الثلاثاء 02-يونيو-2026 - 16 ذو الحجة ، 1447

التضحيات على مر العصور (اشنقوه بالعلم)

72
2026-05-31

التعريف بالخطبة

تناولت الخطبة مسيرة النضال والمنافحة عن الحق في الأمم السابقة، كما في قصة أصحاب الأخدود، وكذا أصحاب النضال في أمتنا، كما فعلت أسرة حبيب بن زيد مع مسيلمة الكذاب، ثم ربطت الخطبة بين التاريخ والواقع المعاصر لأمتنا لاسيما أحداث النضال في فلسطين، ثم ختمت الخطبة بالحديث عن اضطهاد المسلمات المنتقبات في الجامعات، مع بيان حكم النقاب عند العلماء قديما وحديثا.

عناصر الخطبة

أولا: بين المجاهد حبيب والكذاب مسيلمة.

ثانيًا: ابن ثامر المؤمن وذو نواس اليهودي.

ثالثًا: وصية إلى أهل فلسطين.

رابعًا: قضية النقاب في الجامعة.

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنجز وعده ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، الحمد قاصم الجبابرة، ومبيد الطواغيت، الناصر لأوليائه، الخاذل لأعدائه، قيوم السموات والأرض، ملك الملوك.

الحمد لله، الذي أعز بالجهاد والإيمان أهل الجهاد والإيمان، وأذل بالذنوب والمعاصي أهل الكفر والطغيان، وجعل من قوته في أضعف خلقه، في صغار الأطفال والصبايا، وحجارة صماء.

والصلاة والسلام على محمد النبي الرسول، إمام المجاهدين، وحبيب رب العالمين، اللهم صل وسلم عليه تسليما كثيرًا، وارض الله عن الخلفاء الراشدين والصحابة أجمعين، ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.

أما بعد عباد الله..

إني أحبكم في الله، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا وإياكم في زمرة المجاهدين، لا في زمرة القاعدين المتخاذلين، وأن يجعل موتنا شهادة، ودماءنا مسكًا، هو ولي ذلك والقادر عليه.

عباد الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: 2-3).

أهلًا بكم عباد الله بألوفكم، في مسجد منبر الدفاع عن الأقصى، أهلًا بكم تمشون بخطاكم المباشرة، لكي تلتقي بخطى أهل فلسطين في عرصات حشر يوم القيامة، يوم تأتي الأمم والأحزاب والدول والشعوب والحكومات، فيأتي مسجدنا هذا ومن فيه جنبًا إلى جنب، مع الذين نصروا القدس والأقصى بإذن الله رب العالمين.

ويستمر الجهاد في فلسطين في يومه الثمانين، ولله الفضل والمنة، وهذا ليس على الإسلام بعجيب، ولا بغريب.

بين المجاهد حبيب والكذاب مسيلمة

النبي صلى الله عليه وسلم يختار فتى من فتيان الإسلام بعمر شباب القدس وفلسطين، ويرسله وحده إلى من ادّعى النبوة، إلى مسيلمة الكذاب، يرسل حبيبًا، وما أدراك ما حبيب؟ أمه المجاهدة المسلمة نسيبة العامرية، رضي الله عنهم أجمعين، قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «ما التفتُّ يمينًا ولا شمالًا ولا أمامي ولا خلفي إلا وجدتها تقاتل دوني»، كما تفعل الأم المسلمة اليوم في فلسطين، لا يلتفت «الأقصى» يمينًا أو شمالًا، أمامه أو خلفه، إلا ويرى تلك الأم التي تقاتل وتنادي الله أكبر الله أكبر.

ويتقدم حبيب إلى مسيلمة، وما أكثر المسيلمات في زماننا هذا، الذين الآن يعدون مؤامرة القضاء على الجهاد في «الأقصى»، قال له مسيلمة الكذاب: أتؤمن أني رسول الله؟ قال: لا أسمع.

أحبتي هنا وهناك، ليكن شعاركم لكل المبادرات والحلول، وكل عمليات ومؤامرات الاستسلام مع اليهود، ليكن هذا شعاركم، امتدادًا من حبيب أمام مسيلمة، إلى مسيلمات القرن العشرين، إلى مسيلمات المستقبل، أمام كل مبادرة أو حل سلمي خؤون، فليكن شعارنا: لا نسمع، لا نسمع، لا نسمع، ولا نطيع.

يقول مسيلمة له: أتؤمن أني رسول الله؟

حبيب يقول له: لا أسمع.

قال: أتؤمن أن محمدًا رسول الله؟

قال له: صلى الله عليه وسلم.

يا له من جواب قاطع مانع، معجز! لو تمثلته الأمة اليوم، ولو تمثله العلماء اليوم، لو قالوا لكل مسيلمة: لا نسمع، أعطونا- يا فضيلة العلماء- فتوى في تبرير الانحرافات في هذا الصمت والموات، في التآمر على «الأقصى»، في الصلح مع اليهود، لو قال العلماء لا نسمع، لا نسمع، لا نسمع؛ لارتدع أولئك الطواغيت وارتدع كل مسيلمة كذاب.

عند ذلك، قال لجلاوزته: اقطعوا يده، والتاريخ يعيد نفسه أحبابي، فإن كان حبيب قد قُطعت يده أمام مسيلمة، فآلاف الأيدي الآن يُتآمر على تكسيرها وتقطيعها.

وبعد قطع يمينه، قال: تؤمن أني رسول الله؟ (إرهاب) ويظنون أن الذي ذاق حلاوة الإيمان ورغب في الشهادة، ودوّن اسمه مسبقًا في سجل الخلود، يخاف من التقطيع والتنكيل، قال: لا أسمع، قال: ومحمد، قال: صلى الله عليه وسلم، قال: اقطعوا شماله.

يا أبطال الحجارة في فلسطين والقدس.. إن حبيبًا سابقكم إلى حوض النبي صلى الله عليه وسلم، يوم تبعثون يوم القيامة، بأيد وأرجل قد كسرت وخرجت أطراف العظام من تحت الجلود كالزهرات، يعبق فوقها الدم المسكي، يتقدمكم حبيب الذي قطع مسيلمة يده، وقطعت أيديكم التآمرات والمؤتمرات العربية، في زماننا هذا.

قال: اقطعوا رجله، قال: اقطعوا الرابعة، أربعة أطراف، أصبح جثة، ينزف دمًا من أطرافه كلها.. ثم قال: أتؤمن أني رسول الله؟

قال: لا أسمع.

قال: ومحمد؟

قال: صلى الله عليه وسلم.

فأمر فأوقدوا له نارًا، ثم حمله وأطرافه تشخب دمًا، وألقاه في النار وهو حي يتلبط فيها، ففاضت روحه إلى الله رب العالمين([1]).

وهكذا يعبر حبيب رضي الله عنه وأرضاه، التاريخ القديم والتاريخ المستقبلي سواء بسواء.

ابن ثامر المؤمن وذو نواس اليهودي

أما في التاريخ القديم فقد قام ذو نواس اليهودي في أرض اليمن في نجران، إلى الطائفة الموحدة وأمرهم أن يغيروا اتباعهم لعيسى عليه السلام، أنه نبي رسول، وأن يتبعوا اليهود الذين كفروا، فأبوا، رجالًا ونساء وأطفالًا، وكبارًا وصغارًا، أتدرون بماذا تحدى الله ذا نواس اليهودي؟ يهودي عربي، من الجزيرة، من اليمن، هناك عند الجبال الشاهقة، تحداه بغلام صغير اسمه عبدالله بن ثامر.

عبدالله تحققت فيه العبودية، وثامر أثمر توحيد الشعب، يوم أن أمر جنوده أن يأخذوا هذا الغلام الصغير ويلقوه في البحر، فحملته أمواج البحر إلى الساحل، قال: خذوه فحرقوه، فلم يحترق، خذوه وألقوه من قمم الجبال، فارتجت بهم الجبال، وعجز، عجز.. يخرج عبدالله بن ثامر والناس في ضنك وشدة، ما لكم؟ وحش ضخم يقطع علينا الطريق، فأخذ حجارة من الأرض ثم قال: بسم الله، فألقاها فتفجر رأس الوحش.

عند ذلك تعرى الطاغوت تمامًا أمام حجارة ابن ثامر، واحتار في أمره، قال له: قتلي غايتك يا مسكين؟ تظن أن بقتلي يُقتل الدين ويموت الجهاد؟ وتخنق الحريات ويضيع الحق، سأجعل من قتلي حياة للمستضعفين، إن شئت قتلي فخذ سهمًا من كنانتي، وقل والناس يسمعون: باسم رب الغلام.

وأمام جنون الطاغوت الذي لا يفكر إلا بالانتقام، ولو من أطفال.

والله إن هناك طواغيت يفكرون من الانتقام حتى من الأجنة في البطون!

أخذ السهم وصاح وهو لا يعقل: باسم رب الغلام! وقد ربط الطفل في شجرة، فأطلق السهم، فدخل في جبينه، فمالت عنقه شهيدًا إلى الله، وسال دمه، فإذا موته حياة، وبعث للشعوب، وإذا الأمة كلها تدوس على كل مصالحها وارتباطها بهذا الطاغوت، وتنادي: باسم رب الغلام، باسم رب الغلام، آمنا برب الغلام، فخروا لله ساجدين.

عند ذلك، أسقط في يده، وأمر جنوده فحفرت الأخاديد، وجمعت فيها الأخشاب، وأشعلت فيها النيران، وساقوا الناس إليها سوقًا، قال لهم: أنتم بين أمرين: إما الكفر فتتبعوني فأعفو عنكم، أو تظلوا على دين هذا الغلام فتحرقوا في الأخاديد.

قالوا: والله إن نار الدنيا أحب إلينا من نار الآخرة، ولأن نصبر عليها لحظات خير لنا من أن نعذب في جهنم أحقابًا، أحقابًا، عند ذلك تدافعوا ولم يُدفعوا، وتسابقوا ولم يسبقوا، كان دخولهم في الخندق الناري كحفلة عرس، أو حفلة زفاف؛ لأنهم ما أن يهووا في النار الملتهبة إلا وتفيض أرواحهم إلى جنات النعيم.

ووقفت أُم على شفير الخندق، ورضيعها على صدرها، التقم الثدي، فقالت: ما ذنب هذا الطفل؟ فنزع فمه، وقال: أماه.. أقدمي، أقدمي، إنها والله الجنة، فهوت هي وجنينها في النار.

ونزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، بعد مرور القرون، لكي يثبت أن أصحابه الذين يعذبون ويحرقون لهم سلف صالح من أهل التوحيد، وأن الذين يعذبون الآن في فلسطين، ويكسَّرون، ويسجنون، لهم سلف صالح من أهل التوحيد، فاثبتوا عباد الله ثبتكم الله.

(وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ {1} وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ {2} وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ {3} قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ {4} النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ {5} إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ {6} وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ {6}) (البروج).

فرقة المشاهدين المستمتعين بعذاب الآخرين، ماذا سيحدث لهم يوم القيامة؟ (وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ {7} وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) (البروج)، فتساقط كل مُلك، وتهاوى كل عرش، والعروش والملوك الذين يتآمرون الآن على «الأقصى» والمجاهدين سيتساقطون كما تساقط ذو نواس.

سبحانه: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (البروج: 9).

في الماضي، والحاضر، والمستقبل، على كل شيء شهيد.

ويستشهد حبيب رضي الله عنه وأرضاه، وتقوم أمه صابرة، وتعقد في قلبها الانتقام من مسيلمة، وتزحف جيوش المسلمين لقمع المرتدين، والمرتدون من هذه الأمة لا يُقمعون إلا بجحافل الإيمان والإسلام.

فالذي يتآمر على «الأقصى» مرتد، ولو كُتب في شهادة الميلاد أنه مسلم، ولو صلى في بيوت الله كلها، فهو مرتد، مادام يتآمر على المسجد الأقصى، ولو لبس لباس الإحرام، وعلق المسبحة، وشرب ماء زمزم، وسجد على التراب الطهور، فإنه مرتد، مادام يتآمر على المسجد الأقصى؛ لأن المسجد الأقصى والقدس عقيدة.

وتمر الأيام أيها الأحباب الكرام، ويحاصر مسيلمة الكذاب في حديقة الموت، كما يحاصر كل مسيلمة اليوم في حدائق الموت والتعرية، إنهم الآن في مرحلة الاختناق، وتقوم نُسيبة وتتقدم عن يمينها ابنها عبدالله، وعن شمالها وحشي بحربته التي قتل بها حمزة سيد الشهداء، يوم أن كان وحشي كافرًا، جاء لكي يطهر هذه الحربة، يطهرها من رجسها وإثمها بقتلها لحمزة، لا تطهير لها أبدًا إلا بقتل سيد الكفر مسيلمة، وهكذا، لا تطهر القضايا، ولا تزكو الشعوب، ولا يستمر الجهاد إلا بعد مثل هذا التطهير.

يتراجع مسيلمة ويلتصق ظهره بالجدار، وتتقدم إليه الأم كاللبؤة فتضربه بالسيف، فيطير منه عضو، ويتقدم ابنها أخو حبيب فيضربه بالسيف، فيطير منه عضو، ويتقدم إليه وحشي فيدك صدره وصلبه بالرمح ويغرسه في الجدار.

وجدار الصامتين سيأتيهم رمح وحشي غير قابل للاستسلام، ولا التدجين، ولا التهادن، ولا التصالح، طال الزمان أو قصر.

اضرب، تحجرت القلوب وما لها إلا الحجر

اضرب فمن كفيك ينهمر المطر

في خان يونس في بلاطة في البوادي والحضر

ولى زمان الخوف أثمر في مساجدنا الشرر

في فتية الأنفال والشورى ولقمان وحفّاظ الزمر

من أحمد الياسين تنطلق الأوامر والعبر

في المسجد الأقصى، وفي العمري قد نطق الحجر

شاهت وجوه بني النضير تدافعوا نحو الحفر

شاهت وجوه الانتهازيين عباد البشر

اضرب لغزة وحدها بزغ القمر

اضرب لنابلس القلائد الدرر

اضرب فلا استسلام بعد اليوم لا لا مؤتمر

هذي طريق القدس، من عظمي تمر

أنا الذي دمي يسيل صاخبًا كما النهر

وتسكن الرعود في جبيني الأغر

أنا الذي تكسرت ضلوعه فبان تحت الجلد للعرب الزهر

أنا الذي تهدمت قريتنا فلاح من جهاتها الشرر

أنا الذي أحبه الحجر وإخوتي في البئر قذفوني وما تركوا أثر

يا أيها المرتد والسمسار والمحتال موعدكم سقر

في القدس قد نطق الحجر لا مؤتمر لا مؤتمر

أنا لا أريد سوى عمر

الضابط المهزوم

والدجال والطبال والجاسوس والكذاب والسمسار

في جنح المساء يتداولون فصول مذبحة تدبج في الخفاء

هجموا على أجفان زيتوني

ليقتطفوا زهور الشهداء

جاءوا كأبرهة سواد وجوههم يلد الغباء

هذا زمان قد مضى

لن تسرقوا مني اللواء

ستظل رايات الصحابة في يميني كالضياء

للقدس رائحة الإباء

للقدس طعم الشهداء

والقدس أرض الأنبياء

والقدس حلم الشهداء

والقدس خبز وقمر

في القدس قد نطق الحجر

لا مؤتمر لا مؤتمر لا مؤتمر

أنا لا أريد سوى عمر

أنا لا أريد سوى عمر القائل: إن الله أعزنا بالإسلام وبالرسول صلى الله عليه وسلم، فإن أردنا العزة بغير الإسلام أذلنا الله.

وصية إلى أهل فلسطين

وصيتي أحبابي هنا وهناك، احضروا إلى بيوت الله والمساجد، في مثل هذه الخطب مع أبنائكم وأشبالكم، وتابعوا معهم الجهاد في فلسطين في بيوتكم، انظروا واقرأوا واسمعوا كل أخبارها، واربطوهم بها، لابد أن نمد هذا الجهاد بنفس طويل، ومدد كبير، والذي عنده إقامة في فلسطين، أصبح الآن لا يحل له إلا أن يذهب إلى فلسطين فيرابط ويجاهد، أما الذي يؤذن له في الدخول والخروج بلا إقامة، فعليه أن يعد العدة من الآن، في عطلة الصيف، ليذهب إلى هناك، ليركع ويسجد هو وابنه في «الأقصى»، ويتلمس حجارة القدس، لعل فيها دم شهيد، وأن يأخذ منها وسام الشرف والجهاد، على كل فلسطيني يستطيع دخول فلسطين، أن يعقد نية الرباط ولو طرفة عين، ما تدري، لعل كثيرًا من أعمالنا تطيش يوم القيامة، وتأتي ذرة حجر، أو نسمة سحر، في المسجد الأقصى بأنفاس العابدين..

من الآن هيئ نفسك يا أخي للسفر إلى هناك، فوالله ما كان لهذه الانتفاضة أن تستمر ثمانين يومًا لولا أن المساجد عبأتهم، والقرآن رباهم، والرسول صلى الله عليه وسلم ناداهم بأحاديثه، وجهاده، والصحابة ببطولاتهم وسيرتهم.

وهم يوم أمس دخلوا مرحلة جديدة من مراحل الجهاد، جاءوا إلى عميل من العملاء، ومنافق من المنافقين، ومسيلمة من مسيلمات القرن العشرين، وجروه من كراعه الخؤون، وأيديه العفنة، وجسده الذي لا يعرف الوضوء ولا الاغتسال، ونصبوه على عمود الكهرباء، لا لكي يتكهرب بكهرباء اليهود، ولكن لكي يشنق بعلم فلسطين الدائمة، وظل جثمانه مدلى بعلم فلسطين، لكي يثبتوا لكل مسيلمة بأن هذا مصيره إن لم يتب إلى الله.

ويتقدم الجهاد خطوة أخرى، فيضعون أمام المدرعة اليهودية لغمًا، وكم بذلوا في هذا اللغم الصغير، الذي فجر قافلة اليهود، إن كانت الترسانات في عالمنا اليوم مشحونة، فإن لغمًا مثل هذا لا يملكه المجاهد في فلسطين، إلا بعد أن يبذل حتى قوت يومه، ولقمته، ولقمة غذائه، ونسمة هوائه، وقطعة كسائه.

وتقدم بطل آخر بسلاحه الرشاش، وأطلقه على اليهود، معلنًا أن مرحلتنا هذه ليست مقصورة على الحجارة، وإنما عندنا، ولكن في الزمان والمكان المناسب، ستعلمون جحافل الإيمان والإسلام ماذا سيفعلون.

أحبتي في الله..

وجهادنا الآن الدعم المادي، لنجعل يومًا أو يومين من أيام طعامنا الوافر وموائدنا العامرة بلا إدام، لا بلا طعام، بلا إدام، ولنوفر قيمة الإدام لمن يموتون جوعًا هناك في فلسطين تحت الحصار الرهيب في الداخل والخارج، هذا أقل ما نعمل، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصرهم ويثبتهم ويؤيدهم هو ولي ذلك والقادر عليه.

نسأله سبحانه وتعالى أن يمدهم بنصره، يا من لا يهزم جندك، ولا يرد أمرك، سبحانك وبحمدك، يا ربنا يا ربنا لقد يئس المجاهدون في فلسطين من كل العرب والمسلمين ولا أمل لهم إلا بك يا أرحم الراحمين، اللهم إنك أنت الذي تنصرهم، فإن شئت فبمعجزة، وإن شئت بأصغر جندي من جنودك، وما يعلم جنود ربك إلا هو، فأرسل عليهم رياح النصر، واجعله كيوم «بدر»، يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين، يا من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، اكشف ما بهم من سوء، وأيدهم.. «الأقصى» أقصاك، والقدس قدسك، وموطن الأنبياء وجثامينهم، أنت تعلم بهم تحت الثرى، وفوق قبورهم بساطير اليهود وكلاب اليهود، رحماك، رحماك بأنبيائك ورسلك، وجهاد الأبطال في فلسطين، أغثهم يا مغيث، أغثهم يا مغيث، أغثهم يا مغيث، يا من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء اكشف ما بهم من سوء، يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين، اجعلها ساعة إجابة، وساعة إنابة، إنك على ذلك قدير.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة.

عباد الله..

اتقوا الله (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا) كما هم في فلسطين الآن (خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء: 9)، فليتقوا الله على مستوى الأنظمة والمنظمات والحكومة والحاكمين، وليقولوا قولًا سديدًا..

دماء العذارى، وجراح الصبايا، ودموع الأيتام، وأنّات الثكالى، وآهات الشهداء، تنادي الجميع في مشارق الأرض ومغاربها، فليتقوا الله، وليقولوا قولًا سديدًا.

قضية النقاب في الجامعة

وتتقدم امرأة في المدينة المنورة، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، في حي من أحياء اليهود المتخصصين ببيع الذهب، لتشتري لها حلية، فيبدأ اليهودي الخبيث، يساومها على سفور وجهها، وكشف عورتها، فتأبى المؤمنة، كما تأبى كل امرأة ومجاهدة، عند ذلك يأتي يهودي آخر من خلفها وهي جالسة على الأرض، فيربط ذيل ثوبها بخمارها، فلما قامت كُشفت سوأتها أمام اليهود وهم ينظرون، وهذا طبع يهود في كل زمان وكل مكان، عند ذلك صاحت: واإسلاماه! لم تقدم شكوى إلى محكمة، ولا إلى هيئة، ولم تأمر بإعلان حالة الطوارئ، ولا نزول قوات الأمن، ومكافحة الشغب، ولم ترفع قضية ولم توكل محاميًا، وإنما كل مسلم يسير بجوارها في ليل أو نهار، هو محاميها، وهو قواتها، وهو الردع لكل ظالم، ما إن صاحت واإسلاماه، حتى سمعها مسلم في السوق يشتري حاجته، فالتفت، فإذا سوأتها مكشوفة، فسترها، وإذا اليهودي يضحك، فدك رأسه بالسيف!

يوم أن كان في كل المسلمين غيرة، يوم أن كان في كل المسلمين حُرمة، المسلم أخو المسلم، لا يسلمه، لا يظلمه، لا يقطعه، لا يغتابه، عند ذلك قام اليهود فقتلوا المسلم، وحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأجلاهم عن بكرة أبيهم، وذهبوا هناك على حدود الشام، فاستقبلهم جندي من جنود الله، فيروس الطاعون، فأبادهم، ولم يُبق منهم أحدًا.

الحفاظ على الحجاب الإسلامي والستر الإسلامي عبادة، وتحتفل الكويت بتخريج المتفوقين والمتفوقات من الكليات والجامعة، ثم نفاجأ ونحن نشاهد الاحتفال أنه لا يوجد من بينهن منتقبة واحدة، فقلنا: عجبًا! بنات القرآن والذكر الحسن، لا يتفوقن في الدراسة، ثم تبين بعد ذلك أن كل منتقبة مُنعت من حضور استلام شهادة التفوق، مع أن ولي أمرها كان موجودًا هناك، فكُسر قلبه، وطُردت الأخوات المسلمات من على باب الاحتفال، وقيل لهن: «الله يعطيكن» كلمة تُقال للشحاتين، وللمتسولين، فعدن منكسرات القلوب، مطأطئات الرؤوس، وما توقعن أن هذا يحدث في بلد مسلم كبلدنا هذا!

إن كان الدافع الجانب الأمني فقد أحضرن معهن الهويات، وكن على استعداد للاستجابة للأمن إذا كان ذلك يشكّل خطرًا لإثبات هوياتهن وشخصياتهن، ولكن تشجيع التبرج ومحاربة النقاب هو الذي دفع بعض الناس أن يتخذوا مثل هذا القرار، فقيل لهن: «اعلمن أن أسماءكن قد شُطبت من سجل الاحتفال».

هذا البلد وكل بلد لا ينتصر إلا بالطاعة، ولا يُهزم إلا بالمعصية، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي من قام بهذا العمل إلى الحق والصواب، وأسأله سبحانه وتعالى أن يستر عوراتنا، ويؤمن لوعاتنا، وأن يرينا فيمن يتآمر على بلدنا هذا عجائب قدرته، اجعلنا في ضمانك وأمانك وبرك وإحسانك.

والحجاب الإسلامي، أيها الإخوة، وأيتها الأخوات الكريمات، تدرج الإسلام في فرضه، كان العرب رجالًا ونساء يطوفون حول الكعبة عراة، فأنزل الله سبحانه وتعالى المرحلة الأولى من الحجاب؛ (يَا بَنِي آدَمَ) أي نساء ورجالًا (قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ) (الأعراف: 26) إلى قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 27) وهذه السورة؛ سورة «الأعراف»، مكية، وكما تعلمون أن الآيات والأحاديث في مكة تخص العقيدة، ولا تخص التشريع، ولا الحلال ولا الحرام في ذلك الوقت.

ولما هاجر المسلمون إلى المدينة، جاءت المرحلة الثانية في قضية الحجاب، أمرهم بغض البصر، وستر الجسم كله، وبقي الوجه والكفان، (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (النور: 30-31)؛ فضربن بخمورهن على جيوبهن، وبقي الوجه مكشوفًا، حتى يتدربن على الحجاب، ويتعودن عليه، ثم جاءت المرحلة الأخيرة النهائية للحجاب الإسلامي، بنداء الرب العظيم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: 59)، ففهمت الصحابيات من هذه الآية فهمًا جديدًا غير الأول، فغطين وجوههن، وسترن أيديهن، وأرجلهن، وأفتى بذلك ابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة وأسماء بنت أبي بكر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، في هذه القضية، الحديث الصحيح: «المرأة عورة»، ولم يستثن منها شيئًا أبدًا، حديث صحيح رواه الترمذي.

ثم عدت بعد ذلك إلى كتب التفسير، فوجدت أئمة المفسرين يرون غطاء الرأس والوجه والكفين واليدين، فحبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس يتبنى هذا الحكم، ثم إمام التابعين من المفسرين مجاهد أيضًا، ثم بعد ذلك ابن تيمية شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن كثير، وأبو بكر بن العربي، وكبار المفسرين، كالطبري والجصاص والزمخشري والنيسابوري، كلهم يرون هذا الحكم، وقد أفتى به علامة الإسلام في زماننا هذا ابن باز، وابن عثيمين، وكل العلماء الذين يحرصون على تستير النساء، فلهذا نرجو تشجيع هذا الحجاب في الجامعات والكليات، لا أن يمنعن، ولا يحاربن.

اللهم إنا نسألك ستر النساء، إنك على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، برحمتك يا أرحم الراحمين.

دعاء الختام

اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا ميتًا إلا رحمته، ولا عسيرًا إلا يسرته، ولا سوءًا إلا صرفته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا كربًا إلا نفسته، ولا مجاهدًا إلا نصرته، ولا عدوًا إلا قصمته، ولا مسافرًا إلا حفظته، ولا غائبًا إلا رددته، اللهم إنا نسألك نصرك المؤزر المبين، للمجاهدين في فلسطين وأفغانستان وفي كل مكان، إنك على ذلك قدير.

(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون).

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

________________________
([1])  الذي ثبت في أنه ظل يقطع أعضاءه، عضوا عضوا، حتى فارقت الروح الجسد. 
تحميل