الأربعاء 13-مايو-2026 - 26 ذو القعدة ، 1447
الخطيئة والغفران
التعـريف بالخطـبة
سمى الله عزوجل نفسه التواب، وجعل للتوبة بابًا مفتوحًا
إلى أن تشرق الشمس من مغربها، ونادي بالتوبة على عباده المسرفين، وأخبر عن فرحته
بهم إن هم تابوا إليه، ووعدهم أن يبدل سيئاتهم حسنات، فما أرحمك ربي وما أعظم كرمك.
عنـاصـر الخـطبـة
وقفات مع حديث قاتل المائة
الفـرق بيـن العـالم والعابـد
كـرامـة الآدمـي عــنـد الله
لأجل التائب تغيرت معالم الأرض
فرحة المـلك بتوبة العـبد
الـمـقـدمـة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله مقيل عثرات العاثرين،
وراحم المذنبين، وقابل التائبين، الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي
أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى.
الحمد لله، تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمّت
فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة
لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين.
فتحت باب توبتك إلى العاصين، تغفر لهم وإن جاؤوا بملء
الأرض خطايا، تغفر لهم، وإن بلغت ذنوبهم عنان السماء، تغفر لهم بلا واسطة، أي يقول
العبد: تبت، فتقول: عبدي غفرت.
وأصلي وأسلم على قائدي وقدوتي ومعلمي وحبيبي محمد بن
عبدالله، إمام التائبين، وسيد المرسلين، والأولين، والآخرين، وحبيب رب العالمين،
القائل: «يا أيها الناس، توبوا واستغفروا الله، فإني أتوب في اليوم سبعين
مرة».
وقبل أن يختم الصلاة بالتسليم في تشهده الأخير يعلم أمته
فيقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني،
اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما
أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت
إلهي لا إله إلا أنت».
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، والصحابة أجمعين،
والتابعين ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.
عباد الله..
أوصيكم ونفسي بتقوى الله، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).
أما بعد، أيها الأحبة.
إني أحبكم في الله.
وقفات مع حديث قاتل المائة نفس
كثيراً ما استوقفني حديث شريف، تتجلى فيه رحمة الله على
العاصين والمذنبين، وكنت كلما قرأته تدفق الأمل والرحمة والرجاء إلى روح الله،
ورحمة الله، وهذا الحديث الشريف أعذر الله به إلى الخلق وإلى الناس.
فلا حجة لمن يأتي يوم القيامة فيقول: رب ما تبت لأنذنوبي عظيمة، وكبيرة، ومن أي ذنب أتوب، ومن أي معصية أستغفر! إنني أوغلت في
الخطيئة، ولم أعلم أنك غفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى.
أقرأ عليكم نص الحديث الشريف الصحيح الذي يرويه مسلم: عن
أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان فيمن كان قبلكم
رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على راهب..».
ولي هنا وقفة: تسعة وتسعين
قتيلاً، عند القتيل الأول كان يعلم الله أنه هذا سيتمادى في خطيئته، حتى تبلغ
الجريمة عنده مائة في المائة، فإذا ما بلغت إلى هذه الدرجة، يعلم الله أنه سيتوب،
فأمهله وتركه، حتى تأتي اللحظة العظيمة الخطيرة، التي يقف بين يدي الله فيها العبد
منكسر القلب، دامع العين، مهزوز الأوصال، يناجي ربه بالتوبة، فلا يجد بينه وبين
الله حجاباً وحائلاً، بل أبواب الله كلها مفتوحة له، ولو قال: (أشهد أن لا إله إلا
الله، وأن محمداً رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين، والمتطهرين)، بعد
مصافحة الماء الطهور في الوضوء، لفتح الله له أبواب الجنة الثمانية.
الفرق بين العالم والعابد
أعود إلى الحديث، سأل عن أعلم أهل الأرض، ولم يسأل عن
أعبد أهل الأرض، فكثير من الناس يغترون بالمظاهر، ولكن الذي دلّهُ لم يذهب به إلى
أعلم أهل الأرض، إنما ذهب إلى راهب، والرهبان غالباً ما يعبدون الله على جهل
وضلالة، فالله شهد بضلالتهم في «الفاتحة» (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ) (الفاتحة: 7) هم اليهود، (وَلاَ الضَّالِّينَ)
(الفاتحة: 7) وهم النصارى ورهبان النصارى؛ لأن الرهبانية بدعة ابتدعوها، ما
كتبها الله عليهم.. كثير القيام.. قليل الطعام.. قليل الشراب.. بالي الثياب.. قذر
اللحية.. حافي القدمين.. محصور في مغارة.. ذهب إليه هذا العاصي ليتوب..
«.. فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فقال: لا،
فقتله فكمل به مائة..».
إذاً، عندما نغلق باب التوبة أمام العاصي تستمر الجريمة، أم تنتهي؟ تستمر الجريمة.. لم يتردد عندما أغلق باب التوبة في وجهه أن يقتله، وهو العابد، الراهب، الذي قطع حياته في عبادة الله، ولكن التوبة التي تقعقع في صدره لم تجعله يهنأ بطعام ولا شراب ولا منام.
جاء مرة ثانية، «.. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة
نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟».
وكان يكفي هذا العالم أن يكون الجواب نعم، هل لي من توبة؟ الفتوى نعم.. ولكنه عالم مربٍّ، يدخل إلى النفوس والقلوب والأرواح، أعطاه
الفتوى، وأعطاه العلاج، أعطاه العلاج، اترك قريتك قرية السوء، ورفقتك رفقة السوء،
وصحبتك صحبة السوء، اترك الموقع الذي تمارس فيه الخطيئة، اترك المكان الذي يذكرك
بالجريمة، اترك الرَّبع والأصحاب الذين يؤذونك، وأعطاه البديل؛ رفقة صالحين، وبلدة
صالحة، هكذا يكون العلماء والمربون.
قال «.. انطلق إلى أرض
كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك،
فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت..».
الأجل انتهى.. ما صلى.. ما صام.. ما زكّى.. ما حجَّ.. ما
تصدّق.. يحمل شيئاً واحداً في صدره؛ أنه تاب إلى الله، ونية تملأ الميزان، ذهابه
إلى أرض الطيبين والصالحين ليواصل مسيرته الصادقة مع الله، ولكن الأجل محدود، لا
يقدّم ولا يؤخر، في منتصف الطريق، انتهى الأجل.
كرامة الآدمي عند الله
«.. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء
تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط،
فأتاهم ملك في صورة آدمي..».
من الذي أمر الملك بصورة آدمي أن ينزل؟ الله.
الملائكة تختصم؛ جثة التائب على الأرض، قبضه مولاه،
والملائكة لا تعلم الغيب، ملائكة الرحمة عندها توبة وإقبال، وملائكة العذاب عندها
جرائم ودماء، أنزل الله برحمته وبره ولطفه ملكاً، لا بهيئة الملائكة، إنما حوّله
من طبيعته الملائكية إلى الطبيعة البشرية، كرامة للبشر، الذين أخدمهم الله
الملائكة، فصارت الملائكة في ركابهم؛ لأن الميت ليس ملكاً، إنما الميت إنسان؛ لأن
التائب ليس ملكاً، فالملائكة (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ) (التحريم: 6)، إنما التائب خطّاء، إنما التائب إنسان، فكان
الحكم يأتي بصورة إنسان، ولو كان ملكاً من الملائكة.
ووقف بينهم، والملائكة لا تعلم أنه ملك، إنما هو آدمي،
ارتضوا حكمه بأمر من الله.
«.. فجعلوه بينهم -أي حكمًا- فقال: قيسوا ما بين الأرضيْن، فإلى أيتهما كان
أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة».
وفي رواية ثانية صحيحة: «فلما كان في بعض
الطريق أدركه الموت، فناء بصدره».. الله أكبر.. ناء بصدره وهو يعالج سكرات
الموت وكربات الموت.. تحرك بصدره بعد أن شلّ الموت قدميه، وشل الموت قدميه.. لعله
يتقدم إلى الأرض الطيبة والصالحين شبراً أو أقل من شبر.. من يفكر بذلك في لحظات
الموت، ومحمد صلى الله عليه وسلم وضعوا يده في الماء البارد، ويمسح وجهه ويقول: «لا إله إلا الله،
إن للموت سكرات.. إن للموت كربات، اللهم أعني على سكراته وكرباته».
وهذا في سكرات الموت وكرباته، لم ينس التوبة، ولم ينس
ربه، لم ينس الصالحين، لم ينس أرض الطيبين.. يتزحزح بانفعالاته وبقايا الحياة في
عروقه، لعل هذا الشبر الذي يزحف به يدخله جنات النعيم.
وكان فعلاً شبراً واحداً.
يقول الحديث: «فناء بصدره ثم مات، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فكان
إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر، فجُعل من أهلها».
لأجل التائب تغيرت معالم الأرض
وجاءت رواية ثالثة للحديث، وفي الرواية الثالثة للحديث
حدثت معجزة كونية كسر الله فيها قانوناً وناموساً من نواميس الكون، المعجزة أن
الكرة الأرضية وجثة الخاطئ التائب ملقاة عليها، كان الأجل وافاه وهو غريب من بلاده
بشبر، فقال الله للأرض تجاه قرية الصالحين: «تقاربي، وقال للأرض السيئة تجاه
بلاده: تباعدي»، فتغيرت الكرة الأرضية، وتغيرت قشرتها، بأمر خالها من أجل هذا.
معجزة كونية تعجز على سطح الأرض لمن تاب إلى الله، فهل
بقي للعاصين عذر على أن يتوبوا إلى الله.
تقول الرواية الثالثة: «فأوحى الله إلى هذه أن
تباعدي، وإلى هذه أن تقاربي» (رواه مسلم).
أحبتي في الله..
ماذا أقول أمام هذه الرحمة وتلك التوبة؟ نداء إلى كل
العاصين الخاطئين، نداء إلى كل من ظلم، واجتالته الشياطين: عودوا إلى مولاكم،
عودوا إلى أرحم الراحمين، عودوا إلى من اسمه التواب الرحيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53).
نداء إليهم بالقرآن الكريم، يفتح لهم رصيداً جديداً من
الحسنات وإن لم يعملوا بعد التوبة إلا الموت.
(إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) (الفرقان:
70).
يقول الإمام ابن القيم في تفسيرها: (ومن أعظم العمل
الصالح التوبة، فإنها عامة تحتوي على كل ذنب أذنبه، أو خطيئة أخطأها، فهي توبة
شاملة، ستأتي على كل معصية، بعدد المعاصي، ستكون كل معصية تقابلها توبة خاصة بها،
وعلى عدد المعاصي ستكون عدد التوبات، وكل توبة حسنة، لهذا يبدل الله سيئاتهم
حسنات، وكان الله غفوراً).
من يعطي مثل الله؟! لا إله إلا الله.. نداء إلى
الطائعين: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 31).
اللهم اجعلنا في التائبين، ومن التائبين، برحمتك يا أرحم
الراحمين، إن الذنب كبير، والعمل قليل، ولا نثق إلا برحمتك يا أرحم الراحمين، إن
نظرت إلى ذنوبنا ومعاصينا وتقصيرنا فإننا نستحق العقوبة، ولكن رحمتك أوسع، ومغفرتك
أكبر.
يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر
أعظم الآثام من أصغر عفو الله أصغر
يا نفس توبي، قبل أن لا تستطيعي أن تتوبي
واستغفري لذنوبك الرحمن غفّار الذنوب
إن المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وادعُ الله وأنتم
موقنين بالإجابة.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين،
وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله.
أما بعد، عباد الله، اتقوا الله، اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
ويأتي الحديث الثاني، ينقلنا نقلة إلى جوف الصحراء
المترامية الأطراف، بين كثبانها المحرقة، والظل تحت الحذاء، ووهج الشمس يشوي كل
شيء، وفيها عابر، ضلت ناقته، عليها طعامه وشرابه.
وأخذ يبحث عنها والرياح تسف الرمال في عينيه، وتحرق
قدميه، حتى أصبح لسانه كالحجارة، ويئس، ووجد في طريق بحثه شجرة، فألقى بنفسه وهو
متهالك تحت جذعها، ليموت، يئس من الراحلة، صورة عجيبة، وبينما هو ينتظر الموت، لا
ينتظر الحياة، إذ فتح عينيه، فإذا به يراها فوق رأسه واقفة، ما أعظم القدر! هذه
الصورة تتكرر لا يعرف قيمتها إلا من عاناها ومر بها، لا يُشترط أن تكون في صحراء،
لا يُشترط أن تفقد الماء والغذاء، لكنك تمر عليك اللحظة بعد الخطيئة والذنب، فتكون
في صحراء الذنوب وفي قحط الخطايا، ظمآن إلى رحمة الله، ظمآن إلى مغفرة الله، تحت
وطأة تأنيب الضمير، وزلزلة التوبة، التي لا تجعلك تستقر، حتى تلقي بنفسك بين يدي
الله، كإناء الفخار المنكسر، تطأه الأقدام فلا يتحرك، أو كالميت يغسّل، يقلّب
يميناً وشمالاً، في قمة الاستسلام لله رب العالمين.
أما سمعت كيف كان جبريل عليه السلام، يوم أن رآه الرسول
صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ألقى بنفسه دون العرش كالحلس البالي، كالجلد
البالي، وهو جبرائيل، له ستمائة جناح، إذا ظهر بصورته الملائكية سد الفضاء من
مشرقه إلى مغربه، أمام عظمة مولاه، كالجلد البالي الملقى على الأرض.
الحديث يطول، ليبين لنا فرحة الله بتوبة عبده؛ «لله أفرح
بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته في أرض فلاة مهلكة فانفلتت
وعليها طعامه وشرابه، فآيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ينتظر الموت، قد آيس من
راحلته، فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة
الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح».
فرحة الله أعظم، توبوا أيها العاصون، بمشارق الأرض
ومغاربها، توبوا إلى الله، (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (الذاريات:
50).
واستمعوا إلى صفات الصالحين في كتاب الله، وبأي صفة بدأ،
وبأي قوم بدأ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (التَّائِبُونَ
الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (التوبة: 112).
أيها الأحبة..
(يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {26} وَاللّهُ يُرِيدُ
أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن
تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً {27} يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ
الإِنسَانُ ضَعِيفاً) (النساء).
وصدق الله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ
ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
(آل عمران: 135).
أيها الأحبة في الله..
استمعوا معي إلى هذه البشرى، الرسول صلى الله عليه وسلم
يقول: «نعم العبد إذا جاء يوم القيامة وقد مُلئت صفحته بالاستغفار».
وأنا ضامن لك يا أخي إذا ما تبت وواصلت التوبة أن الله
يعصمك، ويحفظك، قال تعالى في كتابه الكريم: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ
فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (آل عمران: 101)، (وَاعْتَصِمُوا
بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:
78).
وحافظ على هذه التوبة، الزم الاستغفار، الزم التوبة، لا
تنفك عنها حتى تسمع الملائكة تقولك بعض فيضان الروح، وعند فيضان الروح، (أَلَّا تَخَافُوا
وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ {30}
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ
فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ {31} نُزُلاً
مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) (فصلت).
غفور.. رحيم..
أَيا مَن لَيسَ لي مِنهُ مُجيرُ
بِعَفوِكَ مِن عَذابِكَ أَستَجيرُ
أَنا العَبدُ المُقِرُّ بِكُلِّ ذَنبٍ
وَأَنتَ السَيِّدُ المَولى الغَفورُ
فَإِن عَذَّبتَني فَبِسوءِ فِعلي
وَإِن تَغفِر فَأَنتَ بِهِ جَديرُ
أَفِرُّ إِلَيكَ مِنكَ وَأَينَ إِلّا
إِلَيكَ يَفِرُّ مِنكَ المُستَجيرُ
عسى من لطيف الصنع نظرة رحمة
إلى من جفاه الأهل والصحب الإلف
عسى فرج يأتي به الله عاجلاً
يصر به الملهوف إن عمه اللهف
عسى نفحة فردية صمدية
بها تنقضي الحاجات والشمل يلتف
وإني لمستغن لفقري وفاقتي إليه
ومستقو وإن كان بي ضعف
أحبتي في الله..
قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) (النساء: 48)، فاختر من أي القسمين أنت، فقد قسم
الله الناس قسمين؛ تائباً، وظالماً، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، وأمامك
الاختيار والفرصة قبل أن ينتهي الأجل، واعلم أن الله قد أقام الحجة، وأظهر البينة،
فلا عذر لأحد، (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن
بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال: 42)، (وَتُوبُوا إِلَى
اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:
41).
تبنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا.
دعاء الختام
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا
على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء
بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واغفر لإخواني هؤلاء، فإنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت، واغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم
والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين، لا تدع لنا ذنباً إلا
غفرته، ولا هماً إلا فرّجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شافيته، ولا
ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عسيراً إلا يسرته،
ولا سوءاً إلا صرفته، ولا عيباً إلا سترته، وأصلحته، ولا مسافراً إلا حفظته، ولا
غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته.
اللهم انصر المجاهدين، وأكرم الشهداء وثبت الغرباء، وفك
المأسورين، اللهم رحماك بالأطفال اليتامى، والنساء الحيارى، والشباب الحيارى،
والنساء الثكالى.
اللهم إنا نسألك الجنة ونعيمها، ونعوذ بك من النار
وجحيمها، نسألك الشهادة في سبيلك.
اللهم اجعل موتنا شهادة، ودماءنا مسكاً، وخير أيامنا يوم
لقائك، وخير أعمالنا خواتيمها.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى
عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.
اذكروا الله
يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.