الأحد 01-نوفمبر-2026 - 21 جمادى الأول ، 1448

الشباب في دائرة الموت

159
2026-10-30


التعريف بالخطبة:

يحذر الشيخ أحمد القطان رحمه الله في هذه الخطبة من مخطط خفي وممنهج يستهدف هدم طاقات الأمة المتمثلة في شبابها عبر سلاحي المخدرات والإباحية. ويستعرض الشيخ قصصاً واقعية ومأساوية لضحايا الإدمان تبرز نهايتها المظلمة وكيف يسحق الهيروين أصحابه، منتقلاً في الخطبة الثانية إلى توجيه نداء حار إلى أولياء الأمور بضرورة القرب من أبنائهم وتربيتهم على المراقبة العقائدية لله عز وجل مستشهداً بنصائح لقمان الحكيم لحماية المجتمع من الضياع.

عناصر الخطبة:

1.     مؤامرة استهداف الشباب المسلم.

2.     المخدرات والجيش اليهودي الخفي.

3.     قصص وعبر من واقع الإدمان.

4.     مسؤولية الآباء ومنهج لقمان الحكيم.


نص الخطبة:

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منّا، أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين والصحابة أجمعين، ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.

عباد الله.. أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّلهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).

عباد الله.. إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه ومستقر رحمته، آمين.

مؤامرة استهداف الشباب المسلم:

أيها الأحباب الكرام.. نحمد الله سبحانه وتعالى على فوز الإسلاميين الملتزمين في الأردن، وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن الأمة تريد الإسلام، وتثق في المسلمين، ولو أن الحكام أعطوا شعوبهم فرصة للتعبير لاختاروا الله ورسوله والقرآن الكريم، هذه حقيقة ثابتة.

من يعلمها؟ اليهود يعلمونها، اليهود الذين يحاربوننا بدينهم يعلمون أن نصر المسلمين بالإسلام. لهذا لما فاز المسلمون بالانتخابات، كثّف اليهود بث برامج الجنس والدعارة في تلفازهم. والذين جاؤوا من الأردن يقولون: لم نشاهد كثافة إعلام لتدمير الأخلاق والترويج للمخدرات وأفلام الجنس كما شهدناها بعد فوز الإسلاميين بالانتخابات.

وكما تعلمون أن تلفاز اليهود يصل بسهولة إلى المسلمين من حوله داخل فلسطين وحول فلسطين، والمراد من هذا تحطيم الأخلاق. وشباب الانتفاضة يذكرون من الستينيات كيف بث اليهود بناتهم يتسكعن في الطرقات لاصطياد الشباب، والمخدرات من السهولة بمكان، حتى يحطموا الدين والعقيدة، ويميتوا الشجاعة الإيمانية في القلوب.

والمخدرات والجنس جيش رهيب يهودي خفي يفتك في أمتنا وله تجاره ومروجوه، والذين يتعاطونه، ووراءه جيش خفي يزحف به لتحطيم شبابنا. فيا أيها الشباب المسلم في كل مكان، وعلى وجه الخصوص داخل فلسطين وحولها، أمانة «الأقصى» في أعناقكم، الحذر.. الحذر من جيش يهودي! فآلياته هُزمت بحجر، فاحذر المخدرات، واحذر الجنس، فإنه يفتك بالشباب ويقودهم إلى دائرة الموت.

وفي كتاب «شباب في دائرة الموت.. المدمنون يعترفون»، يقول الكاتب قصصاً عجيبة عن هذا الجيش الخفي، الذي نسمع بين الحين والحين أن الأمن قد ألقى شاحنات تحمل الخضراوات وفي طياتها المخدرات، تُصرف هنا وتُصرف في منطقة الخليج، ولعل الإحصائيات الغريبة العجيبة في صرف الأموال على المخدرات ونتائج المخدرات تكاد تبلغ القمة والذروة.

على سبيل المثال نأخذ مصر، وهي أمة كبيرة ذات حضارة ومهيأة للخلافة الإسلامية المنتظرة، فيها رجالها ودعوتها وتعاني، واليهود يبثون فيها المخدرات حتى أصبح ما يُنفق عليها سنوياً أحد عشر مليار دولار. الديون التي تعاني منها مصر تبلغ 38 مليار دولار، في سنة واحدة لو وفّرت ما يُنفق على المخدرات، لسددت نصف الديون، وفي السنة الثانية تنتهي ديون مصر.

ولكن من وراء هذه المؤامرة؟ من وراء ذلك؟ اليهود والصليبيون، أعداء الدين يعلمون مكانة الأزهر، ومكانة العلم، ومكانة الدعوة، فيقيدونها من الداخل بالانهيار الاقتصادي والمخدرات، وفي الخارج بالعلاقات والعهود والمواثيق السياسية الدولية، والحرب التي يتم شنها على مصر، هذه حرب باردة قد تكون أفتك من الحرب العالمية الأولى والثانية.

ولا يعرف حقيقة هذا إلا المخلصون الصادقون الواعون، يعلمون أن اليهود يتآمرون بعنف وبشدة للقضاء على هذه الأمة التي عقد الإيمان والإسلام الأمل برجالها، ولما خاضوا الحرب في عام 1948م مع اليهود، عرف اليهود حقيقة المسلمين الذين جاؤوا من مصر ماذا فعلوا بهم! يوم أن جعلوهم بلحاهم اللحية الإسلامية كانت ترعب ضباط اليهود في خنادقهم. هذه حقيقة لا ينساها التاريخ.

أحد عشر مليار دولار يتم إنفاقها على المخدرات.. الله أكبر!

المخدرات والجيش اليهودي الخفي:

والله يا إخوان، هذا جيش خفي يجب أن نعي له، لهذا لا بد من الحكم بالإعدام لتاجر المخدرات، وزارع المخدرات، ومروّج المخدرات، والمعلن عن المخدرات، وشارب المخدرات؛ لأن الذي يقتل إنما يقتل فرداً، والذي يزني، يزني مع فرد، والذي يعصي معصيته فيه، ولكن المخدرات تحطم أمة، وتقضي على أجيال، وتفني حضارة، لهذا يجب أن نعي هذه الحقيقة.

وتجارها المافيا في كل مكان يسيطرون، إن أردت أن تلقي القبض عليهم رأيت الدول تتحرك، والجيوش تتحرك، والزعماء تتحركون، وأمن وشرطة وقضاء ومحسوبية وأموال، وما يحدث في كولومبو الآن من اغتيالات، وزيرة العدل تركت وزارتها خوفاً من ملوك المخدرات وعصابات المافيا.

إخواننا وأحبابنا.. هذا جيش خفي منظم وراءه اليهود ومافيا اليهود، واقرؤوا بروتوكولات حكماء صهيون، وليس عجباً أن يشدد النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم كل مخدر ومفتر وكل مسكر وما أسكر كثيره فقليله حرام، والذي يخامر العقل أياً كان ويغتاله فهو حرام. والرسول صلى الله عليه وسلم حذّر أشد التحذير من تعاطي هذه الخبائث من المخدرات والمحرمات.

قصص وعبر من واقع الإدمان:

وإليكم بعض القصص الذي ذكرها وجيه أبو ذكرى، في كتابه «المدمنون يعترفون»: شاب في مقتبل العمر يكوّن أسرته، من أسرة كريمة، زوجة ذات دين، رزقه الله بنتاً وولداً، يعمل في شركة الطيران، وسافر مرة كعادة الموظفين فنزل في إحدى الدول، والتقى بفتاة أعطته مسحوقاً أبيض، وقالت له: شمّه مرة واحدة يجعلك تطير كالفراشة. ولم يعلم المسكين ما حقيقة هذا المسحوق الذي سيسحق دينه وأسرته، وإيمانه وحياته ومستقبله.

وشمّه، يقول المدمن: لا أدري بعد أن شممته أكان فراشة أم كان حماراً، إلا أنه سقط طريح الفراش في نوم عميق، أياماً مستمرة، ثم أفاق، وإذا موعد الطائرة حان للإقلاع، فهب يجري إلى المطار، ولما وصل إلى المطار استقل الطائرة، ثم ارتمى على مقعده وهو لا يدري من حوله. ولما جاءه المضيف قال له: ما الذي حدث لك؟ قال: أنا نائم، أريد أن أنام. فحصه المضيف، ثم قال له: أنت مدمن. وعلامات الإدمان على الهيرويين تأتي من الجرعة الأولى، والشمة الأولى، الخطأ الذي لا يتكرر.

ولما أن وصل ومعه المسحوق الذي أخذه من الفتاة لو ألقى به من الشباك لنجا, ولكنه أحس إعصاراً من الآلام في مفاصله وكبتاً وحزناً وهماً وضيقاً، يقول له: انتحر، اقتل نفسك، ففتح الصرة، ثم أخذ من هذا المسحوق فسكن، ثم جاءت دواعيه للمرة الثالثة، انتهى المسحوق، فطار من بلده يبحث عن تلك الفتاة كالمجنون، لكنه لم يجدها، فعاد إلى بلده وأخذ يتحسس عن أوكار المخدرات فوصل، واشترى منهم.

ولما وصل إلى البيت وجد زوجته وأخاه الطبيب وأخاه الضابط في انتظاره، حيث إن رجال الأمن التقطوا رقم سيارته وهو يأخذ الهيروين من تاجر المخدرات. فلما حضر، قالوا له: ويحك! هذا رقم سيارتك، هل أعطيت سيارتك لأحد؟ فقال: لا. فلما فتشوا جيوبه وجدوا المخدرات فيها.

ظل يتعاطاها حتى نفدت أمواله، وفرّت زوجته إلى بيت أبيها، أخذت أطفالها لتنقذهم، تبرأت منه أسرته، طُرد من شركة الطيران، وظل في الشوارع شاحب الوجه، حافي القدم، ملوث البدن، لا يعرف الذكر ولا الصلاة، يمد يديه عند إشارات المرور يتسوّل من الناس، يجمع الدراهم ليشتري المخدرات. وعرفه بعض الموظفين في شركة الطيران، فقالوا: أهذا أنت؟! قال: نعم، إنني أتسول لأشري المخدرات، أذهب إلى حارس العمارة وكم تصدقت عليه والآن أسأله فلساً واحداً لا يعطيني، يقول ذلك وهو يتحسر ويبكي.

فلما رأى أن كل شيء يحاربه، أين ذهب؟ ذهب بعيداً عن مظاهر المدنية والحضارة والزحمة والزخم عن هذا الزيف والصراخ والضجيج الزائف الذي يعيشه الناس اليوم، ذهب إلى مكان يسمى الوادي الجديد، فيه الزروع والمياه والفلاحون وأناس طيبون، فيه مآذن تنادي: حيّ إلى الصلاة، فلما دخل تلك الأماكن لم يجد مكاناً يؤويه إلا بيت الله. دخل المسجد ولا يدري ماذا يفعل، فألقى بنفسه على المصحف ليقرأ كلام الله سبحانه وتعالى.

نظر إليه شاب يعمل مهندساً زراعياً، واقترب منه وقال: هل تشتغل عندي؟ قال: نعم، وفّر لي مكاناً أنام فيه، وخبزاً أأكله وأعمل لك بالمجان. أخذه إلى أرضه، وأخذ يحرث ويزرع، وإذا جاءته النوبة وحاجة الجسم إلى المخدر سقط على الأرض يتلوى، يجره المهندس إلى غرفته ويغلق الدار عليه.

وفي مرة جاء الطبيب، فإذا الحمى تنفضه ثلاثة أيام، والعرق يتصبب ويرى في منامه أشباحاً ووحوشاً لها ثلاثة رؤوس، ويرى الجن ويرى العفاريت، يرى في جسمه مخلوقاً يريد أن يمزق أوردته وعروقه ويقبض بمقبض من حديد على قلبه.. ما هذا الذي يعيث في بدني وجسمي؟

وبعد أيام من العذاب والمعاناة فتح كتاب الله في لحظة إفاقة فإذا هو على آية في سورة «النحل»، ماذا يقول الله فيها؟ (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)، وكررها مراراً: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شرابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

وأوقفته كلمة «شفاء» وليس «دواء»، بل شفاء مئة في المئة، لم يقل الله فيه دواء، صاحب المخدرات يأخذ دواءه من الصيدلية فيزداد إدماناً، والقرآن الكريم يقول: (شِفَاء لِلنَّاسِ). فلما أحضر المهندس طعام الإفطار، وكان فيه عسل النحل، فأخذ طبق العسل ولعقه وشرب بعده الماء، ثم سقط نائماً.

فلما أفاق في اليوم التالي، طلب العسل مرة أخرى فلما جيء به لعقه وشرب عليه الماء ونام، وبعد ثلاثة أيام شعر بقوة عجيبة تسري في جسمه، ثم توضأ لكي يصلي.. وهو لا يدري إن كان يصلي الفجر، أو الظهر، أو العصر أو المغرب أو العشاء.. فكان عقله لا يعرف الأوقات! أحضر له صاحبه عسل ملكة النحل فشربه، وخلال أسابيع وإذا الحياة تسري به.. حياة القرآن.. وشفاء العسل.. ولزوم بيت الله.. والطاعة.. والصلاة.. وإذا به يعود قوياً فتياً مؤمناً.

محافظ المنطقة أعطاه عشرة أفدنة فزرعها ورزقه الله بحُسن نيته، وأصبح لديه الكثير من المال، ثم بدأ يبحث عن مصير زوجته وأولاده. ظن أن زوجته قد طلبت الطلاق ثم تزوجت غيره، لكن كما يقول صلى الله عليه وسلم: «اظفر بذات الدين تربت يداك»، عاد إليها وإذا هي في بيت أبيها صابرة محتسبة تنتظر انتصار إيمانه على نفسه والهوى، وإذا به يعود إليها يلتزم أبناءه ويأخذهم جميعاً إلى بيته الصغير المتواضع، ويظل يواظب على الصلاة وقراءة القرآن الكريم، وقد أنجاه الله بالصلاة وقراءة القرآن الكريم، وعاشت تلك الأسرة الطيبة في أمن، وأمان وسكينة وسلام.

أم في قفص الاتهام مع ابنتها والقاضي يسألها، التهمة الموجهة أنها قتلت ابنها بمشاركة ابنتها ودفنتاه في البيت. يقول لها القاضي: القانون الإعدام، جريمة مع سبق الإصرار والترصد، تكلمي.. هل قتلت ابنك؟ لا تتكلم. ثم يوجّه القاضي السؤال إلى الأخت: هل قتلت أخاك؟ لا تتكلم. ينظر القاضي إلى الأم، فيراها امرأة وقورة، والحجاب على رأسها، ووجها الصاحب الحزين عليه قهر هذه الأيام، وكبت الأحزان، ودموعها تنحدر، ولكنها لا تتكلم.

وفتح القاضي الملف من جديد، وإذا الذي بلّغ عن الجريمة طفلة صغيرة، وهي ابنة بنتها المتهمة. قال القاضي: خيط حل القضية عند الطفلة، فأمر بإحضار الطفلة إلى غرفة جانبية وأحضر لها الحلوى وبعض الألعاب، واستدرجها في الحديث. قال القاضي للطفلة: هل تحبين خالك المقتول؟ الطفلة: لا. القاضي: لماذا؟ الطفلة: لأنه يضرب جدتي ويضرب أمي. القاضي: لماذا يضرب جدتك وأمك؟ الطفلة: لأنه يريد المال. القاضي: لماذا يريد المال؟ الطفلة: لا أدري، لكن جدتي تقول له: إنك مؤمن وإيمانك سينهيك ويقتلك. القاضي: لا يا ابنتي، الإيمان لا يقتل صاحبه ولا ينهيه، لعل جدتك تقول: إنك مدمن، وإدمانك سيقتلك. الطفلة: نعم، مدمن.. مدمن.. هذه الكلمة التي كانت جدتي تقولها له.

وهنا أمسك القاضي الخيط، وأخذ يبحث في القضية، وواجه الأم وقال لها: لا داعي للصمت، فلقد علمنا أن ابنك مدمن، فما حكايته؟ قالت: مات أبوه وتركه هو وأخته عندي، ثم بعد ذلك تعبت في تربيتهما وبذلت كل ما أملك، تزوجت البنت وبقي الولد، فشل في دراسته، والسبب أنه بدأ يشرب السجائر والدخان.

انظروا إلى البداية يا أولياء الأمور، والد يستدعيه الناظر بعد أن عثر الناظر على السجائر في جيب الولد ويقول له: يا أيها الوالد، لقد عثرنا في جيب ابنك على السجائر يشربها في المدرسة، فالتفت الوالد الغبي إلى ولده وقال له: ألم أقل لك لا تشرب السجائر في المدرسة؟ اشرب في كل مكان إلا في المدرسة! انظروا إلى أي درجة! الذين يتعاطون المخدرات الخطوات الأولى في شرب السيجارة؛ لأن الطفل لا عقل له، سيجر من خلال التدخين إلى المخدرات، سيأتيه من يقول له: جرّب، وسوف يجرّب لأنه يدخن.

ونحن الآن مقبلون على عطلة الربيع وفصل الربيع والأمطار التي نزلت، والمخيمات، وما أدراك ما المخيمات وما يدور فيها؟! الآن أصحاب الخمور والمخدرات يعدّون جيوشهم لغزو البلاد، وينادي عملاؤها الزبائن في الخفاء: بخمسين ديناراً فقط، في الليلة تستطيع السكر والفسق والعربدة وتعاطي المخدرات في مخيم ما.

ويؤسفني أن التقارير التي تم إعدادها عن مثل هذه المخيمات في جهة الجنوب يحضرها بعض المتنفذين وبعض المسؤولين في عزف صاخب، والذين يرقصون ليسوا النساء، إنما الذين يرقصون في هذه المخيمات هم الجنس الثالث، شباب مردان، وضعوا المكياج على وجوههم، ولبسوا الفساتين على أبدانهم، يرقصون لبعض المتنفذين تحت الدخان الأزرق. وإذا جاء يوم السبت، لبس اللبس الرسمي وركب سيارته الفاخرة، وأحاط به الحرس، وقدموا له التحية وجلس على كرسيه.

وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة»، «إياكم والرويبضة»، قيل: ما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه يكون على أمر الناس»، على أمر العامة، ويقال: ما أفطنه! ما أعلمه! ما أحلمه! وهو لا يساوي عند الله جناح بعوضة!

يعود القاضي إلى الأم ويقول لها: لا داعي للصمت، الطفلة اعترفت بأن ابنك مدمن. قالت الأم: نعم، دخلت عليه يوماً في غرفته وإذا به يعطي نفسه حقنة الهيروين، فصفعته، وضربته، ففر، ثم عاد بعد ذلك ينهبني ويسلب كل ما لديّ حتى تركني على الحديدة، ثم دخل عليّ يوماً ومزّق ثيابي، ويريد أن يهتك عرض أمه.

تقول: وكنت لا أستطيع دفعه، فأنا امرأة، واستطعت الخلاص منه وخرجت من بين يديه شبه عارية، أجري إلى بيت ابنتي، وضربت الباب فذهلت لما رأت ثيابي ممزقة، قالت: ماذا جرى لك يا أمي؟ قلت لها: أخوك هجم عليَّ لهتك عرضي، وسكنت في بيت بنتها شهوراً تترصد أخبار المدمن في بيته لعله يموت، أو يحترق، أو ينتحر، فترتاح منه.

وبعد مرور شهور قامت المسكينة وابنتها وحفيدتها لتسمع أخباره، دخلت البيت فإذا هو وكر مخيف، السجائر، والزجاجات، والغبار، والنفايات، والعفن، وقد باع معظم الأثاث. دخلت المسكينة ترتب البيت وبقية الأثاث، ومن التعب باتوا تلك الليلة في البيت، ثم جاء الوحش آخر الليل، فتح الباب ودخل، وإذا به يرى أمه وأخته وابنة أخته فاستفاقت الأم والأخت عليه وهو يراود الصغيرة يجرها إلى غرفة ليهتك عرضها، فجرت الأم إلى المطبخ وأحضرت سكيناً، ولا تدري كم طعنة طعنته حتى خر يتلبط في دمائه، ثم أفاقت الأم من ذهولها، فإذا هو جثة هامدة! فماذا تفعل؟ انتظرت لحظة، ثم خافت بعد ذلك من الأمن ومن الفضيحة، فحفرت له في البيت ودفنته.

وبعد أيام تكلمت الطفلة مع الأطفال في الشارع، فعلم الناس بالخبر وقاموا بتبليغ الشرطة فحفروا البيت وأخرجوا الجثة، واتهموا الأم بالقتل، وإذا بها تنطق أمام المحكمة لأول مرة تقول: أنا القاتلة، وأنا القتيلة، أنا الجروح وأنا السكين، أنا التي سكت عليه يوم أن شرب أول سيجارة، هذه هي نهاية المخدرات والسكوت على المخدرات، يا حضرة القاضي: إن كان هناك حكم بالإعدام فعلى تاجر المخدرات وزارع المخدرات ومروج المخدرات، هم القتلة، هم شركاء الجريمة.

أيها الأحباب الكرام..

انظروا إلى هذه المآسي، انظروا إلى هذه المآسي التي تفتك بالشباب، كان بإمكان هذا الشاب أن يكون نافعاً لأمته، خادماً لوطنه، عابداً لربه، لكن المخدرات أردته وأسرته وقضت عليهم.. هذا هو الجيش الخفي الذي يغزو أمتنا، ويدمر ديننا وأخلاقنا وأوطاننا، فحاربوه، حاربوه، وحاربوا من يبيعه ومن يزرعه ومن يروّجه.

وأنا أعلم أن الذين يتاجرون بالمخدرات الكبار الذين يحمون تجارتهم بمراكزهم وبأموالهم وإرهابهم، والذين لا يطولهم القانون، أقول لهم: إن العقوبة من الله لكم بالمرصاد، وإن الله لكم بالمرصاد، وإن النار لكم بالمرصاد، اسمعوا قول الله تعالى: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكم مُّجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ).

اللهم احفظ ديارنا من المخدرات ومروجيها، اللهم احفظ أولادنا وبناتنا ونساءنا وأوطاننا، اللهم احفظنا واحمنا منها إنك على ذلك قدير، اللهم عليك بتجارها، اللهم احصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحدًا، اكشف سترهم، وافضح أمرهم، ومكّن السلطات منهم، إنك على ذلك قدير.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

مسؤولية الآباء ومنهج لقمان الحكيم:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله.

أحبابنا الكرام..

استمعوا إلى نداء رب العالمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ * وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ).

والله سبحانه أحيا بلدنا بالماء، ويريد منا الشكر، وبشّرنا وأنذرنا: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)؛ فلتطب أخلاقنا يطب أولادنا، نباتنا أولادنا، أكبادنا أولادنا، فإذا خبث الحكم والمحكوم والقوانين الوضعية التي تقول للزاني: أنت بريء ما دمت راضياً، (وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً)؛ نكداً لوالديه، نكداً لمجتمعه، نكداً لجيرانه، نكداً لأصحابه؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ).

يا أيها الآباء، اجلسوا مع الأبناء، واختاروا لهم الأصحاب والأخلاء، خذوا ما في قلوب أولادكم، لا تنشغلوا عنهم، كل طفل في نفسه جوعة إلى أبويه، اجلس إليه وحدثه وسامره ولاطفه، وامزح معه، اختر له الأصحاب الذين يكونون كالمسك، والعبير، اختر له الأصحاب الذين يذكرونه إذا نسي، ويعلمونه إذا جهل، ويدلونه إذا ضاع واحتار، ويهدونه إذا ضل؛ «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».

اجلسوا مع أبنائكم واحموهم من المخدرات وأفلام الجنس والدعارة، رب غفلة تودي بأسرة، رب أب يجري خلف خبزه يضيع منه كل شيء، يضيع منه كل شيء، اجلسوا مع أبنائكم كما جلس لقمان مع ابنه: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ).

جلسة عقائدية، الذي يراقب الله في حبة مثقال خردل في صخرة في السماء أو الأرض، لا بد أن يراقب الله عندما توضع في يده المخدرات، حبة خردل.

(إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ * أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ).

ما أحوج الأبناء إلى جلسة الآباء يحدثونهم في هذه القضايا النورانية الإيمانية! يحفظ الله بها المال والولد والأسرة، نعم، أيها الإخوة، اجلسوا جلسة لقمان مع ولده.

دعاء الختام:

نسأل الله تعالى أن يحفظ بيوتنا، وأولادنا، وأسرنا، اللهم اجعلهم نبتاً طيباً مباركاً؛ (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ).

اللهم أصلح أولادنا واجعلهم قرة عين صالحة في الدنيا وفي الآخرة، حبب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا وإياهم من الراشدين.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

اللهم انصر المجاهدين في فلسطين وفي أفغانستان، وفي أروميا وإريتريا ولبنان وكل مكان، اللهم سدد رميهم، واجبر كسرهم، وفك أسرهم، واغفر ذنبهم، وحقق بالصالحات آمالنا وآمالهم.

اللهم اجعل سقياك التي سقيتنا سقية إيمان، وعطاء إيمان، إن عطاءك لم يكن محظوراً، اجعل في أرضنا زرعها، وسكنها، وزينتها، ومغناها، إنك على ذلك قدير، اجعل بلدنا هذا وسائر بلاد المسلمين أمناً وإيماناً.

اللهم ألّف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبيل السلام. نسألك اللهم العافية في الجسد، والإصلاح في الولد، والأمن في البلد، إنك على ذلك قدير.

عباد الله.. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

تحميل