطن، وظلمة الرحم، ظلمة الكيس الذي يحتوي على الماء الذي يحفظ الطفل داخل الرحم، ظلمات ثلاث؛ (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (الزمر: 6)، وذكر الملك هنا مع الخلق في الظلمات الثلاث يعطي إنذاراً لكل حاكم أو سلطان أو ملك أو طاغوت يحكم بغير ما أنزل الله، كأن الله يقول: أنا الذي خلقت في هذه الظلمات، فالتشريع تشريعي، والخلق خلقي، والأمر أمري، فالأمر الشرعي الذي يقول هذا حلال، وهذا حرام، ويجعل السن بالسن، والنفس بالنفس، والعين بالعين، والجروح قصاص، هو حكم الله الذي خلق، فهو الملك، وله ما ملك يتصرف به كيف يشاء.

فلا يحل لمخلوق أن يأتي بتشريع غير تشريع ملك الملوك، لهذا كان التعقيب: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)؛ إلى أين تصرفون؟ إلى أمريكا أو روسيا، إلى القانون الإنجليزي أو الفرنسي، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً) (غافر: 67)، انظر إلى الطفل الجميل وهو صغير، والقرآن يعبّر عنه فيقول: «طِفْلاً»، ويا فرحة الوالدين بالطفل عندما يولد، لا تعادلها فرحة في الدنيا!

(ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى) (غافر: 67)، وصل إلى مرحلة الخرف، ثم يفقد عقله، قال تعالى: (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر: 67).

 

أين الجد والجدة من حياة الأحفاد؟

ويقول سبحانه: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل: 72)، كبر الإنسان وأولاده تزوجوا وملؤوا البيت عليه بالأولاد، وابن الابن محبوب، وقد يكون أكثر من الابن، فولد الولد عزيز وحبيب، وله أُنس ولذة، وجمال في البيت لا يُقدّر، لهذا لما تفرقت الناس ذهبت هذه المتعة، كان الناس في البداية يجمعهم بيت واحد، فتجد فيه الجد والجدة والأب والوالد والابن والحفيد، وكلهم متماسكون، يأكلون في طبق واحد، ويشربون في إناء واحد، وفي جمال.

الآن اختلف الوضع، فما أن يتخرج الولد أول شيء يفكر فيه هو الاستقلال والخروج من بيت الأب، وعن الأب، ويبدأ الحفيد الصغير يتربى على من؟ على الهندية والخدامة، كان الحفيد في البداية يتربى على الجد والجدة، فالجد والجدة أرأف بالولد من أبيه وأمه، فالجدة تتوضأ أمام الحفيد، وتمسك المسبحة، وتقرأ القرآن، وتصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم، وتبدأ تذكر الله في الصباح وفي والمساء، يرى هذه الأشكال، فيبدأ ينشأ على التوحيد وعلى الدين.

والآن أين الجد والجدة؟ إما في مأوى العجزة، أو في بيت «حاطط» لهم هندياً أو هندية، خادمة وسائقاً؛ خادمة تزجرهم في الليل والنهار، إلا من رحم الله، وقليل ما هو!

الله يمنّ علينا فيقول: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً) مبروك عليك الزوجة؛ (وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ) الحمد لله على سلامة الولادة، وبعد ذلك قال: (وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) (النحل: 72).

أفبالباطل الذي عليه الناس يؤمنون، وبهذه النعمة العظيمة يكفرون؟!

 

الخاتمة والدعاء:

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك، آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، أنت الذي ناديتنا في كتابك: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 21).

فلنقل أجمعين: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، لبيك، لبيك، وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك.

اللهم أصلح أرحامنا، وأولادنا، وأزواجنا، وذرياتنا، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، واجعله عقباً صالحاً لا ينقطع، وأدخلنا الجنة، وألحقهم معنا في الجنة، إنك على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلى شافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته.

اللهم إنا نسألك تحرير الأقصى وفلسطين، ونسألك نصرة المجاهدين في مخيمات الفلسطينيين، اللهم عليك بمن يقاتلهم، احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم صن دماءهم، واحقن أموالهم ودماءهم، اللهم إني أسألك أن ترينا في أعدائك في لبنان وفي فلسطين والأفغان عجائب قدرتك، اللهم جمّد الدماء في عروق أعدائنا وأعدائك، اللهم إنا نسألك صلاة في الأقصى، غير خائفين ولا وجلين، من أعدائك يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، سدد رميهم، واجبر كسرهم، وفك أسرهم، واغفر ذنبهم، وارحمهم برحمتك الواسعة، حقق بالصالحات آمالهم، واختم بالطاعات أعمالهم، إنك على ذلك قدير، اللهم إخواننا الشهداء أكرمهم، والغرباء ثبتهم، والمأسورون فك أسرهم، إنك على ذلك قدير.

ربنا لا تجعل جمعنا هذا إلا جمعاً مرحوماً، ولا تجعل من بيننا شقياً ولا محروماً، هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تحميل