الأحد 10-مايو-2026 - 23 ذو القعدة ، 1447
النفس التوّاقة
التعريف بالخطبة:
تتناول
الخطبة مفهوم «علو الهمة» في الإسلام والرغبة الدائمة في الترقي في مراتب العبودية،
ويستعرض الشيخ رحمه الله نماذج مشرقة من الصحابة، مثل ربيعة بن كعب، ونُسيبة بنت
كعب، وتُركز بشكل موسع وتفصيلي على سيرة الخليفة الزاهد عمر بن عبدالعزيز كنموذج
تطبيقي للنفس التي تاقت للدنيا فنالتها، ثم تاقت للآخرة فزهدت فيما سواها، مع ربط
الواقع المعاصر بحال الأمة والدعوة للإصلاح الداخلي.
عناصر الخطبة:
- تعريف النفس التواقة ومراتبها.
- الصفقة التي أدهشت النبي صلى الله عليه وسلم!
- قصة الأمير الذي خاف من الملك!
- السر الذي جعل الخليفة يجلس في الظلام!
- ما الذي كسر قلب الخليفة يوم العيد؟
- سطر من الخليفة أخضع ملك الروم!
نص الخطبة:
إن الحمد
لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا؛ من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد..
فإن أصدق
الحديث كلام الله، وخير الهَدي هَدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور
مُحدثاتها، وكل مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله..
أوصيكم ونفسي
بتقوى الله؛ حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وأعطانا
الضمان النفسي والمعيشي بالتقوى فقال: (وَمَن
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يَحْتَسِبُ) (الطلاق)، وأعطانا الضمان لأولادنا من بعدنا في التقوى والدعوة
إلى الله فقال سبحانه: (وَلْيَخْشَ
الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ
فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء: 9).
اللهم إني
أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا
إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الذل إلا
في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمَتين، ومن
الرهبة إلا لجلالك العظيم.
اللهم تتابع
برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبرّ قسمك، وصدق وعدك،
وحقّ على أعدائك وعيدك، ولم تبقَ حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا
نسألك الثبات يوم الفتنة، والستر يوم العورة، والصدق يوم الكذب، والإخلاص يوم
النفاق، والإطعام يوم الجوع، والسقيا يوم الظمأ، والأمان يوم الخوف.
اللهم لا
تكلنا إلى أنفسنا فنهلك، ولا إلى الناس فنضيع.
اللهم إنا
نسألك أن تحرر المسجد الأقصى، وترزقنا فيه صلاة طيبة مباركة غير خائفين ولا
وَجِلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ونسألك اللهم
حسن الاعتقاد، وإخلاص العمل، وحلاوة الإيمان، ونور اليقين، ونسألك العافية في
الدنيا والآخرة.
أما بعد،
أيها الأحباب الكرام..
أشهد الله
على حبكم؛ فإني أحبكم في الله، وقد دعاني خطيب هذا المسجد -جزاه الله خيراً- لأن
أخطب عندكم اليوم في مسجد لوغيان، وذلك لأنني كنت على سفر، وكنت سأسافر، ولكن الله
قدّر لي أن أمكث هذه الجمعة، فكتبت لي هذه الخطبة إن شاء الله عندكم، فنسأل الله
أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
تعريف النفس التواقة ومراتبها
الله جلّ
ثناؤه يقول عن النفس الإنسانية التي ذكرها في كتابه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا
وَتَقْوَاهَا {8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)
(الشمس)؛ وتبيّن من
هذه الآية أن هناك نوعاً من النفوس؛ هي النفس التوّاقة المتقية لله رب العالمين،
وهي التي لا تصل إلى درجة عليا إلا ساقت إلى ما هو أعلى منها، ولا تزال تتقدم إلى
الله، لا تقف في الطريق ولا تتأخر، إلى أن تنظر إلى وجه الله في الفردوس الأعلى.
الصفقة
التي أدهشت النبي صلى الله عليه وسلم!
هذه النفس
التوّاقة لنا في السلف الصالح أمثلة، وعلى سبيل المثال: هناك كعب بن ربيع الأسلمي
(الصواب: ربيعة بن كعب) رضي الله عنه وأرضاه؛ وصل إلى درجة كبيرة في صحبته للرسول
صلى الله عليه وسلم وفي جهاده معه، فقال له الحبيب المحبوب: «سَلْني يا كعب»، قال:
أسألك رفقتك في الجنة يا رسول الله، قال: «ألا غير ذلك؟»، قال: بل هذا يا رسول
الله، فقال: «فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» (رواه مسلم).
وهذه نُسيبة
بنت كعب، تجالد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة «أُحد»؛ صلى الله عليه وسلم
يقول: «ما التفت يميناً ولا شمالاً ولا أمامي ولا خلفي إلا وجدتها تدافع دوني»،
التفت إليها وقال: «سَلْني يا أم عمارة»، قالت: أسألك رفقتك في الجنة يا رسول الله،
قال: «اللهم اجعلها رفيقتي في الجنة» (سيرة ابن هشام، الطبقات لابن سعد).
وهكذا يرتقي
أصحاب النفس التوّاقة من درجة إلى درجة.
فهذا أعرابي
يجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن يبايعه، وعندما ينتصر الحبيب في
المعركة يقسم الغنائم على أصحابه فيعطيه نصيبه، فيقول الأعرابي: لا يا رسول الله،
ما على هذا بايعتك؛ إنما بايعتك على أن أُضرب بسهم هاهنا فيخرج من هاهنا، وكانت
للمسلمين جولة أخيرة، وإذا بالصحابة يحملونه شهيداً بين أيديهم، والنبي صلى الله
عليه وسلم ينظر إليه من بعيد فيقول: «أهو هو؟»، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «لقد
صدق الله فصدقه الله» (رواه النسائي).
إنها الدرجة التي يرتقي الإنسان إليها؛ النفس التوّاقة.
قصة الأمير الذي خاف من الملك!
أيها الأحبة..
تراها عندها
الاستعداد التام لأن تضحي في كل شيء، بكل شيء، من أجل الله رب العالمين؛ لا ترضى
بالدرجة الدنيا حتى تنتقل إلى الدرجة العليا؛ (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ
اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت: 5)، (وَمَنْ جَاهَدَ
فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)
(العنكبوت: 6).
إن النفس
التوّاقة يقول عنها صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن
كره لقاء الله كره الله لقاءه» (متفق عليه).
فالنفس
التوّاقة هي التي تحب لقاء الله، ومن أحب لقاء الله أحب العمل الصالح الذي يوصل
إلى ذلك اللقاء، وبذل الأسباب التي تسوق إلى ذلك اللقاء.
وسأضرب لكم
مثلاً للنفس التوّاقة؛ وهو الخليفة الخامس عمر بن عبدالعزيز، ذلك الخليفة الراشد
رحمة الله عليه.
لقد كان أميراً
على المدينة المنورة، وكان لا يلبس إلا جديداً، ولا يضع إلا أطيب الطيب، وإذا مشى
اختال في مشيته؛ فهي تسمى بالمشية العمرية، والناس عندما ينظرون إليه لو أصبح في
ثوبه مُزْقة صغيرة لأعطاه الفقراء ولبس جديداً، ولا يخيطه، إنها الدرجة العليا في
الدنيا.
ثم توفي
سليمان بن عبدالملك الخليفة الأموي، فكان ولي عهده من بعده عمر بن عبدالعزيز، وقد
وصل إلى أعلى درجة في الدنيا؛ فما بعد الحكم والسلطان والخلافة درجة.
وهنا تحركت
عنده النفس التوّاقة؛ انحرفت إلى تحويلة حادة، لا إلى أسفل، ولكن إلى أعلى، إلى
الله رب العالمين.
عندما وقف
رجاء بن حيوة مستشار الخليفة الراحل وهو على المنبر يتلو كتاب أمير المؤمنين: بأن
أمير المؤمنين سليمان بن عبدالملك قد ولّى عمر بن عبد العزيز خليفة للمسلمين،
والتفت الناس يبحثون عن الخليفة الجديد؛ فإذا هو في آخر الصف لا يستطيع النهوض على
قدميه لهول المفاجأة، ولتحمل المسؤولية، ولاستشعاره بعبء الرعية التي سيسأل عنها
عند الله يوم القيامة.
فنزل رجاء بن
حيوة ورفعه من عضديه حتى وقف، ثم أخذ بيده حتى ارتقى به على المنبر، فجلس على
المنبر حتى سكنت نفسه، ثم قام فخطب بالناس وقال: «أيها الناس، اعلموا أنه ليس وراء
كتاب ربكم من كتاب، ولا بعد سُنة نبيكم من سُنة؛ فما جاء في كتاب الله من حلال فهو
حلال إلى يوم القيامة، وما جاء في سُنة نبيه من حلال فهو حلال إلى يوم القيامة،
وما جاء فيهما من حرام فهو حرام إلى يوم القيامة، اعلموا أنني مُتبع ولستُ بمبتدع،
أقربكم إليَّ من دلّني على حقٍّ أوصله، أو أخذ حقاً يوصلُه إلى أهله» (سيرة عمر
لابن عبدالحكم).
ثم أخذ يقول:
«أيها الناس، إن هذا الأمر الذي أُسند إليَّ ليس رغبة مني، ولم أكن بخيركم، ولكنني
أَثْقَلُكم حملاً، إن هذا الأمر الذي أنا عليه نشأ عليه الصغير، ومات عليه الكبير،
وتحضر عليه الأعرابي، ولا يُعين عليه إلا الله».
ثم أخذ كُمّه
وبكى حتى انحدرت دموعه على لحيته، وجلس لكي يستريح من عبء هذه المسؤولية، ولكنها
أي راحة تلك؟
يوم أن نزل
من المنبر والناس يستقبلونه بموكب الخلافة: خيول مطهمة، وغلمان ذات اليمين وذات
الشمال، والحرس الخاص شاكُ بالسلاح.
فقال: على
رسلكم أيها القوم، ما هذا؟ قالوا: هذا موكب الخلافة يا أمير المؤمنين، قال: اذهبوا
به إلى السوق وبيعوه، واذهبوا بماله إلى بيت مال المسلمين، وقربوا إليَّ بغلتي
يرحمكم الله.
عند ذلك قال
العلماء: انظروا إلى صاحبكم، إن صدق فلا تتركوه وأعينوه.
وقال المغنون
والممثلون والمطربون: إن هذا ليس بصاحبكم، فخرجوا من المسجد ولم يلتقوا به بعد
ذلك.
وذهب إلى قصر
الخلافة، وحبس نفسه ثلاثة أيام يقرأ المظالم ويردّ عليها، ثم قرأ قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)؛ فبدأ
بالتغيير في نفسه ومن داخله.
فباع قصوره
ودوره ومزارعه وغيطانه، وجعل ذلك في بيت مال المسلمين، ثم اشترى له داراً من طين،
يعجن الطين هو وزوجته فاطمة بنت عبدالملك، وقد كانت أميرة في ملكها وجاهها، يعجن
الطين برجليه، وينزع من البئر.
وتأتي جارتهم
فتقول للأميرة: ألا تأخذين ثوبك على شعرك، وهذا الخادم ينزع الماء من البئر أمامك؟
قالت: اسكتي، هذا ليس بالخادم، هذا أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز.
فتعجبت
الجارة لما رأت الخليفة ينزع الماء ويعجن الطين ويسدّ الثغور في الدار والسقف حتى
لا ينفذ ماء المطر عليه!
ثم قال: يا
فاطمة، يا زوجتي، أنتِ مخيَّرة بين أمير المؤمنين والجنة، وبين كنزك والنار، والله
لا يظلني سقفٌ وكنزُك معي في دار، فقالت: بل أختارك والجنة يا أمير المؤمنين، ضع
كنزي حيث شئت.
وحمل الكنز
بما فيه من حُليّ، وذهب وأودع في بيت مال المسلمين.
السر الذي جعل الخليفة يجلس في الظلام!
ثم جلس عمربن عبد العزيز يقول لكل واحد من الرعية: من أين لك هذا؟
ويأتيه ساعي
البريد يحمل إليه أخبار المملكة، ثم يقول له: يا أمير المؤمنين، كيف حال الرعية؟
يقول: هي بخير إن شاء الله، فيقول: وكيف حالك يا أمير المؤمنين؟ وكان بجواره
مصباح، فأطفأ المصباح وجلس في الظلام يحدثه، فقال ساعي البريد: يا أمير المؤمنين،
لِمَ أطفأت المصباح وتركتنا في الظلام؟ قال: لقد كنتَ تسألني عن الرعية، وكنت
أستضيء بضوء مصباحهم، وأنت الآن تسألني عن نفسي، فلا يحلّ لي أن أستضيء بمصباح
الرعية وأجيبك عن نفسي؛ فأطفأته.
إن ساعي
البريد هو الجهاز الإعلامي الذي سيبلغ الولاة كلهم بهذه الحادثة، فيُصحِّح كل واحد
منهم مقامه وموضعه.
ويأتيه من
والي اليمن رسالة في السطر الأول كلام، وفي أسفلها فراغ، فيردّ عليه في نفس
الرسالة: لقد قرأت كتابك ورأيت إسرافك في الورق؛ فإياك إياك، وأنت يكفيك قُصاصة أن
تكتب لي في ورقة هكذا؛ فإن عدتَ إليها حاسبتك.
وأخذ يحاسب
الولاة على الصغيرة والكبيرة حتى صحح كل واحد منهم وضعه.
وجلس رحمة
الله عليه في بيته يستقبل العلماء: ابن أبي زكريا، وأبو حازم، ورجاء بن حيوة،
وكبار العلماء في زمانه، يستضيفهم فيتذاكرون الآخرة، فيبكون إلى أذان الفجر،
ودموعهم تتحدر على لحاهم.
وينطفئ
المصباح، فيقوم أمير المؤمنين فينظفه فيشعله، فيقول له وزيره: يا أمير المؤمنين،
لو أنك أيقظت الخادم فيصلح المصباح، قال: أأوقظ إنساناً من النوم من أجل تصليح
مصباح؟ فيقول: لو أمرتَ أحدَنا، قال: أوَ يأمر المضيفُ ضيوفَه؟ لا، لقد ذهبتُ وأنا
عمر، وعدتُ وأنا عمر، لم ينقص مني شيء. (سيرة عمر لابن عبدالحكم).
ما الذي كسر قلب الخليفة يوم العيد؟
وهكذا
يعلّمهم التواضع، ويعلّمهم الجود والكرم والإخلاص، وأن التغيير يكون في داخل
الإنسان لا في خارجه.
ثم يجلس
للعيد والناس يهنئونه في العيد، ويدخل عليه الناس بثيابهم الجديدة، وهو لا يملك
إلا ثوباً واحداً يغسله في الأسبوع مرة واحدة، ينشفه ثم يلبسه بعد ذلك ليخرج إلى
المسلمين.
يدخل عليه
ولده عبدالملك، وعليه ثوب قديم مرقوع؛ عند ذلك يطأطئ الخليفة رأسه وتتحدر دموعه.
فيقول له
ابنه عبدالملك: يا أمير المؤمنين، ما الذي يبكيك؟
قال: يا بني،
لما رأيتُ ثيابك وثيابَ أصحابك الجديدة خشيتُ أن ينكسر قلبك في يوم العيد.
قال: لا يا
أمير المؤمنين، إنما ينكسر قلبُ من عصى ربه ومولاه، وعقّ أمه وأباه، فنزل إليه
والتزمه على صدره وقبّله.
ويدخل عليه
أحدُ أبنائه وقد أخذ من أمه خاتماً ثميناً لبسه في العيد لكي يتحلى به.
فقال: يا
بني، ما قيمة هذا الخاتم الذي في يدك؟ قال: يا أمير المؤمنين، ألف درهم.
قال: بِعْه
يا بني وأَطْعِمْ به ألف جائع، واتخذ لك خاتماً من حديد، واكتب عليه: رحم الله
امرأً عرف قدر نفسه. (حلية الأولياء).
وهكذا رحمة
الله عليه يربي أسرته ويربي أولاده ويربي من حوله، لكي يصلحهم من الداخل قبل إصلاح
الناس من الخارج، إن الإنسان الذي يدعوك بلسان حاله أكثر تأثيراً فيك ممن يدعوك
بلسان مقاله.
أيها الأحبة..
وصدق الله إذ
يقول: (تِلْكَ الدَّارُ
الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا
فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: 83).
إنها النفس
التوّاقة التي اشتاقت وتاقت إلى الله رب العالمين، فالبدار البدار إلى الله.
فاز عبد ذكر
ربه، فاز عبد بكى ذنبه، فاز عبد أدى فرض ربه، فاز عبد صان عرضه، فاز عبد زكّى
ماله، فاز عبد ربّى عياله.
إلى الله،
إلى الله أيها الأحباب.
ورحم الله
ابن عباس رضي الله عنهما إذ يقول: تسابقوا إلى الله، فإن استطعت ألا يسبقك إلى
الله أحد فافعل. (رواه أبو نعيم في الحلية).
اللهم اجعلنا
من السابقين، واجعل أنفسنا نفساً توّاقة تنتقل من خير إلى خير، سابقة بالخيرات،
تاركة للمنكرات؛ أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم اجعل
خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم لقائك.
ادعوا الله
وأنتم موقنون بالإجابة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب
العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة.
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وأوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة باردة، لا نظمأ بعدها أبداً.
سطر من الخليفة أخضع ملك الروم!
أما بعد،
أيها الأحباب الكرام..
ويرسل ملك
الروم إلى عمر بن عبدالعزيز رسالة يطلب منه التبادل الدبلوماسي، فيرسل عمر بن عبدالعزيز
مبعوثه إلى ملك الروم، فيدخل في دولته، فيمرّ على رجل أعمى يتلو كتاب الله مربوطاً
بحجر كبير، وأمامه الرَّحى يطحن القمح والحب، وهو يتلو كتاب الله رب العالمين.
فوقف مبعوث
أمير المؤمنين الدبلوماسي، وقف السفير عند هذا الأعمى في الطريق، وقال: يا أخا
الإسلام، أنت من المسلمين والعرب؟ قال: نعم، قال: ما لي أراك في ذل حال ومهانة؟ قال:
لقد أسرني الروم في حربهم، وخيّروني بين أن أتنصر فيعطوني الدور والقصور والجوار
والأموال..
فعاد السفير
ولم يلتقِ بسلطان الروم وقيصر الروم، وذهب إلى عمر بن عبدالعزيز وقال: يا أمير
المؤمنين، وجدت عندهم مسلماً أسيراً أعمى مربوطاً بحجر، قد عذبوه وأذلوه.
فكتب عمر بن
عبدالعزيز إلى ملك الروم: «إن أطلقتَ الأسير الذي عندك، وإلا لَتَرَيَنَّ من أمري
ما لم ترَ من قبل».
فلما وصل
كتاب أمير المؤمنين إلى ملك الروم لم يتمالك إلا أن يبتسم، وقال: «أجبنا أمر الرجل
الصالح والملك الصالح، أطلقوا أسيره إليه بأكرم حال».
ففكوا
الأسير.
فكان أعداؤه وأصدقاؤه
-رحمة الله عليه- محبوباً عند جميع الملوك وعند جميع الناس.
وهكذا، الله
إذا أحب عبداً من عباده قذف حبه في قلوب الناس، وأنزل له القبول على وجه الأرض.
أيها الأحبة
الكرام..
ويفك عمر بن
عبدالعزيز أسيراً مغموراً مجهولاً في أقاصي ديار الروم، ويرفض التمثيل الدبلوماسي
حتى يحرر آخر مسلم يقول: لا إله إلا الله.
والمسلمون
اليوم يرفلون في سجون اليهود في فلسطين، ويرفلون هناك مُقيَّدين؛ المسلمون
مُقيَّدون هناك بالحديد والنار، يصب عليهم العذاب صباً في سجون الطواغيت من يهود
العرب ويهود «إسرائيل»، ولا يتحرك من أجلهم أحد.
كم ذُبح من
الأفغان في أفغانستان! وكم ذُبح من المسلمين في آسام! وكم ذُبح من المسلمين على
أرض الشام! وكم ذُبح من المسلمين في الفلبين، ولم يتحرك أحد!
أيها الأحبة..
إن الإنسان
إذا نوى التغيير بدأ بنفسه فيعينه الله رب العالمين، فمن فاز بحب الله هل خسر شيئاً؟
ومن خسر حب الله هل فاز بشيء؟ لا ورب الكعبة.
إن النفس
التوّاقة هي التي تسوق صاحبها إلى الله قُدُماً.
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ {10} أُوْلَئِكَ
الْمُقَرَّبُونَ {11} فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ {12} ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ
{13} وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ {14} عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ {15}
مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ {16} يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ
مُّخَلَّدُونَ {17} بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ {18} لَا
يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ {19} وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ
{20} وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ {21} وَحُورٌ عِينٌ {22} كَأَمْثَالِ
اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ {23} جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {24} لَا
يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً {25} إِلَّا قِيلاً سَلَاماً
سَلَاماً) (الواقعة).
إن النفس
التوّاقة هي النفس الأوّلية التي تذكرها أنت في صلاتك، في مقدمة صلاتك، في استفتاح
صلاتك عندما تقول: (وَجَّهْتُ
وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ
الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: 79)، (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ
وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)
(الأنعام).
هذه هي النفس
التوّاقة، النفس الأوّلية التي لا يسبقها إلى الطاعات أحد.
إن بحثت بين
المصلين وجدت نفسك أسبقهم، وإن بحثت بين الصائمين كنت أولهم، وبين الداعين إلى
الله كنت أولهم، وبين المجاهدين بالمال والنفس كنت أسبقهم.
هذه هي النفس
التوّاقة يا أخي المسلم؛ فجاهد نفسك وارتقِ بها درجة درجة، يرفعك الله في الدنيا
كما يرفعك في الآخرة.
اللهم إنا
نسألك نفساً توّاقة مطلعة إلى ما عند الله، راغبة بما في يديه، وثقة بما عند ربها.
اللهم لا تدع
لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا
شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عسيراً
إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً إلا سترته وأصلحته، ولا مسافراً إلا
حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً إلا
قصمته.
اللهم إنا
نسألك العافية ودوام العافية وتمام العافية ولباس العافية، والشكر على العافية في
الدنيا والآخرة.
اللهم آتِ
أنفسنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكّاها، أنت وليُّها ومولاها.
أمِّن
روعاتنا، واستر عوراتنا، واغفر زلّاتنا، واجعلنا برحمتك في الفردوس الأعلى.
اللهم ثَقِّل
موازينَنا، وحقِّق إيمانَنا، وفُكَّ أسرَنا، واخسَأ شيطانَنا، واجعلنا برحمتك في
الندى الأعلى.
اللهم إنا
نسألك بعزّك وذلّنا إلا رحمتنا، وبقوتك وضعفنا إلا قوّيتنا، وبغناك عنا وفقرنا
إليك إلا أغنيتنا وباركتنا.
هذه نواصينا
الخاطئة بين يديك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
عبيدك سوانا
كثير، وليس لنا رب سواك.
نسألك مسألة
المسكين، ونبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير؛ دعاء من
خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه.
يا من يجيبُ
المضطرَّ إذا دعاه ويكشفُ السُّوء، اكشف ما بأمتنا من سوء؛ (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) (النمل: 62).
نسألك اللهم
لأمتنا قائداً ربانياً يسمع كلامَ الله ويُسمِعُها، وينقاد إلى الله ويقودها ويحكم
بكتاب الله، وتحرُسه قلبُه في البيت العتيق، وقدوتُه في مسجد رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وقيادتُه في المسجد الأقصى، شعارُه الوحيد «نحنُ الذين بايعوا محمداً
على الجهاد ما بقينا أبداً»، فإذا تفاخر الناس بدنياهم اعتزّ عليهم بدينه، وصاح
صيحة سلمان:
أبي الإسلام
لا أبا لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمي
فإذا ما
هدّدوه أو توعدوه، صاح صيحة خبيب ذو النفس التوّاقة:
ولستُ أبالي
حين أُقتلُ مسلمًا على أي جنبٍ كان في
الله مصرعي
وذلك في ذات
الإله وإن يشأ يُبارِك على أجزاء شِلوٍ ممزَّعِ
أيها الإخوة :
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90)، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)
(البقرة: 152)، (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (إبراهيم: 7)، (وَلَذِكْرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت: 45).