الأحد 01-نوفمبر-2026 - 21 جمادى الأول ، 1448
ابتلاءات إلهية
التعريف بالخطبة:
يتحدث الشيخ أحمد القطان رحمه الله في
هذه الخطبة عن سنن الله في ابتلاء الأمم عبر العصور، مستعرضاً قصة أصحاب السبت من
اليهود، وكيف ارتدت هذه الفتن على واقع المسلمين المعاصر في البر والبحر، كما يسلط
الضوء على فتن الشهوات، والمناصب، والتقاعس عن ذروة سنام الإسلام، محذراً من مكر
الشيطان ومبشراً بنصر الله للمجاهدين الصادقين.
عناصر الخطبة:
- حيل اليهود وسقوط الحضارة في فم الحيتان!
- كيف يسرق البحر نور الجمعة؟
- حين تتحول النعم إلى محطات ابتلاء
- ميزان العدل بين القوة والضعف
- أشواق النفوس إلى ميادين العطاء
نص الخطبة:
الحمد لله رب العالمين، اللهم لا تبتلِنا
فتفضحنا فإنا ضعفاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا
عبده رسوله، صلى الله عليه وسلم، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، والصحابة
أجمعين، ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين،
عباد الله..
إني أوصيكم ونفسي بتقوى الله (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).
عباد الله..
إني أحبكم في الله، وأسأل الله تعالى أن
يحشرني وإياكم تحت ظل عرشه وفي مستقر رحمته، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين،
وارحم موتانا وموتى المسلمين.. اللهم انصر المجاهدين، وأكرم الشهداء، وثبّت
الغرباء، وفك المأسورين والمسجونين من إخواننا المسلمين، واجعل في أمتنا خليفة
ربانيًّا، يَسمع كلام الله ويُسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها، ويحكم بكتاب الله
وتحرسه، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، وفي أفغانستان، وفي كل مكان، برحمتك يا
أرحم الراحمين.
حيل اليهود وسقوط الحضارة في فم الحيتان!
أيها الأحباب الكرام..
إن لله ابتلاءاتٍ وامتحاناتٍ إلهيةً
للبشر، امتحن الله الأمم السابقة سقط منها من سقط، وبفضل الله نجحت أمة محمد صلى
الله عليه وسلم، ومن الامتحانات العسيرة التي امتحن الله بها أمة يهود الامتحان
البحري.. اختار الله لليهود يومًا للعبادة وهو يوم الجمعة، فرفض اليهود اختيار
الله، وضيعوه ونسوه، واختاروا لأنفسهم يومًا يتعبّدون فيه ويتركون الأعمال؛ وهو
يوم السبت، فابتلاهم الله بالامتحان البحري في يوم السبت.. كثر الله الأسماك حتى
تطفو على سطح الماء وتقترب من الساحل وتمسك باليد، فاحتاروا.. يوم السبت يجب
التفرغ فيه للعبادة.. ما هذا السمك الذي لا يكثر إلا فيه؟!
فذهبوا إلى أحبارهم وعلمائهم يستفتون،
كما ذهب أصحاب الربا إلى بعض العلماء يستفتون.. يسألون حله وهو حرام.. امتحانات
للأمم.. فقال علماؤهم الضالون: انصبوا الشباك يوم الجمعة، فتصيدوها يوم السبت،
وتأخذوها يوم الأحد، فتكونوا يوم السبت في عبادة وطاعة، وشباككم منصوبة تصيد
الأسماك، وتكونوا قد جمعتم بين الحسنيين: بين العبادة يوم السبت، وصيد السمك
تأخذونه يوم الأحد.. حيلة على الله وعلى شرع الله وعلى رسول الله، وفعل اليهود
هذا، وانقسم الناس أمام هذه الحيلة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذي احتال.
القسم الثاني: الساكتون على الحيلة.
القسم الثالث: الآمرون بالمعروف والناهون
عن المنكر.
فماذا فعل الله بعد هذا الامتحان؟ هنا
سقطوا.. هذه قرية من قرى اليهود على البحر.. البحر كان لهم ابتلاء، صبر الله عليهم
كثيرًا، فلما عتوا وتجبروا، أنزل عليهم العذاب، فلم يستكينوا لله، فحوّلهم قردة،
وأنهى ذراريهم فلم يبق منهم أحدًا، نستمع إلى قوله تعالى في هذا الامتحان: (واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ
الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ
تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ
لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (الأعراف: 163).
السبب في هذا الامتحان التمادي في الفسق؛
(وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ
تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً
قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ {164} فَلَمَّا
نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ
وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
{165} فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ
قِرَدَةً خَاسِئِينَ)
(الأعراف)، ثم جاء العذاب الذي يطاردهم أبد الدهر
إلى يوم القيامة بسبب هذه الجريمة، وهو كلما كانت لهم جولة ودولة وصولة سلّط الله
عليهم خلقًا من خلقه يسومونهم سوء العذاب، إلى متى؟ إلى يوم القيامة، والتاريخ
يشهد بهذا، ذبحهم الرومان، وذبحهم الفرس، وذبحهم الآشوريون، وذبحهم الألمان،
وستكون لهم مذبحة حتى في أمريكا! انتظروا.. سيذبحهم الأمريكان، لأنهم هم الآن
يسيطرون على اقتصادها، ويتحكمون في سياساتها، ويأكلون خيراتها، ويصدرون ثرواتها،
وسيأتي اليوم الذي يأذن الله به.. كما ذبحوا على يد النازيين سوف يُذبحون على يد
الأمريكان، وسيُذبحون في فلسطين، فالقلوب المملوءة بالحقد والمملوءة بالدم
والمملوءة بالثأر، سيأتي اليوم الذي يحقق الله فيهم هذه الآيات (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ
لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ
الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)
(الأعراف: 167).
كيف يسرق البحر نور الجمعة؟
وانسحب هذا الامتحان البحري إلينا، انسحب
إلى أمتنا.. نفس الامتحان.. البحر وتوابع البحر.. ليلة الجمعة ويوم الجمعة هو يوم
العبادة، ليلة الجمعة العبادة فيها هي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويوم
الجمعة كما تعلمون يذر الناس البيع والشراء ويتفرغون لصلاة الجمعة تفرغًا تامًّا،
وهناك سباق في الساعات: الساعة الأولى له كذا، والساعة الثانية قدّم كذا.. الساعة
الثالثة قدم كذا... إلى أن تغلق الملائكة دفاتر السجلات. (رواه البخاري، ومسلم)،
ماذا حدث لبعض هذه الأمة؟! تستطيع أن تقول عن الأمة: إنها أمة الغثاء. (رواه أبو
داود).
إذا جاء يوم الخميس كانت هناك ابتلاءات،
حيث حُشر الناس في شقق ضيقة، طول أيام الأسبوع.. دراسة ومراجعة وانشغال في تحصيل
لقمة العيش، فإذا جاء يوم الخميس وكما تعلمون أن الحلال واسع فضيقوه.. ضيقته
الأنظمة.. والحرام ضيق، فقاموا بتوسيعه، فأصبح الناس يذهبون إلى الحرام ويتركون
الحلال! أما ليلة الجمعة فتراهم في الأندية البحرية يزدحمون.. الشباب والشابات
كاسيات عاريات، يؤذن المؤذن: حيّ على الصلاة من المغرب إلى العشاء إلى منتصف الليل
وبعضهم إلى الفجر.. الأكثر لا يصلي! اختلط الناس ذكورًا وإناثًا دون تمييز، إلا من
رحم الله، تبحث عن الزي الإسلامي فلا تراه، عن الحجاب فلا تراه، إلا شابًا وشابة
على رصيف، أو على ظهر سيارة، أو في زاوية مظلمة، أو على إسفلت البحر يتحادثان
ويتناجيان ويتهامسان ويتغازلان.
وأما الذين يدخلون البحر يطاردهم
الامتحان، سبحان الله ما يكثر الصيد إلا عند أذان المغرب! إذا قال المؤذن: حيّ على
الصلاة بدأت خيوط الصيادين تصيد.. امتحان.. الذين في قارب أحدهم يقول: هيا نصلي،
فيقال له: اصبر لقد وصل السمك، والمغرب وقته طواف فإذا اختفى الشفق الأحمر انتهى
الوقت، الجميع في حالة امتحان، منهم من ينجح ومنهم من يسقط، الكثير منهم يصيد، ولا
يعلم أنه يصيد السيئات، ويهدر الحسنات، ويتشبه بأخلاق اليهود، ويدخل الظلام،
وتختلط النجوم، والصيد يتكثف ويتجمع، وإذا هو قد وقع في حبائل الشيطان وهو لا يدري،
فإذا عاد بعد ذلك يصلي صلاة المغرب وجد الشمس قد غربت وجرت خلفها الشفق، وخرج وقت
الأداء وجاء وقت القضاء، وبقيت له الحسرة وركبه الإثم.
حين تتحول النعم إلى محطات ابتلاء
وأما الذين يشاركون بما هو أسوأ من ذلك،
وعلى وجه الخصوص في فصول الصيف، وأذكر أول ما بدأت المشروعات كان هناك في زاوية ما
نادٍ للفتاة مخصوص بهذا الاسم، يجتمع الفتيات بالمايوهات، هذا منذ زمن، قبل هذه
التصليحات للواجهات، وهناك فئة من الناس كبر سنهم، وشاب شعرهم، وهم في المراحل
الأخيرة، وفي معترك الموت، يأخذون مكبرات المنظار، وفي أماكن ينظرون إلى الفتيات
وهن يلبسن الملابس البحرية الخليعة.
يا أيها الشايب، لماذا تفعل هذا وأنت على
أبواب الموت؟! يقول: آخر الحياة موت، دعني أستمتع! الله يقول: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ
وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ) ليمتحنكم (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك: 2)، وإذا به
يفهم هذا أن آخر الحياة موت؛ يعني أنا في سباق مع الموت لتحصيلٍ أكبر وجمعٍ أكبر
للسيئات والموبقات (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ
أَمَامَهُ {5} يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) (القيامة)،
وتجد هذه الفتاة على الساحل لها اسم إسلامي، وأبوها مسلم وأمها مسلمة، وهي تلبس
هذا اللبس الفظيع الذي يكشف سائر جسدها وتفتن به الناس، وتغتال عقيدة وأخلاق
الشباب.
إذن، الامتحان الذي تعرضت له الأمم قد
تعرضنا نحن له، وابتلينا به، وأصبحت مشروعات، والناس يتوافدون عليها ليالي الجمعة،
ليالي العبادة والطاعة، فإذا جاء النهار انتشر الناس مرة ثانية، وإن من أسباب
انتقالي من مسجد المزيني على البحر إلى مسجد قرطبة هنا هو هذا البلاء، الناس الذين
لا يصلون الجمعة يأتون إلى حديقة الشعب في الساعة العاشرة هم وأطفالهم ونساؤهم،
يختلطون في حديقة الشعب، فيأتي المصلون فيوقفون سياراتهم في موقف حديقة الشعب،
فيغلقون الطريق على الذين لا يصلون، فإذا جاء وقت الغداء ويريدون الخروج لشراء
الطعام من المطاعم فيجدون سيارات المصلين قد أغلقت الطريق، فيتصلون بشرطة المرور،
فتأتي شرطة المرور ويخالفون سيارات المصلين، ولا يخالفون الذين لا يصلون! وكثرت
الشكاوى، وكانت النتيجة أن انتقلت من المسجد البحري إلى المسجد البري لكثرة
البلاء، يخرج المصلون فيجدون على سياراتهم مخالفات المرور.. لماذا تغلقون
بسياراتكم الطريق أمام مرتادي الحديقة؟!
إنه امتحان من الله لكل الناس (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى
الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف: 7)،
وحتى لم يجعل الله أي زينة إلا وفيها امتحان.. الولد.. المال.. البيت.. الوظيفة.. الشهادة..
الزوجة الحسناء.. العمارات.. المزارع (جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا)، قال: (لِنَبْلُوَهُمْ)؛ لنمتحنهم،
فمن يؤثر هذه الزينة فيؤخر الطاعة، أو يُهدر الطاعة، أو يترك الطاعة؟ ويدخل الناس
جميعًا في هذه الامتحانات العجيبة! أما الامتحانات البرية فحدّث ولا حرج.. المزارع..
بدأ الناس في إنشاء المزارع من أجل الإنتاج الزراعي بشتى أنواعه، وانتهت بعض
المزارع إلى أن أصبحت مواخير.. ليلة الجمعة ويوم الجمعة تُجلب إليها الغانيات
والخمور والمخدرات وتصدر منها، وفيها الليالي الحمراء والغناء وعزف القيان، حتى
أصبحت هذه المزارع مأوى لمن يأتي من الخارج، ويتعجب ويقول: عجبًا للشباب الكويتي،
لماذا يذهب إلى البلاد البعيدة وعنده كل شيء في بلده؟! أين؟ هذا في المزارع، الله
سبحانه وتعالى ابتلى أصحاب المزارع، ومنها قصة أصحاب الجنة في سورة «القلم» ارجعوا
إليها، وهي حديقة لثلاثة إخوة، كان أبوهم يخرج زكاة ثمارها، ولما آلت الحديقة إلى
الأولاد امتنعوا عن أداء زكاتها، فدمر الله حديقتهم.
وإن تدمير أخلاق الشباب اليوم أكثر من
تدمير الزروع.. ابتلاء فظيع! أتدرون أن أكثر من ثلاثين ألف شقة للعزوبية موجودة في
الكويت للدعارة؟! هل خطر هذا ببالكم؟! ونتصل برجال الأمن في بعض المناطق، نقول:
العمارة من أولها إلى آخرها تتحول ليلة الجمعة ونهار الجمعة من أولها إلى آخرها
إلى زنى وفجور وخمور، يقولون: نعلم، ولكن لا نملك أن نفعل شيئًا، صاحب العمارة من
كبار المتنفذين، وقد جربنا وراقبنا، وألقينا القبض، فكاد أن يمسح بنا الأرض،
فتركنا الحبل على الغارب! من كان يظن أن الفتيات يستأجرن شققًا في العمارات،
ويصطدن الشباب في الطرقات؟! جاءني أحد أولياء الأمور وطلب مني القراءة على ابنه
لأنه مصروع لا ينام الليل، فقلت له: ما له؟ قال: أمام المجمع الشمالي أو الجنوبي،
أوقف سيارته وهو شاب نظيف نقي، متخرج متفتح عفيف طاهر الثوب، فيقول: فوقفت مرسيدس
خلفه، وفتاة تدفعه، وأخرى تجره لكي يدخلوه داخل السيارة! فقلت: أحدث هذا؟! قال:
والله حدث، وقد استطاع أن ينزع نفسه، وابني هذا ولد وسيم جميل، يقول: جاءني يرتجف
من الفزع، وأصبح لا ينام الليل، سبحان الله!
إذن، داء الأمم سرى فينا، والكثير سقط،
لهذا بدأت الخطبة بدعاء: اللهم لا تبتلنا فتفضحنا فإنا ضعفاء.. إنا ضعفاء.. نسأل
الله الستر في الدنيا والآخرة، اللهم استر أولادنا وبناتنا ونساءنا وأرحامنا،
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت
أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم،
فاستغفروه.
الخطبة الثانية:
ميزان العدل بين القوة والضعف
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا
على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده
ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وتركها على المحجة البيضاء
ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، المحجة البيضاء لا تحتاج إلى أنوار أو نيون
أو كشافات؛ لأن الليل فيها كالنهار.. ليلها كنهارها، والامتحان والابتلاء أيضًا
يأتي في المراتب والدرجات والمناصب والوجاهات والوظائف، قال سبحانه: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) (الأنعام: 165)، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ
فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) (الفرقان: 20)، وقال
سبحانه: (انظُرْ كَيْفَ
فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ
تَفْضِيلًا) (الإسراء: 21).
وهذا التفاوت في درجات الناس في الوظائف،
وفي المراكز، جعل الجميع في امتحان وابتلاء، يأتي الفقير المسكين.. أذكر أنني
جاءني رجل ذو أسرة ويحتاج إلى رخصة، ثم ذهب إلى المتنفذ لكي يأخذ منه الرخصة لعمل
ما، فقال: والله أستطيع أني أفعل هذا لك، ولكني متحسف ومتحسر أن أقوم بالتوقيع على
معاملتك دون أن آخذ منك شيئًا! عجيب! كأنه لا يتم شيء إلا بشيء، فقال: يا أخي، أنا
ذو أسرة كبيرة، وأحتاج إلى هذه الرخصة، أعِنِّي أعانك الله، قال: بدون مقابل.. لا!
وأصبح الناس هكذا، الله جل جلاله ذكر هذا في كتابه عندما أخبر قوم نوح وأقوام
الرسل إلى قوم محمد صلى الله عليه وسلم في هذه القضية: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ
أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) (هود: 27)، يسمون الفقراء المساكين
المؤمنين أتباع الرسل يسمونهم أراذل، الذين يصلون ويزكون ويتصدقون ويخلصون لله
ويخافونه يُطلق عليهم أراذل، فقط لأنه فقير ما عنده مال، ميزان منقوص ومعكوس!
وهؤلاء المساكين الفقراء لو حدثت لهم أي
مشكلة يتحطمون، وتتحطم أسرهم، مجرد حادث سيارة، تكلفة التصليح جديرة بتحطيم الأسرة
كلها، تكثر عليه الديون، ويسحب ابنه من المدرسة، ولا يستطيع علاج أولاده، ولا
يستطيع تزويج ابنته.. كل ذلك بسبب تكلفة حادث سيارة، (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ
أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ، بَلْ
نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ).. أين فلوسكم؟ أين سياراتكم الفخمة الفاخرة؟
وعندما أرادوا أن يوجهوا تهمة الكذب إلى هؤلاء الصالحين الفقراء، قدموها على طبق
أرستقراطي دبلوماسي، فقالوا: (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)، أحبابنا الكرام.. الله
يمتحن الأمة بهذا، فمن أوتي منصبًا، أو مالًا أو درجة أو مسؤولية، أو تنفذًا، أو
وجاهة، فلينجح في الامتحان، وليسخرها لضعفاء الناس، ولتفرح أن الله يسوق إليك
الفقير ليذكرك بفقرك إلى الله، ويسوق إليك المحتاج ليذكرك بحاجتك إلى ملك الملوك،
ويأتيك الضعيف لأنك أضعف أمام فيروس يهجم على بدنك.
أشواق النفوس إلى ميادين العطاء
والامتحان العسير أختم به الخطبة، امتحن
الله الأمة، حكامًا ومحكومين، بالجهاد، قال سبحانه وتعالى عن هذه الحقيقة.. حقيقة
الجهاد: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ
أَخْبَارَكُمْ) (محمد: 31)؛ أي نمتحن أخباركم، والآن، الجهاد ينادي في
فلسطين، والجهاد ينادي في أفغانستان، أما الأنظمة فهي عن الجهاد بعيدة، لا تحبه
ولا تريده إلا من رحم الله، سقطت في هذا الامتحان العسير، منها من يصادر سلاح
المجاهدين، ومنها من يغلق الحدود، ومنها من يطاردهم ويلقي القبض عليهم ويسميهم المجانين،
ومنها من يتآمر على الجهاد القائم، يريد أن يحوله إلى استسلام، ومنها من يفجّر
وينفّر، ومنها من يسخّر بعض الدعاة المتدينين الملتحين حتى يحاربوا الجهاد
والمجاهدين، فمرة يسمونه جهادًا شركيًا، ومرة يسمونه جهاد قتل المسلمين للمسلمين،
ومرة يقولون: لا تجاهدوا في فلسطين أو أفغانستان! لماذا؟ يقولون لأن الجهاد الآن
مخلوط ليس فيه وضوح! أما الصحف والجرائد والمجلات فيقولون: هذا جهاد أمريكي، وجهاد
عميل!
وإذ جاء المجاهدون يدعونهم- كما جاء عبدالله
عزام يدعو إلى الجهاد في سبيل الله- ثارت الأقلام العميلة تندد وتفضح وتشتم وتسب
وتشهّر، وهو الذي فارق متاع الدنيا وزينتها وآثر الغبار، وهناك على أرض أفغانستان
ينادي: أيها الحكام، افتحوا لنا طريق الجهاد إلى فلسطين، ستجدونني هناك على جبال
القدس، وعلى قمة الأقصى أنادي: حيّ على الجهاد! امتُحن الناس بهذا، فنجح من نجح،
وسقط من سقط، يا شباب الكويت: لمَ تعزفون عن الجهاد في أفغانستان؟ تدربوا في
أفغانستان استعدادًا للجهاد في فلسطين، انتظروا.. دوام الحال من المحال، سيأتي
اليوم الذي يتدفق فيه المجاهدون إلى «الأقصى»، طال الزمان أو قصر.. فتهيأوا
واستعدوا، وليكثر الشهداء، ولتسفك في سبيل ربنا الدماء، إنه أكبر.. إنه أعظم.. إنه
أعظم ما تُهدر الأرواح في سبيله.. آثرنا الدنيا وقعدنا مع القاعدين، والله
ينادينا: حيّ على الجهاد، حيّ على الجهاد، امتحان لكل الأمة.. امتحان نجح فيه من
نجح، وتأخر من تأخر.
أيها الأحباب الكرام..
تفكروا وتدبروا، وقد جعل الله أبوابًا
كثيرة لهذا الجهاد.. جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم. (رواه أبو داود، والنسائي)، نسأل الله أن يحيي الجهاد في أمتنا، ويجعله روحها، ويجعله كيانها
ودينها وعزها وثباتها ونصرها وتمكينها، إنك على ذلك قدير.
الخاتمة والدعاء:
اللهم سدّد رمي المجاهدين، اللهم ألحقنا
بالشهداء والمجاهدين، اللهم اجعل أرواحنا في عليين، واجعل جروحنا ودماءنا مسكًا
إنك على ذلك قدير، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين وفي أفغانستان، وفي كل مكان،
سدد رميهم واجبر كسرهم وفك أسرهم واغفر ذنبهم وحقق بالصالحات آمالنا وآمالهم،
اللهم ارم عنهم واقتل عنهم، ووحّد صفوفهم، وادحر الشيطان عنهم، اللهم من أراد بنا
وبهم سوءًا فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدبيره تدميره، اللهم انصر
المجاهدين في كل مكان، اللهم إنا ندفع بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم،
منزل الكتاب ومنشئ السحاب ومجري الحساب وهازم الأحزاب، اهزم أحزاب الباطل.
اللهم كما بددت شر الروس الشيوعيين
وفضحتهم وعريتهم وأسقطت مبادئهم ومزقتهم أمام العالمين، فمزق اللهم البيت الأبيض،
وأرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أعز المجاهدين في كل مكان، اللهم ارفع راية النصر
على «الأقصى» الشريف، وارزقنا فيه صلاة طيبة مباركة، إنك على ذلك قدير.
عباد الله..
إن الله وملائكته يصلون على النبي،
يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي
القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه
يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.