السبت 13-يونيو-2026 - 27 ذو الحجة ، 1447

الهجرة ... السر الذى غير التاريخ

104
2026-06-12


التعريف بالخطبة:

تتناول الخطبة حادثة «الهجرة النبوية» بمنظور مغاير للمألوف؛ إذ يرفض الشيخ رحمه الله اعتبارها مناسبة للاحتفالات التقليدية، بل يراها حدثاً تأسيساً لبناء الدولة والجيش والقيادة.

ويركز بشدة على الجانب التشريعي والعسكري في التعامل مع اليهود في المدينة المنورة (يثرب)، ويسقط تلك الأحداث التاريخية ونصوص «صحيفة المدينة» على الواقع السياسي المعاصر والصراع في فلسطين، داعياً إلى وحدة الأمة الإسلامية، ونبذ القوانين الفرقة والاختلاف.

 

عناصر الخطبة:

  • كيف نحتفل بالهجرة؟
  • لماذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى معقل اليهود؟
  • كيف رسمت الهجرة خارطة الطريق؟
  • لماذا لم يتكلم الحجر والشجر حتى الآن؟
  • شروط السلام مع اليهود.
  • بنود الدستور النبوي (صحيفة المدينة).
  • إستراتيجية الحسم النبوي مع ملف اليهود.

 

نص الخطبة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أثقل بها الميزان، وأحقق الإيمان وأفك الرهان، وأخسئ الشيطان.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق.

عباد الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وإذا أردتم النصر والرزق فطبقوا قوله تعالى على أنفسكم: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

وإذا خفتم على أولادكم، فتذكروا قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً) (النساء: 9).

 

ثناء ودعاء

اللهم أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك الكريم، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم.

اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين، خلقتنا من عدم، وأسبغت علينا وافر النعم، كبرتنا من صغر، أطعمتنا من جوع، شفيتنا من مرض، سترتنا من عورة، هديتنا من ضلالة، علمتنا من جهالة، كثرتنا من قلة، رفعتنا من ذلة، ثبتنا من فتنة، حببت إلينا الإيمان، زينته في قلوبنا، علمتنا قراءة القرآن، علمتنا البيان، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

 

كيف نحتفل بالهجرة؟

عباد الله..

ويبدأ العام الهجري الجديد باحتفالات، الدول الإسلامية تحتفل بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهجرته ليست احتفالاً، إنما هجرته انتصاراً وجهاداً ودولة وجيشاً وقيادة وقدوة وصلاة وزكاة وأمراً بمعروف ونهياً عن منكر، ونصرة لمظلوم، وأخوة إيمانية يعيش تحت ظلها جميع المسلمين.

فمن أراد أن يحتفل بالهجرة احتفالاً صادقاً يقبله الله، فعلى جميع الدول الإسلامية أن تعقد مؤتمراً إسلامياً عالمياً، يشهده أهل الحل والعقد، ليختاروا عليهم خليفة ربانياً، يسمع كلام الله، ويسمعهم وينقادوا إلى الله ويقودهم، وأن ينقل ذلك على الهواء؛ لأن المعني في ذلك هم المسلمون، فلا يجوز أن يُفعل سراً وخفاء في قضية مصير، وأن القمر الصناعي «عرب فساد» الذي عودنا دائماً وأبداً أن ينقل الحفلات والأغاني للمطربين والمطربات، فيغطي هذا المؤتمر العالمي، لكي يصحح مساره في الفضاء ويصدق أخباره، وقد أنفقوا عليه من أموال المسلمين الملايين، ولا يزالون، ولم يستفد منه مسلم واحد، وإنما استفاد المطربون والمطربات، والممثلون والممثلات، وهواة الكرة.

 

لماذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى معقل اليهود؟

الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر، من أذن له بالهجرة؟ الله تعالى، وكان في هجرته بطل شجاع آخر من هاجر من مكة هو محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن جباناً رعديداً فيجعل هجرته فراراً، إنما ترك أصحابه يهاجرون إلى أين؟ إلى معقل اليهود، هجرته لم تكن في بني شيبان، ولم تكن هجرته في بني طيء، ولم تكن هجرته إلا في معقل يهود، الذين جاؤوا بعد انهيار سد مأرب، وحلوا على أرض أهل يثرب، يقولون للأوس والخزرج: أظلنا زمن نبي يُبعث فينا يأمرنا بذبحكم كما ذُبحت إرم وعاد.

اليهود يخططون لإبادة كاملة للعرب، يبدؤون بالأوس والخزرج، ثم ينسحبون بهذه الإبادة على جميع القبائل العربية في الجزيرة العربية، وإنما ينتظرون فقط أمر ذلك النبي والرسول المنتظر.

والرسول صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك منهم، يعلم لو أنه ذهب إليهم، وانضم إلى يهوديتهم ورفع مشاريع السلام راضخاً ذليلاً بين أيديهم، معتمداً على مؤامراتهم وسحرهم وكيدهم ومكرهم، لكي ينتصر على المشركين العرب، وهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن اليهود أعلنوا قبل كل العرب أنهم سيقاتلون تحت رايته بشرط، أن يأمرهم بإبادة الأوس والخزرج وكل العرب، سوى اليهود.

ومع هذا، وأمام هذا الإغراء العسكري والاقتصادي، والسياسي، أبى صلى الله عليه وسلم إلا أن يتلقى الأمر من الله، لا يتلقاه من أحد سواه، ولو كان اليهود هم الأكثر في يثرب، وهم الأقوى والأغنى، تحت قبائلهم الثلاث؛ بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وأثرياء خيبر، أبى إلا أن يضع يده بيد المهاجرين الفقراء، كأمثال صهيب، وعمار، وخباب، وبلال، الذي ليس له طعام إلا ما انطلى عليه إبطه، يأكل منه هو والنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يضع يده بيد الأنصار، أنصار الله ورسوله، على قلتهم، واليهود كانوا عشرة أضعاف الأنصار.

ذهب إلى القليل الكثير بالله، وترك الكثير، الذين خيبهم الله وأخزاهم الله.

 

كيف رسمت الهجرة خارطة الطريق؟

الزعامات العربية اليوم، مع الأسف الشديد، تفهم من الهجرة احتفالات، إنما الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر ماذا علمه الله، علمه دعاء قرآنياً يقول فيه: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ)؛ أي في المدينة، (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ)؛ أي من مكة، (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً) (الإسراء: 80)، سلطاناً نصيراً تحت ظل لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

إننا الآن نطالب بهذه الدولة التي أنشأها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الإيمان والإسلام والأخوة، نطالبها بعد انعقاد مؤتمر إسلامي توحد فيه القيادة المسلمة، والجيوش المسلمة، والدولة المسلمة، فتتساقط كل الحدود، فتصبح وثيقة المسلم وجواز سفره أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن هويته:

نحن الذين بايعوا محمداً      عـلى الجهاد ما بقينا أبدا

والرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر بإذن من الله كان مهاجراً من أجل القتال والجهاد، لا يظن الناس أن هجرته ذهب ليملأ بطنه طعاماً، وعينه مناماً، لا.. إنما لم يذق طعم الراحة إلا في الصلاة، وكان يقول لبلال: «أرحنا بها يا بلال».

ويخوض في الطين والتراب وهو يبني المسجد، وعليّ يرتجز في الصحابة:

إن كـنـا نـقـعـد والـنبي يعـمـل     فـذاك مـنا الـعــمـل الـمـضـلل

أمة عمل، وأمة جهاد، وهوايتها جمع الغبار في سبيل الله، ولنستمع ماذا يقول الله سبحانه وتعالى عن هذه الحقيقة التي يجب أن يعيها المسلمون حكاماً ومحكومين في زمن ترفع فيه المشاريع؛ مشاريع الذل والعار والشنار مع يهود الذين ذبحوا المسلمين في فلسطين، وفي لبنان.

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ {39} الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) (الحج)، فيبين الله أهداف دولة الإسلام، أنها تحفظ التوازن على الأرض، وتكسر رأس كل ظالم، كل ظالم وباغ ومتكبر، فقال تعالى عن هذه الدولة العظيمة التي أنشأها النبي صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ) (الحج: 40) لذهب دين اليهود، ولذهب دين النصارى، ولذبحة البشرية كلها على أيدي الظالمين الطغاة، ولكن الله بالإسلام ورحمة الإسلام حفظ للبشرية توازنها، فلم تقم حرب عالمية تبيد الناس، لا أولى ولا ثانية، ولم تهددهم ثالثة، هذه دولة الإيمان ودولة القرآن، إنما نشروا الإسلام بنوره، وفضله وبره في العالمين؛ (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ {40} الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج).

ليست لأمريكا ولا لروسيا عاقبة الأمور، إنما هي لله الواحد القهار.

هكذا تعلمنا الهجرة النبوية هذا الدرس العظيم، لله عاقبة الأمور، دائماً وأبداً في القديم والحاضر والمستقبل ويوم الدين،

 

لماذا لم يتكلم الحجر والشجر حتى الآن؟

واليوم ومع الأسف الشديد مآسي المسلمين كثيرة، يشكونها إلى الله، لمن نشكو مآسينا؟ نشكوها إلى الله، لا هيئة الأمم، ولا مجلس العفن، وعندما تغرينا الدنيا والحضارة الزائفة، وليس هناك فرق بين حضارة أمريكا وروسيا، وحضارة اليهود في يثرب، المنبع واحد!

الأوس والخزرج يوم أن كانوا قوميي العرب كانوا يتقاتلون ويتذابحون كتذابح العرب اليوم، كل واحد له أيديولوجية معينة، يريد أن يفرضها على أخيه، مع أن الأوس والخزرج أمهم واحدة، أمهم اسمها «قيلة»، ويأبى الله إلا أن يقيم الحجة على اليهود.

لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة، كان الأنصار يخرجون من الصبح إلى الضحى ينتظرونه، فإذا احترت الشمس عادوا إلى بيوتهم، إلا يهودي واحدا، يهودي مجرم، جلس على قلعة، على أطم، في الشمس في الحر، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر رضي الله عنه، صاح اليهودي بأعلى صوته، صيحة قومية، اليهودي يعلم أن الأوس والخزرج اسمهم الأنصار، لم يقل: يا معشر الأنصار، إنما قال: «يا بني قيلة»، هذا جدكم، ونصيبكم، وحظكم، قد وصل.

يا بني قيلة، نفس الشعار، ونفس النداء، الذي ينادون به اليوم، وما دام النداء يا بني قيلة، وليس يا أنصار الله، ويا أنصار رسول الله، يا مسلم يا عبد الله، لن يتكلم الشجر، ولن يتكلم الحجر، فيقول: يا مسلم هذا يهودي خلفي فاقتله.

اليهود يعرفون هذه الحقيقة، أن نصرة الأنصار في الدين، ونصرة الله ورسوله.

قال: يا بني قيلة، هذا جدكم أي حظكم قد وصل، فخرجوا يستقبلونه صلى الله عليه وسلم.

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فارحم المهاجرين والأنصار، تصحيحاً لأرجوزة المهاجرين عندما قالوا:

اللهم لا عيش إلى عيش الآخرة    فـارحـم الأنصـار والمـهاجــرة

قدموا الأنصار على المهاجرين، حفاظاً على القافية، وحفاظاً على العروض الشعري، والوزن الشعري، ولكن الإسلام لا يعتبر أمام انقلاب القيم والموازين بأي عروض أو موازين أخرى، بل صحح النبي صلى الله عليه وسلم مسار هذه الكلمات وقد خرجت من أفواه المسلمين، وقدّم المهاجرين على الأنصار، فقال:

اللهـم لا عـيـش إلا عيـش الآخـرة    فـارحـم المـهاجـــرين والأنصــار

لأن المهاجرين متقدمون في الإسلام على الأنصار، وهكذا الرسول صلى الله عليه وسلم يضع الناس في مراتبها، وفي أماكنها عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، الذي لم يجامل أصحابه بكلمة وبيت من الشعر لا يجامل أحداً على حساب الحق.

وسترون في المعاهدة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل يثرب، من الأوس والخزرج، واليهود.

أيها الأحبة..

إننا نطالب بقائد رباني يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وإن لم يكن من بينهم، فإن الله قادر على إيجاده، والله غالب على أمره، فلا تيأسوا، ولا تيأسوا من روح الله.

أيها الأحبة الكرام..

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وأسأل الله أن يجعل عامكم هذا عام خير وبر ونصر، وجهاد وبركة، هو ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى أصحابه والتابعين ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

 

شروط السلام مع اليهود؟

الرسول صلى الله عليه وسلم أقام دولة الإيمان بين اليهود لكي يأوي إليها كل ضعيف، وكل مسلم، كل مؤمن، والمستضعفون في الأرض اليوم كثير، ولكن ليس لهم دولة كدولة محمد صلى الله عليه وسلم، يأوون إليها إنما معظمهم في السجون والمعتقلات، وأغلبهم عُلقوا على المشانق، وراحت قوافل الشهداء إلى الله، هناك أرض أفغانستان يحاول المجاهدون إقامة مثل هذه الدولة، ولكن المؤامرة الكبرى التي يقودها البيت الأبيض والبيت الأحمر تريد الفتنة في الأرض، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) (البقرة: 193) لله وحده لا إله إلا الله.

أيها الأحبة الكرام..

نحن على استعداد أن نعاهد اليهود، ولكن بشرط:

الشرط الأول: أن ينسحبوا من أرض فلسطين، وأن يعودوا أهل ذمة، وأن يدفعوا الجزية إلى إمام المسلمين وهو يصلي في «الأقصى» بالمسلمين عن يد وهم صاغرون، وأن يحضروا كل مجرم حرب منهم قتل مسلماً لكي نقيم عليه الحد، كما فعل أبو بكر في أهل الردة، وكما فعل في اليهود الذين خانوا العهد في خيبر، فأجلاهم ولم يبق يهودياً واحداً في جزيرة العرب.

 

بنود الدستور النبوي (صحيفة المدينة)

والرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة عقد عقداً وعهداً في صحيفة، أنقل لكم بعض مواد الدستور النبوي صلى الله عليه وسلم، لتعلموا كيف كان يدوس العنصر اليهودي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يصلحهم إلا هذا الأسلوب.

قال عليه الصلاة والسلام وهو يدعّم الجبهة الداخلية في دولته، وأمضى سلاح نضعه في يد عدونا هو فرقتنا وتمزقنا وخلافنا على جميع المستويات، ابتداء من الحكام وانتهاء بالجماعات الإسلامية التي تنادي بالحكومات الإسلامية، قال صلى الله عليه وسلم في ميثاقه التاريخي الخطير: «إن المؤمنين المتقين على من بغى منهم»؛ أي واحد منهم يبغي ينحرف عن الدولة الإيمانية الإسلامية، الجميع يقفون ضده لكي يعود إلى حياض المسلمين.

ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «أو يبتغي دسيعة ظلم»؛ دسيعة يعني عظمية، عظيمة ظلم يعني يريد أن يظلم، «أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين».

وهل هناك أعظم من هذا الإثم والعدوان والفساد بين المؤمنين بهذه المناهج الهدامة، وبهذه الجولة التي تجسم في فلسطين، وبهذا الاستعمار الفكري الثقافي الذي يعصف في توحيد المسلمين وعقديتهم؟!

ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم»؛ لو كان الباغي ولد هذا المؤمن، فالجميع عليه، لا محاباة.

«ثم لا يقتل مؤمن مؤمناً بكافر»؛ إذا المؤمن قتل كافراً لا يُقتل المؤمن بالكافر، بأي حق يُقتل سليمان خاطر عندما قتل اليهود؟ بأي حق يُقتل خالد الإسلام بولي عندما قتل معاهد اليهود؟ سليمان خاطر وأمثاله عندهم ضمان وأمان من صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي هي مطلقة الزمان، مطلقة البشر، مطلقة المكان إلى يوم القيامة.

ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «ولا ينصُر كافراً على مؤمن» وكل مشاريع السلام هي لنصرة الكافر على المؤمن.

ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأن اليهود ينفقون على المؤمنين ما داموا محاربين» الله أكبر، المؤمنون ما داموا يجاهدون نصف ميزانية المؤمنين على اليهود ينفقون على المؤمنين ما دام المؤمنون محاربين واليهود أهل ذمة.

ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «لليهود ديتهم»؛ أي اليهودي يقدم دية اليهودي.

ثم يقول: «وللمسلمين ديتهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوبغ إلا نفسه وأهل بيته»؛ أي: أي ظلم يظهر من يهودي يهلك نفسه، ويهلك أهل بيته، دون شفقة ودون رحمة، وهكذا فعل بهم عليه الصلاة والسلام في بني قريظة عندما أوبغوا أنفسهم، أبادهم صلى الله عليه وسلم في السوق، أمر بحفر الخنادق في السوق، والناس تبيع وتشتري، ويؤتى باليهود عشرة، عشرة يوضعون على الخندق ومحمد بن مسلمة بيده سيف، وعلي بن أبي طالب بيده سيف، ويعرضون عليهم الإسلام العرض الأخير، فإذا أبوا قطعوا رؤوسهم، حتى قتلوا كل محتلم، يكشفون عن سوأته، فإذا أنبت الشعر في عانته قطعوا رأسه، ولا يبالون، لا يستقيم اليهود إلا بهذا الطريق، وبهذا الأسلوب!

قال صلى الله عليه وسلم في صحيفته الخطيرة العالمية: «فإنه يوبغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن بطانة يهود كأنفسهم»؛ أي واحد من بطائن اليهود، عميل من العملاء، يُحاكم ويُحاسب على أنه يهودي ولو كان عربياً، لهذا عندما تسمعون أنادي يهود العرب، يهود العرب، فهؤلاء مذكورون في الصحيفة منذ ذاك الوقت، «أن بطائن اليهود كأنفسهم»؛ أي كأنفس اليهود، لأن القرآن الكريم يقول: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة: 51).

ثم يقول صلى الله عليه وسلم في هذه الصحيفة العظمية: «وإنه لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم» أي لا يخرج كما يشاء ويدخل كما يشاء، ما كان لديهم جواز سفر، بل أخطر من الجواز، فلا تجارة ولا أي عمل خارج حدود المدينة المنورة إلا بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يعرف تحركاتهم، ويعرف المؤامرات.

ثم يقول عليه الصلاة والسلام: «وإنهم من فتك»؛ أي من قتل «فبنفسه فتك» كأنما قتل نفسه وأهل بيته.

وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يُخاف فساده، فإن مرجعه إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإنه «لا يحول هذا الكتاب» وهو الضمان، آخر مادة موجودة في هذا الدستور؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يضع ضماناً مستقبلياً إلى يوم القيامة، يمكن يأتي عباقرة اليهود يتفقون مع العملاء والخبثاء من العرب لكي يحرفوا النصوص، وهذا ما حدث عندما أعلن العلماء العملاء أن الصلح مع اليهود كصلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين، فالرسول صلى الله عليه وسلم أغلق عليهم الباب وقطع عليهم الطريق بالمادة الأخيرة من الدستور، فقال صلى الله عليه وسلم: «وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم».

يا له من كتاب خطير عظيم لو وعاه الزعماء وهم يحتفلون بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوه دستورهم، ولما نقض اليهود من بني قينقاع مادة واحدة من مواد هذا الدستور.

 

إستراتيجية الحسم النبوي مع ملف اليهود

إذ قام صائغ ذهب فكشف عن عورة امرأة مسلمة، قام أحد المسلمين فقطع رأسه، ثم بعد ذلك ضرب النبي صلى الله عليهم الحصار فأخرجهم وأجلاهم، ثم جاء بعد ذلك بنو النضير فقضى عليهم وأجلاهم، ثم خان بنو قريظة، فأبادهم قتلاً بالسيف، واستباح نساءهم وأولادهم وأموالهم، ثم فتح حصون خيبر، نصفها بالصلح، وجعلهم فلاحين في الأرض، يدفعون الجزية، ويدفعون أعشار الأرض، والنصف الآخر فتحها بالجهاد سيفاً، قسمها على المسلمين، سبى منها صلى الله عليه وسلم وهو يقود جيوشه وجحافله، وقبل موته صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبقين دينان في أرض العرب»، فطهر جزيرة العرب من اليهود.

أيها الأحبة..

هذا نبيكم، وهذا رسولكم الذي تبدأ هذه السنة بذكرى هجرته، فدوروا حيث يدور هذا الرسول واتبعوه صلى الله عليه وسلم قيادة وقدوة عليه الصلاة والسلام.

اللهم اجعلنا من أمته، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، ونسألك اللهم أن تجعلنا من المهاجرين ممن هجر ما نهى الله عنه.

أيها الأحبة الكرام..

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

اللهم إنا نسألك نصرك المؤزر المبين، لجندك وأوليائك المجاهدين، في كل أرض يُذكر فيها اسم الله، اللهم إننا ندفع بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم اليهود وأعوانهم، والنصارى وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، وأرنا في كل متآمر عجائب قدرتك.

اللهم حرر «الأقصى» وفلسطين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وارزقنا فيها صلاة طيبة مباركة، إنك على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

أما بعد، أيها الأحباب الكرام..

هذا هو الدعاء، ومن الله الإجابة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى الفحشاء والمنكر والبغي يعظم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تحميل