الأربعاء 04-نوفمبر-2026 - 24 جمادى الأول ، 1448

عاقبة الظلم وسهام الليل في ميزان العدل

156
2026-11-04

التعريف بالخطبة:

يتحدث الشيخ رحمه الله عن خطورة الظلم وعواقبه الوخيمة على الأفراد والدول، مستعرضاً وقائع واقعية مؤلمة لظلم العباد وسلب الحقوق، ومحذراً من زوال النعم بترك نصرة المظلومين.

كما يبيّن الشيخ قوة سلاح المظلوم المتمثل في «سهام الليل» ودعوات الأسحار التي تفتح لها أبواب السماء، مستشهداً بآيات الوعيد الإلهي للظالمين والمترفين.

ويختم بضرب أروع الأمثلة التاريخية في تحقيق العدالة الإلهية من سيرة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع والي الأهواز وجاره المجوسي.

 

نص الخطبة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد..

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله، حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وقال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق).

اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ وَبِيَدِكَ الخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ الأَمْرُ كُلُّهُ عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، لَكَ الحَمْدُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الَّذِي خَلَقْتَنَا مِنْ عَدَمٍ، وَأَسْبَغْتَ عَلَيْنَا وَابِلَ النِّعَمِ، وَرَعَيْتَنَا وَنَحْنُ نُطَفٌ فِي أَرْحَامِ أُمَّهَاتِنَا، فَعَدَلْتَنَا وَسَوَّيْتَنَا وَأَنْشَأْتَنَا وَيَسَّرْتَ سَبِيلَنَا؛ أَطْعَمْتَنَا مِنْ جُوعٍ وَأَسْقَيْتَنَا مِنْ ظَمَأٍ وَكَسَوْتَنَا مِنْ عُريّ وَكَبَّرْتَنَا مِنْ صِغَرٍ وَقَوَّيْتَنَا مِنْ ضَعْفٍ وَبَلَّغْتَنَا أَشُدَّنَا وَوَفَّقْتَنَا لِلتَّوْبَةِ، وَحَبَّبْتَ إِلَيْنَا الإِيمَانَ، وَعَلَّمْتَنَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ، غَفَرْتَ زَلَّاتِنَا وَخَفَّفْتَ لَوْعَاتِنَا وَأَحْسَنْتَ مُعَافَاتِنَا وَأَمَّنْتَ رَوْعَاتِنَا وَسَتَرْتَ عوراتنا، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَسْأَلَكَ، فَلَا تُخَيِّبْ رجاءنا ونحن نسألك، نَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالفَوْزَ بِالجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ.

نَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ مُعَلَّنٍ أَوْ مُسَرٍّ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَكْمُنُ بِاللَّيْلِ وَيَخْرُجُ بِالنَّهَارِ، وَمَا يَخْرُجُ بِالنَّهَارِ وَيَكْمُنُ بِاللَّيْلِ، وَمِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ النَّبِيُّونَ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَمِنْ شَرِّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا طَارِقًا يُطْرِقُ بِخَيْرٍ، يَا رَحْمَنُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ مِمَّنْ نَخَافُ وَنَحْذَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ ذُنُوبِنَا حَتَّى تُغْفَرَ.

لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ عِنْدَ قُدُومِ مَلَكِ المَوْتِ لقبض ِأَرْوَاحِنَا، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ عِنْدَ دُخُولِنَا قُبُورَنَا مَعَ أَعْمَالِنَا، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِذَا طَال يَوْمَ القِيَامَةِ وقوفنا، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِذَا اشْتَدَّ فِي أَرْضِ المَحْشَرِ ظَمَأُنَا، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِذَا تَطَايَرَتِ الصُّحُفُ أَمَامَنَا، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِذَا وُضِعَ المِيزَانُ وَجَاءَ الرَّحْمَنُ وَجَاءَ أَصْحَابُ الحُقُوقِ، كُلُّ صَاحِبِ حَقٍّ يَقُولُ: يَا رَبِّ حَقِّي، يَا رَبِّ حَقِّي، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إذا استدعانا الرحمن للحساب، لا حول ولا قوة إلا بالله فوق الصراط يطير العبيد والنار تقول: هل من مزيد؟ لاحول ولا قوة إلا بالله والنبيون والملائكة يقولون: اللهم سلم اللهم سلم اللهم سلم، من الذي ينجينا؟ من الذي يرحمنا؟ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَمْلَأْ بِهَا قَلْبِي، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَعْرِفْ بِهَا دَرْبِي، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَدْخِلْ بِهَا قَبْرِي، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَلْقى بِهَا رَبِّي.

أيها الإخوة المسلمون..

يجيء أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه يقول: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به الله، فيقول له قل: «اللهم فاطر السماوات والأرض علم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم، أو أجره إلى مسلم» (أخرجه الترمذي).

الرسول صلى الله عليه وسلم يقول للصدِّيق: قل هذا إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك، وأن أجره إلى مسلم.. ما أعظم ظلم المسلم!

 

قصص معاصرة من مرارة الظلم

أيها الإخوة..

(وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) (طه: 111)، الظلم ظلمات، ظلمات يوم القيامة، الله يقول للمظلوم، وقد أركع أمامه الظالم: «يا أيها المظلوم خذ مظلمتك».

منذ شهرين، جاءني هنا في هذا المسجد رجل ودخل عندي في غرفة الحارس، ثم نزع ثيابه، نزع دشداشته، فإذا جسمه مملوء ببقع الضرب من الأمام والخلف! فقلت: ما بك؟ قال: كنت عند إشارة المرور وفتح اللون الأخضر فتحركنا، فضربت سيارتي من بجواري، فنزل شاب منها من الصنف المستهتر، وفتح صندوق السيارة وأخرج عجرته وعطاه، ثم نزل عليَّ ضرباً حتى أغمي عليَّ، وحملت وما أفقت إلا وأنا في المخفر، وفتح التحقيق وكتب المحضر، وإذا بي أفاجأ، أفاجأ من المحقق ومن في المخفر يضغطون عليَّ لأوقّع كتاب التنازل عن حقي، فلما سألت لما علمت أن الشاب الذي ضربني أبوه مسؤول في الأمن فقلت: لا.. فضغطوا عليَّ حتى وقّعت! وفي اليوم الثاني، يأتيني أبوه يحمل في يده مائة دينار ويقرع عليَّ الباب يقول: خذ هذه مائة الدينار بدل ضرب ولدي لك! ماذا أفعل يا شيخ؟ قلت له: ماذا تفعل؟ ليس لك إلا الله، ارفع يديك في جوف الليل واستغث ربك هو الذي يأخذ بحقك ويقتص لك، قال: ألا تأخذ المحاكم حقي؟ قلت: اذهب إلى المحاكم واستشر فلاناً من الناس فاستشاره، فقال له: لقد وقعت الاعتراف والتنازل.. عندك استعداد تضع لك محامياً؟ قال: أنا فقير لا أملك إلا قوت اليوم، وذهبت القضية في الدنيا، ولكن هل ذهبت عند الله؟ هل نسيها الله؟ (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47).

وأول أمس، مأساة ثانية، أربعة من المدرسين الذين يدرسون في المسائي، لما ذهبوا في عطلة الصيف جاء صاحب البناية وأزاح القواطع والحواجز بين شققهم فأصبحت كالفندق من الدرجة العاشرة، يكشف بعضهم بعضاً، فصبروا على هذا الأداء، فجاء ونزل بشقة بجوارهم لكي يؤذيهم وزاد الأجر 200%، وذلك ضد القانون، ثم جاء ابنه وضرب خيمة وفتح ديوانية أمام البناية لكي يعيق خروج النساء والأطفال فيحرجهن أمام الرجال، وأول أمس يفاجؤون المربون المعلمون الذين يعلّمون أبناءنا ويخرجونهم من الظلمات إلى النور، يفاجؤون أن باب البناية قد أغلق وردم من الخلف، فحجز بين الآباء وأبنائهم وزوجاتهم.. الآباء في الخارج في الليل والنساء والأطفال في الداخل يحاولون الدخول لا يستطيعون.

فذهبوا إلى المخفر، فجاء ابن صاحب البناية إلى المخفر، فقال: «اعلموا أجمعين أنني لا أخاف الأمن، ولا أخشى الحكومة، وعندي من الوساطات اللي تخليني أرمي أغراضكم بره!»، وراح، فقال المحقق لهم: خير لكم اذهبوا إلى قائد المنطقة، ذهبوا إلى قائد المنطقة، فلما علم القصة وأن صاحب البناية هو مختار فقال لهم: اذهبوا فناموا هناك في العراء، قالوا: أطفالنا؟! قال: يحرق أطفالكم! أنتم لا تستحقون الاحترام! فذهبوا إلى مدير أمن المحافظة، استقبلهم أول شرطي: ماذا تريدون؟ نريد مدير الأمن موجود؟ موجود، ما القضية؟ هكذا القضية، فلما علم أن في القضية مختاراً وابنه، ذهب الشرطي ولم يعد وعاد رجل آخر! أين مدير أمن المحافظة؟ فقال: نائم، أيقظه، فذهب وجاء ثالث فقال: غير موجود!

فانطلق المساكين إلى وزارة الداخلية بعد منتصف الليل، فوجدوا فيها المسؤول هناك، ونِعم الرجل كان، فقد أحسن استقبالهم، وهدأ أعصابهم، وكان مثالاً للخلق وترجمة صحيحة لخطاب الأمير وولي العهد يوم أن نادى بأن هذا البلد المضياف أسرة واحدة شعارها الحب والتعاون، أما الذين قبله فهم ترجمة سيئة، وأعطاهم الضابط المحترم -جزاه الله خيراً- كتاباً فذهبوا إلى قائد المنطقة مرة ثانية بأمر هذا الكتاب الذي يأمر فيه فتح الباب ولو بالكسر، فقال قائد المنطقة: باكر الصبح أفتح لكم الباب استريحوا، فلما علموا أن لا أمل عادوا ليفكوا الحصار من جديد، فأيقظوا الجيران، فخرج أحد جيرانهم وكان له باب فرعي يمر على شقته، ففتح هذا الباب وجعل شقته معبراً للمارة حتى يفتح الباب الرئيس، هذه حادثة، والأولى حادثة بهذا البلد الآمن المستقر الذي يأتيه الخير والرزق من كل مكان، بلا شك أن هذه الأصناف من الناس ليسوا كثرة، هم قلة، ولكن يوم أن ينزل البلاء يأخذ الجميع؛ (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) (الأنفال: 25).

ورفع المدرسون الأربعة يوم أمس قضية في المحكمة وينتظرون فصل القضاء فيها.

 

لماذا تنهار العروش وتزول النعم؟

أريد أن أذكّر بسيرة السلف الصالح رضي الله عنهم الذين كانوا يعيشون في مجتمع مسلم أشد ما يخافون من وقوع الفتنة فيهم وزوال النعمة؛ لأن النعمة إذا زالت لا تعود، النعمة إذا زالت لا تعود، والدول اليوم علمتها التجارب أن هناك من الضرورة القصوى أن يتم الالتحام بين الحاكم والمحكوم، بين الدولة والشعب، وأن كل من يفرق هذا الالتحام لا بد أن يؤدب كائناً من كان! ما الذي جعل صداماً يدور في البيوت ويفتح القدور ويأكل منها؟ لاستشعاره ضرورة التحام الشعب في الأزمات مع الدولة! هذا أمر خطير، الدولة تضيع إذ لم يكن هذا الالتحام وهذا الحب وهذا التبادل وهذا التعاون، الدولة تضيع التفتوا ذات اليمين وذات الشمال ماذا تجدون؟ عروش زالت ودول انهارت وذهبت وتمزقت والتهمتها الحروب.

أنا أقول منطلقاً من غيرتي وحفاظي على بلدي كمواطن في هذا البلد، لا بد أن نرعى هذه النعمة ونمنع الظلم.. الظلم ظلمات يوم القيامة، إن هذه القلوب القاسية التي أوصدت الباب وفرقت بين الأب وأطفاله وأسرته في هذه الليلة المظلمة إن كانت قلوبكم قد غشي عليها الران والذنوب والمعاصي ولم تخترقها أدعية المظلومين وبكاء الأطفال يرتقبون آباءهم فاعلموا أن هناك الله فوق السماء، يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق السحاب وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» (أخرجه الترمذي).

 

سلاح المظلوم الذي لا يخطئ أبداً

قرأنا في الماضي: رجل من الصحابة آذاه جاره، آذاه جاره، فهو لا يأمن شروره ولا بوائقه، فشكى أمره إلى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: احمل متاعك وعفشك وأساسك واجلس على قارعة الطريق، فقام المسكين وأخذ متاعه وجلس على الطريق وجلس بجواره، فأصبح كلما مر عليه رجل من الصحابة، يقول: يا أخي، ما لك؟ ما الذي حدث لك؟ لماذا تركت بيتك وجلست في الطريق؟ يقول: لقد آذاني جاري، عند ذلك يلعنه الصحابة، فيقولون: لعنة الله عليه، معنى لعنة الله عليه؛ أي نسأل الله أن يخرجه من رحمته، وعلم الجار المؤذي بهذه اللعنات التي تنصب عليه، فذهب إلى جاره واعتذر منه وندم على ما فعل وأعاد معه متاعه إلى البيت وأعانه على الخير، هكذا كانوا يعالجون المشاكل والمظالم! الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر الأمة «إذا لم تأخذوا على يد الظالم فليوشك أن يعمكم الله بعذاب من عنده» (أخرجه أبوداود).

حادثة أخرى أيضاً حدثت في الماضي: رجل ذو جاه وسلطان يأتي إلى رجل فيغتصب أغنامه وإبله، عند ذلك يقول له: والله إن لم تعد إليَّ إبلي وأغنامي وتكفيني شرك وأذاك لأسلطن عليك سهام الليل، لأسلطن عليك سهام الليل، ولأشكونك إلى سيدك ومولاك خمس مرات في اليوم! فقال الرجل ذو الجاه لمن حوله: ماذا يعني في سهام الليل؟ ومن هو سيدي ومولاي؟ أنا سيد القوم أنا مولاهم، فالتفت إليه من حوله وقال: ويحك! أما سهام الليل فهو وقوف المظلوم في جوف الليل يدعو ربه، هذه سهام الليل التي لا ترد! وأما دعوته وشكايته إلى سيدك خمس مرات فهو في الصلوات الخمس يشكوك إلى الله مولاك وسيدك! عند ذلك قال هذا السلطان: إن كان هذا الأمر فإنني لا أقدر على سيدي ولا مولاي، أعيدوا إليه أغنامه وإبله! كانوا إذا نصحوا ينصحون، وإذا ذكروا يذكرون!

 

سُنّة الله في إهلاك القرى والظالمين

ولنتسمع إلى القرآن الكريم وهو يستعرض الظلم والظالمين، ماذا يقول الله تبارك وتعالى عنهم؟ يقول: بأن الظلم قرين الشرك؛ (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {81}‏ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) (الأنعام)، ويفسر الرسول صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك، فيقول تعالى: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13)، فالظلم قريب الشرك، فيا ويل للظالمين! يقول الله في كتابه الكريم عن الإنسان ومكانته، أي إنسان كائناً من كان: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70).

فكل من يريد أن يهين بني آدم بلا حق فقد أهان من كرمه الله! يقول الله في القرآن: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء: 16)، ويقول الله سبحانه: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) (الأنفال: 25)، ويقول سبحانه: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (البقرة: 165)، ويقول أيضاً: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً) (الكهف: 59)، ويقول: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) (طه: 111).

اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الظُّلْمِ، َاللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ العَدْلَ الَّذِي قَامَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللّٰهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيْنَا حُقُوقًا فَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَيْنَا، وَلِلنَّاسِ قِبَلَنَا تَبِعَاتٌ فَتَحَمَّلْهَا عنا فقد أَوْجَبْتَ لِكُلِّ ضَيْفٍ قِرًى، وَنَحْنُ ضُيُوفُكَ، فَاجْعَلْ قِرَانَا الْجَنَّةَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.. اللّٰهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي مظلمة ونسألك اللّٰهُمَّ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

 

الخطبة الثانية:

كيف أنصف عمر بن الخطاب المجوسي؟

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أيها الإخوة المسلمون..

كان لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه عامل في أرض فارس، وكان هذا العامل يملك داراً ضيقة، فأراد أن يوسع داره فيضم إليها دار جاره، وكان جاره مجوسياً، فقال له العامل: «بعني دارك»، فقال المجوسي: «لا، هذه داري لا أبيعها»، فأصر العامل وقال: «إن لم تبعني دارك سأهدم الجدار الذي بيننا وأضمها إليَّ»، وفعل العامل ذلك بالفعل، فهدم الجدار وضم الدار إليه، خرج المجوسي مع زوجته يبكي، فقالت له زوجته: يقولون: إن أميرهم الذي يُقال له عمر لا يظلم، اذهب إليه واشكُ حالك إليه، فذهب المجوسي وقابل عمر رضي الله عنه وشكا له ما حدث، ووجده تحت ظل شجرة، عند ذلك أدخل عمر يده تحت عباءته وأخرج رِقاً من الجلد، وكتب عليها: «من عبد الله أمير المؤمنين عمر إلى والي الأهواز، انصف المجوسي من نفسك أو أقبل»، ثم أخذ عمر يبحث عن خيط ليطوي الرق ولكنه لم يجد، فأخذ من عباءته خيطاً وقطعه، وطوى الكتاب، وأعطاه للمجوسي، فألقاه في جرابه وعاد وهو يضرب كفيه، فلما وصل إلى زوجه قالت له: ما وراءك؟ قال: اسكتي يا امرأة، لقد أرسلتني إلى رجل ينام على التراب تحت الشجر، فلما كتب إليّ الرسالة لم يجد خيطاً يلفها فيه! كيف ينصفني من هذا؟ لم أجد له قصوراً، ولم أجد له جنوداً، ولا حامية، ولا حاشية، قالت له زوجته: ويحك! خذ الكتاب واذهب به وسترى! فأخذ الكتاب ودخل على والي الأرض، وألقاه بين يديه، فلما فتحه، قام من مقامه، واصفرّ وجهه، وارتعدت قدماه، قبَّل الكتاب، ووضعه على رأسه، وقال: يا جاري، هلا أخبرتني قبل أن تذهب إلى عمر؟ لماذا شكوتني إليه؟ ثم أمر بإعادة الدار إلى المجوسي، وأقيم الجدار، وأعطي المجوسي من بيت مال المسلمين خمسمائة درهم جزاء ما روعناه، العدل.. العدل يا أيها الإخوة.. قامت به السماوات والأرض.

 

الخاتمة والدعاء:

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمراً رشيداً يعز فيه وليك، ويذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك ورضاك، اللهم ألّف على الخير قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، اللهم إننا نسألك التوفيق لمحابك من الأعمال، وحسن الظن بك وجميل التوكل عليك، ونسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك مما تعلم، إنك تعلم ولا نعلم، إنك أنت علام الغيوب، اللهم ذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد، نسألك الأمن يوم الخلود، مع المقربين الشهود، الركع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود، وإنك تفعل ما تريد، اللهم أعطنا اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله يذكركم.

تحميل