السبت 16-مايو-2026 - 29 ذو القعدة ، 1447

توبوا إلي الله

68
2026-05-02

التعريف بالخطبة:

خطبة مؤثرة قوية للـتوبة والإنابة قبل فوات الأوان، تُركّز على أهوال يوم القيامة

 (الواقعة الخافضة الرافعة) وكشف الأعمال (الهباء المنثور للرياء)، وتُحذر من المكر الإلهي، وتختتم بتوجيه رسالة للناس لأجمعين بالتوبة قبل نداء: "لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ"

عناصر الخطبة

التحذيـــر من أهــــوال يـوم القــيامة

كيف تحول الأعمال الصالحة إلى هباء منثورا؟

خطاب الله إلى الثقلين وشدة الحساب

شــروط التــوبة الأربـعـة

سؤال الصادقين عن صدقهم

نص الخطبة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، الحمد لله ملك الملوك، وكل الملوك عنده عبيد، الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه

الحمد لله الذي رأى أهل الجنة فضله فبدؤوه بالحمد فقالوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر: 74)

ولا يزال الله في الجنة يصعّدهم درجات فوق درجات، وفضل منه ورحمات، فلما رأوا أن فضله قائم، ونعيمه دائم، لا ينقطع ولا يزول، فكما ابتدؤوا بالحمد، انتهوا بالحمد (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (يونس: 10)

وصلى الله على محمد النبي الرسول صلى الله عليه وسلم اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وأوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً، برحمتك يا أرحم الراحمين.

التحذير من أهوال يوم القيامة

أما بعد:

 عباد الله استمعوا إلى الجبار وهو يقول: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ {1} لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ {2} خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ) (الواقعة)، فكم من مخفوض في الأرض مرفوع عند الله! وكم من مرفوع في الدنيا مخفوض عند الله! فاحذروا الخافضة الرافعة، إنما يرتفع الناس بالطاعات؛ (أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ) (البقرة: 5)، وإنما ينخفض الناس بالمعاصي؛ (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا {14} وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) (الشمس)

أيها الأحباب الكرام:

من القائل: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ {12} وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ {13} عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ) (التكوير)؟

من القائل: (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ {1} وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ {2} وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ {3} وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ {4} عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) (الانفطار)؟

من القائل والإنس والجن والملائكة عنده صامتون ساكتون خاشعون؟

من القائل سبحانه وتعالى: (لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) (النبأ: 38)

يوم أن تنقطع الأماني وتطيش الأحلام، وتصبح أماني الكافرين أن يكونوا تراباً؛ (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً) (النبأ: 40)  

من الذي سيفجر جبال الأعمال؟ أكثر الخلائق ستأتي بأعمال كالجبال من الحسنات بيضاء، وسيأتون في طياتها رياء ومدحاً وثناء وشركاً، فيفجر الله أعمالهم كلها، ولا يبالي؛ (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً) (الفرقان: 23)

كيف تحول الأعمال الصالحة إلى هباء منثورا؟

قال صلى الله عليه وسلم: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات كأمثال جبال تهامة بيضاء، يجعلها الله هباء منثوراً، أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، لكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها»، هذا داؤهم، وهذا مرضهم، نظروا إلى الله في خلوتهم فجعلوه أهون الناظرين إليهم، ونظروا إلى الخلق في مراقبتهم فقدموا لهم الخشوع والخضوع وتزينوا أمامهم بالطاعات، عمّروا ظواهرهم، وقرّبوا بواطنهم، فدمر الله أعمالهم يوم القيامة، وهم في أمسّ الحاجة إليها؛ (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ {88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء)

خطاب الله إلى الثقلين وشدة الحساب

استمعوا، أيها الأحباب الكرام، إلى خطاب موجّه إليَّ وإليكم وإلى الجن، وهل نستحق أن يقول الله فينا يوم القيامة: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ) (الرحمن: 31)، ومن يتحمل أن يقول له: سأفرغ لك يوم القيامة؟

من القائل، أيها الأحباب: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً) (مريم: 71)؟ فكان الصحابة يبكون ويقولون: لقد علمنا أننا على النار واردون، ولم نتيقن أننا منها ناجون، وكان فيهم المبشرون بالجنة، وأهل «بدر»، وأصحاب «الرضوان»، و«بيعة الشجرة»، وأصحاب «الفتح»، وأعلن الله رضاه عنهم (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (البينة: 8)، وكل واحد منهم يقول: يا ليتني تبنة، يا ليتني بعرة، يا ليتني شعرة! يخافون مكر الله في الخواتيم، إنما الأعمال بالخواتيم عباد الله.

شروط التوبة الأربعة:

أيها الأحباب:

 الله يشترط شروط التوبة على التائبين، كثير من الناس يظن أن الجنة وكالة بلا بواب، قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) (طه: 82)

أربعة شروط يعجز عن كل واحد منها الثقلان، إلا بتوفيق الله، تاب، ولا يتوب عليهم إلا بتوفيقه (تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ) (التوبة: 118)، وآمن؛ «ولا يهدي إلى الإيمان إلا هو»، وعمل صالحاً؛ ولا يحبب العمل الصالح ويقبله إلا الله، ثم اهتدى؛ استمر على الهداية إلى أن يلقى الله

أيها الأحباب الكرام: إلى ذلك المسكين الذي يلطخ نفسه بالذنوب ولا يبالي، لا تنظرن إلى صغر ذنبك، ولكن انظر إلى عظمة من تعصيه، لا تنظرن إلى صغر هدية ربك، إلى نعمة تظنها صغيرة أو حقيرة، ولكن انظر إلى عظمة الذي أهدى إليك، وذكرك بهذه النعمة

إن مثل الموغل في الذنوب كمثل ذلك الذي خرج يوم العيد بثوب جديد وهو يسير في أرض موحلة، مستنقع الماء والطين، فهو يجمع ثيابه، ويمشي بحذر، حتى لا تنزل على ثوبه قطرة، ولكنه إذا انزلق ووقع في الطين، بعد ذلك لا يبالي، سيخوض بثوبه في الماء والطين خوضاً

هذا مثل العاصي في أول معصية، فإذا لم يتب خاض في الذنوب خوضاً، وقد كان الناس وثوبه جديد يسلّمون عليه ويحتضونه على الصدور، فلما تلطخ بالذنوب والمعاصي ابتعدوا عنه كما يبتعدون عن المتلطخ بالطين والأوحال، لا يسلّم عليه إلا من تلطخ بالطين والأوحال مثله.

عباد الله:

تذكّروا هذا جيداً، فجددوا التوبة، وأكثروا من الاستغفار حتى تأتوا يوم القيامة، وقد امتلأت صفحاتكم بالاستغفار، وصاحبوا من يخوّفكم، ولا تصاحبوا من يؤمّنكم، صاحبوا من يخوّفكم حتى يلحقكم الأمن عند الله، ولا تصاحبوا من يؤمنكم بالذنوب حتى يدرككم الخوف عند الله ولا منجى إلا بتوفيق.

سؤال الصادقين عن صدقهم

عباد الله:

استمعوا إلى الله سبحانه، لا يسأل المذنبين عن ذنوبهم، ولا العاصين عن معصيتهم، إنما يسأل الصادقين عن صدقهم، الصادق الصديق يوقفه الله ويسأله، لا يسأله عن ذنبه، وإنما يسأله عن صدقه، ماذا أراد بهذا الصدق؟ هل أراد به السلطان، أم أراد به الله سبحانه وتعالى رب العالمين؟ (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ) (الأحزاب: 8)

أيها الأحباب:

توهّم نفسك وأنت في الخلق عند الله: (وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) (طه: 108)

أين موقعك؟ (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) (طه: 111)

أين أنت؟ والله سبحانه وتعالى يقول للذين يعبدون ويوحدون ويصومون ويصلون: (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف: 99)

نعم أيها الأحباب، استمعوا إليه وهو ينادي:

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ {24} وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال)

واذكروا يا أهل الكويت.. يا أهل النعم.. تجبى إليكم الثمرات من كل مكان

(وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الأنفال: 26)، اشكروا الله، واحمدوا الله، وأثنوا على الله

اللهم عزّ جارك، وجل ثناؤك، لا إله إلا أنت، من هنا، ومن على منبر الدفاع عن المسجد الأقصى، أوجه رسالة إلى جميع الملوك والسلاطين، أقول لهم: توبوا إلى الله رحمة بكم، توبوا إلى الله.. توبوا إلى الله.. قبل أن ينادي ملك الملوك: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) (غافر: 16)، فلا يجيب منكم أحد، ولا يتكلم منكم أحد، ردوا الأموال المنهوبة، احقنوا الدماء المسكوبة، عدّلوا الأوضاع المقلوبة، توبوا إلى الله، لا تتآمروا على مقدساته، ولا أوليائه، ولا عبيده وخلقه، ما دمتم أحياء فالفرصة أمامكم، وهو القائل لعتاولة الكفر من أمثالكم: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) (الأنفال: 38)، والله قادر على ذلك لا إله إلا هو، وباب التوبة مفتوح، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي من ضل منا إلى التوبة

اللهم ألّف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأهدنا سبل السلام، ورد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى والصدق والإخلاص واليقين والمعافاة، والعلم النافع والعمل الصالح.

اللهم اجعل الدنيا بأيدينا ولا تجعلها في قلوبنا، وارزقنا منها ما تقينا بها فتنتها، واجعل حظنا الأكبر والأوفر يوم لقائك

اللهم إنا نسألك بعزك وذلنا بين يديك إلا رحمتنا، وبقوتك وضعفنا إلا قويتنا، وبغنائك عنا وفقرنا إليك إلا أغنيتنا

هذه نواصينا الخاطئة بين يديك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، عبيدك سوانا كثير، وليس لنا رب سواك، نسألك مسألة المسكين، ونبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه يا أرحم الراحمين، يا من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، اكشف ما بأمتنا من سوء

اللهم عليك باليهود وأعوانهم، والنصارى وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، احصهم عدداً، ولا تغادر منهم أحداً

اللهم من أراد بنا وبالإسلام سوءاً فاشغله في نفسه، اللهم من أراد بنا والإسلام سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدبيره تدميره، واجعلنا في ضمانك وأمانك، وبرك وإحسانك، واحرسنا بعينك التي لا تنام، وبركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين

نعوذ بك اللهم أن نذل في هداك، أو نذل في سلطانك، أو نقهر أو نضطهد، أو نعذب أو نفجر أو نبتلى أو نشهر أو نفتضح والأمر إليك وحدك لا شريك لك

استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، يا رب العالمين هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ندفع بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، فأنت ملاذنا، ومعاذنا، ونصيرنا، وحسبنا ومولانا، فنعم المولى ونعم النصير

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون

فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون

 

تحميل