الأحد 01-نوفمبر-2026 - 21 جمادى الأول ، 1448

إشاعة الفاحشة

216
2026-10-31

التعريف بالخطبة

تناولت الخطبة الحديث عن خطورة الإسراف لا سيما في حفلات الزواج، وأثره في إفساد الحياة الزوجية بعد ذلك، مع ذكر كثير من الأيات القرآنية التي تذم الإسراف، وكذلك الشواهد والقصص التاريخية والمعاصرة، ثم تناولت الخطبة الثانية الحديث عن أثر الإسراف في نشر الفواحش في المجتمع، وخطورة التباهي بالمعاصي وأنها أول طريق إلى الهلاك ونزول الغضب الإلهي..

عناصر الخطبة

أولا: داء خطير ومرض عضال.

ثانيًا: ذم الإسراف والمترفين.

ثالثًا: وللتاريخ عبرة وذكرى.

رابعًا: خطورة نشر الفاحشة بين الناس.

خامسًا: عقبة أهل الفاحشة

المقدمة:

إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد..

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله..

أوصيكم ونفسي بتقوى الله، حيث أمرنا في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وقال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: 2-3).

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الرجاء إلا لما في يديك، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم.

اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمّت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم استعملنا فيما يرضيك، ولا تشغلنا فيما يباعدنا عنك، واقذف في قلوبنا رجاءك، واقطع رجاءنا عمن سواك، حتى لا نرجو أحدًا غيرك.

ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة.

أولًا: داء خطير ومرض عضال

أيها الأحبة الكرام البررة..

يقول الله في كتابه الكريم: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور: 19).

في هذه الآية الكريمة، يبين الله صنفًا من الناس، لا همّ لهم إلا إشاعة الفاحشة، وأين يشيعونها.. يشيعونها في الذين آمنوا، لكي يحطموا القيم والأخلاق، ويحولوا المجتمع المسلم الآمن إلى مجموعة من الذئاب البشرية، يفتك بعضها ببعض، ويتبعون قائدهم الشيطان، يسيرون على خطواته خطوة، خطوة، فإذا نزل البلاء من الله، عمّت الفتنة الجميع، وذلك لقوله تعالى: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) (الأنفال: 25).

الناس في هذه الأيام، ظهر فيهم داء خطير، يودي بالأمم، ويذهب بالحضارات، ويسبب الأزمات، وهو التباهي والتفاخر والإسراف في حفلات الزواج، وذلك من مظاهر الأمم الطاغية الباغية  التي تُحل بأعمالها سخط الله، فنسمع في الأخبار، ونقرأ في الصحف، أن فلانًا من الناس، أو فلانة أُحضر فستان زفافها من دول الغرب، وقيمته عشرات الألوف من الدنانير، والأخرى أحضرت طباخًا خاصًا من البلد الفلاني للحلويات، وعلانة طول حلاوتها وكعكتها ليلة عرسها امتدت اثني عشر قدمًا، وفلانة أحضروا طعام حفلتها بالطائرات نُقلت جوًا، بالخطوة السريعة، وأخرى بلغت تكاليف زواج ابنتها 22 مليونًا من الدنانير، فصّلت ألبسة الخدم خصيصًا في الخارج، وأُحضرت المطربة الفاجرة التي غنت مع اليهود، ومنع مكتب المقاطعة العربية استيراد أغانيها، وعرض أفلامها، المطربة صباح، لا صبحها الله بالخير، ولا بمن أحضرها..

في ليال يقام فيها الرقص تقوم به عشيقة كيسنجر التي رأيناها تُنشر في الصحف أيام الهزائم، ومعاهدات الذل والهوان، ترمي بنفسها بين أحضان اليهودي كيسنجر، فيقول: «عشيقتي نجوى فؤاد»، إنها ممثلة الرقص الشرقي العربي تُحضر أيضًا لكي تميت ليلتهم بالذنوب والمعاصي، ويقترب سخط الله علينا، فيعم الجميع عاجلًا أو آجلًا.

ليت البلاء إذا نزل ينزل على رؤوس أصحابه، ولكن مع الأسف الشديد، إن الناس إذا رأوا المنكر ثم سكتوا وصاروا شياطين خرس، عم البلاء عليهم جميعًا.

فلا صحافة تنتقد، ولا مجلات تلوم، ولا أئمة يعنفون، وينصحون، لا.. الكل يدس رأسه في التراب ويسكت: لِمَ؟ لأن القائمين على هذه المعاصي من الأشراف، الذين يقول عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم: « إنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ».

هؤلاء الأشراف، هؤلاء المترفون، هؤلاء أولو الطول، هؤلاء أولو النعمة، هم الذين سيجرون البلاء إلينا عاجلًا أو آجلًا، بمثل هذه الأعمال التي يقومون بها.

أذان الفجر يقول: الله أكبر الله أكبر، وصباح والراقصة يعلو صوتها وردحها على صوت الأذان، أهذا يحدث في بلد مسلم؟! وتخرج التوصيات تلو التوصيات، من كبار المسؤولين على ألا ينشر الخبر، ولا يتكلم فيه أحد، لمَ؟ أهكذا نستقبل شهر رمضان؟ شهر الغفران نستقبله بمثل هذه المعاصي والموبقات، الإسراف داء الأمم، الرذيلة وانتشار الفاحشة هو الطريق التدميري للحضارات والأجيال والقيم والأخلاق.

ثانيًا: ذم الإسراف والمترفين

ولنستمع إلى الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم وهو يذكر أمر الإسراف والمسرفين، يقول سبحانه وتعالى، موجهًا عباده: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31)، ويقول سبحانه: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (يونس: 12)، يرون أن هذا الأمر زينة، وأنه صلاح وحسن، وذلك من مكر الله فيهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ويقول وهو يصف فرعون، الطاغوت الأول على وجه الأرض، يقول: إن من أبرز صفاته: (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) (يونس: 83)، فكل من عمل مثل هذا العمل فهو يتشبه بكبير المسرفين فرعون، ويقول سبحانه وهو يهدد بالهلاك لهم: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) (الأنبياء: 9)، ويقول سبحانه موجهًا الصالحين ألا يطيعوا هذا الصنف المدمر فيقول: (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ. الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) (الشعراء: 151- 152).

نعم، يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، ويقول سبحانه وتعالى يذكر أصحاب النار وصحبة النار: (وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) (غافر: 43).

ويقول سبحانه يوم أن ينزل القرآن عليهم، أو يتكلم المخلصون في أمرهم، وهم يخشون فضيحتهم ويعلمون أنها فضيحة، يقول تعالى: (أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ) (الزخرف: 5)، لا والله، لن نضرب الذكر عنكم صفحًا، بل سنذكر أخباركم، ونتلو أحاديثكم، لكي تكونوا عبرة للأمم، ولكي تكونوا عبرة للناس.

ويقول سبحانه، وهو يذكر حتى الحجارة التي دمر بها المسرفين، حجارة من نوع خاص، واسم خاص، وعلامة خاصة، وسمة خاصة، قال سبحانه تعالى: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ. قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ. لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ. مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) (الذاريات: 31-34).

نعم، وهذا قارون يخرج على أمته في زينته، يخرج قارون عليهم، فيتمنى الناس أن يكون كل واحد منهم مثل قارون، أرأيتم الأثر النفسي على الناس، كم من فتاة وفتى يتمنى لو كان زفافه مثل ذلك الزفاف، إنه التدمير والهلاك: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ. فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ) (القصص: 79-81).

ثالثًا: وللتاريخ عبرة وذكرى

نعم أيها الإخوة (وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ)، وللتاريخ عبرة، وللتاريخ ذكرى، لمن سار على هذا الطريق، وهذه «قطر الندى» يذكر عنها التاريخ ما يذكر، لقد دُفع مهرها وزنها ذهبًا، وضعت العروس في الميزان، ووضع في الكفة الأخرى الذهب، ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ كانت نهاية هذا الزواج المشؤوم أن تشردت الأسرة، ودار عليها الزمان، وحلت عليها نقمة الله، وساحوا في الأرض يشحتون حتى يجدوا لقمة العيش.

هذا ما حدث في التاريخ، وحدث أن الأمين بن هارون الرشيد، وابن زبيدة، أكبر امرأة ثرية غنية في التاريخ، اقرأوا ماذا تقول كتب التاريخ عن حفل زفاف ابنها الأمين، ولا أمانة، بعد مرور سنة على الزفاف، قام عليه أخوه المأمون وذبحه، وكان الأمين سكيرًا، عربيدًا، فاحشًا، ماجنًا؛ لأن هذا طريق المترفين المسرفين، وهذه نهايتهم دائمًا.

أما المعتمد بن عباد هناك في الأندلس، الذي وضع يده مع يد الصليبيين ضد إخوانه المسلمين، ينتصر بالنصارى على المسلمين، ليدمرهم، ماذا فعل؟ وماذا أسرف؟

دخل على زوجته يومًا فرآها كئيبة حزينة، فقال: ما يحزنك يا ربة القصور؟ قالت: نظرت من الشرفة، فرأيت الفلاحات وهن يطأن الطين عند النهر، ويتلاعبن بالجرار والماء، فاشتاقت نفسي أن أسير على الطين.. مللت الحرير والديباج! فقال المعتمد بن عباد: الأمر سهل، أيتها الملكة، اذهبوا إلى جميع العطارين، وأحضروا ما عندهم من مسك أذفر، ومن ورد وجميع أنواع البخور والعطور، ثم اطحنوه حتى يكون ناعمًا، ثم افرشوه في بهوات القصور، واعجنوه بماء العطور، فإذا بلغ الطين المسكي منتهاه، أمر الملكة أن تسير عليه به مع جواريها وصويحباتها!

ثم ماذا حدث بعد ذلك؟

دار الزمان عليه دورته، فإذا المعتمد بن عباد ملقى في السجن، ينظر من بين قضبانه، فيرى على الطرقات امرأة شاحبة الوجه، ممزقة الثياب، شعثة الشعر، تجري بنياتها خلفها من الجوع والتعب، شاحبات الوجوه، حافيات الأقدام، فلما اقتربن منه، وحدّق النظر فيهن، فإذا هي زوجته ربة القصور وسيدة الدور، تشحت في الطرقات، لا تجد من يطعمها وهي زوجة المعتمد بن عباد، عقوبة الله لكل المسرفين! فقالت له وهو بين القضبان: احمد الله الذي صبرني على فقرك، قال: صبرت على فقري؟! حتى يوم الطين! فلما تذكرت هذه الكلمة خرّت على الأرض باكية، لما رأت نقمة الله في المسرفين.

وهذا سلطان وأمير في المنطقة، في العام الماضي، أقام حفلًا لولده، ماذا فعل؟ أحضر فيها خمسمائة مغن ومغنية، وحُملت الأموال على ظهور الجمال، وأقام مدينة كاملة، وعطل شهرًا كاملًا، فماذا جازاهم الله؟ أرسل عليهم الإعصار والطوفان، ورجمهم من السماء ببرَد بحجم الجوز، رأيناه منثورًا في الصحف، ودمرهم الله وأهلكهم في ذلك اليوم، ثم جاءت الأخبار بعد ذلك، تُبين أن نهاية هذا الزواج، انفصال الزوج عن زوجته بعد شهرين.

نعم أيها الإخوة، زواج مثل هذا لا يدوم، لأن المأذون يوم أن يملي على العروس وولي أمره يقول له: استحللت فرجها بما في كتاب الله، وسُنة رسول الله، من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. أيُّ إمساك بمعروف هذا، على أفخاذ نجوى فؤاد، وعلى غناء ونواح صباح إلى الفجر؟! إن زواجًا مثل هذا لا يدوم ولا يقوم، لأنه بُني على معصية الله، ولم يبن على طاعة الله، والله يقول في كتابه: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) (النور: 26)، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من يمن المرأة –أي من بركتها– تيسير نكاحها، وتيسير مهرها، وتيسير رحمها»، ويقول: «لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاث: في المرأة، وفي الفرس، وفي الدار». فنعوذ بالله من هذا الشؤم ومما يتبعه من عقاب وتدمير، ونسأل الله تبارك وتعالى العافية.

هذا محمد بن عبدالله- صلى الله عليه وسلم- خير الخلق أجمعين، وهذه فاطمة، سيدة نساء أهل الجنة، ماذا أعد لها أبوها وزوجها في ليلة زفافها، مهرها عليّ بن أبي طالب بدرع كان يحارب بها، لا يملك غيرها، نزعها من جسده وقدمها مهرًا إلى ابنة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وساعده أبوها فأهداها مخدة من ليف، وقطيفة قصيرة، و8 دراهم، كل هذا هو مهر ابنة خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم، والله يقول في كتابه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21)، أهكذا نتأسى بالأنبياء؟! أهكذا نفعل؟!

إن الإسراف منعطف خطير حاد، يقود الأمم إلى التدمير، فلا نملك أمام هذه الظواهر الشاذة إلا أن نقول في صباح ومساء: ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعاملنا بما نحن أهله، وعاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى وأهل المغفرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله، فاستغفروه.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لجلال وجه ربي وعظيم سلطانه، وكما يحب ربنا أن يحمد وينبغي له في الدنيا والآخرة، حمدًا خالدًا مع خلوده، لا منتهى له دون علمه، ولا منتهى له دون مشيئته، ولا أجر لقائله إلا رضاه، حمدًا لا ينقطع أوله، ولا ينفد آخره، حمدًا كما يحمده حملة عرشه، والملائكة المقربون، وكما يحمده النبيون المرسلون، وكما يحمده الصديقون والشهداء والصالحون، وكما يحمد ربنا نفسه، بما استأثر من المحامد في علم الغيب عنده، عدد ما أحاط به علمه، وخط به قلمه، وأحصاه كتابه، وبلغ فيه لطفه، وأدركه بصره، وقهره ملكه، ووسعته رحمته، ورضيت نفسه، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا مباعد لما أدنيت، ولا مدني لما باعدت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة.

رابعًا: خطورة نشر الفاحشة بين الناس

أيها الأحبة في الله:

والله جل ثناؤه الذي ينهانا عن الفاحشة، ومظاهر الفاحشة، هو الذي ينهانا في كتابه الكريم عن الوقوع في جريمة الزنى، التي انتشرت هذه الأيام، وأصبح الناس يعتبرونها فضيلة، ويتفاخرون بها في مجالسهم، فما من إنسان يسافر في الخارج إلى دولة عربية أو أجنبية، ويكون من الفاسقين، إلا إذا عاد اجتمع مع أصحابه في الديوانية، أو المجالس العامة أو الخاصة ألا ويحدثهم عن مغامراته الليلية، هناك بين الدخان الأزرق، وهناك في العهر، يتكلم وكأنه خلق عظيم يمتدح نفسه به!

إن الرذيلة إذا تحولت إلى فضيلة؛ انتكس الميزان، ونزل عذاب الله، وهكذا كانت الجاهلية الأولى تعتبر الرذائل فيها فضائل، فجاء الإسلام لكي يعيد الميزان المقلوب إلى اعتداله، فبيّن الرذائل رذائل، والفضائل فضائل، فلما اعتدل الميزان استقامت الحياة، وإلا كانت قبل ذلك كما يقول الله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41).

والله في كتابه الكريم أمام الذين يمارسون فاحشة الزنى، يجمع قتل النفس والإشراك بالله وفاحشة الزنى في آية واحدة، يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (الفرقان: 68-69)، والعياذ بالله، أرأيتم خطورة فاحشة الزنى؟ جمعها الله مع الشرك، وجمعها مع القتل، والعياذ بالله، ثم يقول سبحانه: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا. وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ) (الإسراء: 32-33)، وكلمة (وَلاَ تَقْرَبُواْ)؛ أي: ابتعدوا حتى عن المكان الذي فيه الزنى، لا تمروا أمام الحانات ولا تمروا أمام دورهم، ولا تمروا أمام ملاهيهم، فلعل هناك شيطانًا أو قرينًا، يأتيك فيجذبك ويغريك، فتقع- والعياذ بالله، وهذه من خصائص الإسلام ومميزاته، أنه يجعل بين المسلم والفاحشة أسوارًا كثيرة من الحماية والوقاية، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج.

لهذا لا يقول الله: لا تمارسوا الزنى، وإنما يقول: ولا تقربوا الزنى، مجرد القرب منه يحل عليك السخط، ويحل عليك الإثم، كما قال عن الخمر: (فَاجْتَنِبُوهُ) (المائدة: 90)، لأن مجرد جلوسك، أو بيعك، أو حملك، أو عصرك، أو نقلك، أو رضاك بهذا الأمر؛ يحل عليك الوزر كالشارب أو الزاني- والعياذ بالله.

ويقول في سورة «النور»، هذه السورة التي سماها بـ«النور»؛ تنير طريق الناس، وتنير حياتهم، وتنير قلوبهم، بما فيها من ذكر لحدود الله التي ضيعناها وأهملناها، فانتشرت فينا الرذيلة، واختفت من بيننا الفضيلة، يقول سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (النور: 2)، وإذا لم نفعل يا رب، إذن لم نؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ويقول سبحانه: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور: 2)، (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) (النور: 3)، أرأيتم؟ يجمع بين الزنى والشرك والعياذ بالله.. (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (النور: 3)، (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، والحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»؛ أي: الإيمان يرتفع منه كالظلة فوق رأسه، فلو قبضه الله على زناه الذي هو فيه، لمات بلا إيمان- والعياذ بالله- ونسأل الله العافية.

وأخيرًا: عاقبة أهل الفاحشة

والأطباء الذين يتخصصون في الأمراض التناسلية يخبرون بأن الزنى- والعياذ بالله- يسبب أمراضًا خطيرة، تنتقل منها حتى إلى الأطفال والأجنة في الأرحام، فهذا مرض «الزهري» والعياذ بالله الذي إذا أصيب به الإنسان، بدأت علاماته تظهر على الوجه، على شكل قروح وتقيحات؛ لأن هذا الإنسان لو كان في وجهه حياء أو ماء من الحياء، لما مارس هذا الفعل المشين، فكان أول علامة الله أن يشوه الله وجهه بقروح، ثم ينتقل بعد ذلك إلى دمه، ثم بعد ذلك يقضي على أجهزته التناسلية، ثم يقضي على ذريته، فيصبح عقيمًا، ثم بعد ذلك يموت ويفطس، والعياذ بالله.

وهذا المرض الثاني مرض «السيلان»، وأمثاله من الأمراض القذرة، التي بينها الأطباء فيصاب الإنسان بهذه الأمراض، فتنتقل إلى زوجته، وتنتقل إلى ذريته، والعياذ بالله، وينقلها إلى الآخرين، كل ذلك بسبب لحظة من لحظات الشهوات، التي إن استأنس قليلًا ستجر عليه عذابًا وبيلًا في الدنيا وفي الآخرة، يوم أن يلقى الله تبارك وتعالى.

ويوم القيامة، يوم يبعث الله الخلائق، يأتي الزاني وقد تعلقت به الزانية، لا تدعه أمام الخلائق أجمعين، فإن تستر عن الناس وزنى، والله ينظر إليه، وجعل الله أهون الناظرين إليه إذا اختفى عن أعين الناس ولم يختف عن عين الله، فإن الله يجازيه بعمله؛ إذ يفضحه على رؤوس الخلائق، فإذا أدخله النار عذبه عذابًا مضاعفًا على النار؛ إذ يعطيه لحمًا عفنًا، لحمًا متفسخًا، جيفة، ثم يأمره أن يأكل منه أبد الآبدين، ويضع أمامه لحمًا طيبًا لا يستطيع أن يمد يده إليه، هذا الذي رآه الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وهو رؤيا حق رآها عليه الصلاة السلام، ستحل بالذين يموتون قبل أن يتوبوا من فعل الزنى، أو الموبقات، فلما سأل جبريلَ وسأل من حوله من الملائكة، قال سبحان الله: «ما هذا؟ يترك اللحم الطيب، ويأكل اللحم الخبيث»، نعم، هذا عنده زوجة صالحة يتركها، ويبحث عن الزنى والفجور، والعياذ بالله، فكان الجزاء من جنس العمل.

أيها الإخوة..

كما تدين تدان، اعمل ما شئت، الذنب لا يبلى، والبر لا يُنسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان، فليبادر الذين يمارسون أو يشيعون الفاحشة إلى التوبة النصوح، والإقلاع عن الذنب قبل أن يحل عليكم أو على من يفعل ذلك، أو على هذا البلد، الذي نرى ونسمع ونقرأ فيه أخبار المزارع، وأخبار الصحف، وإن هناك إحصائية قرأتها منذ أربع سنوات، أن عشرين ألف بغي دخلوا هذا البلد! أين ذهبوا؟ أين انتشروا؟ في أي مكان؟ إنهم هناك في المزارع الموبقات، التي في ليالي الجمع، التي من السُّنة أن نصلي فيها على الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هم هناك يحيون، ويحيون الشيطان معهم بأفعال من الفاحشة، عقوبتها على من؟ عقوبتها ستحل على الجميع، (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) (الأنفال: 25)، فنسأل الله تبارك وتعالى العافية، والمغفرة، والهدى، والتقى، والعفاف، والغنى، هو ولي ذلك والقادر عليه.

اللهم إنا نسألك الهدى والعافية، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا ميتًا إلا رحمته، ولا ضالًا إلا هديته، ولا تائبًا إلا قبلته، ولا مؤمنًا إلا ثبته، ولا عسيرًا إلا يسرته، ولا سوءًا إلا صرفته، ولا عيبًا إلا سترته وأصلحته، ولا مسافرًا إلا حفظته، ولا غائبًا إلا رددته، ولا مجاهدًا في سبيلك إلا نصرته، ولا عدوًا إلا أخذته وقصمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة، لك رضا ولنا فيها صلاح، إلا أعنتنا بقضائها يا أرحم الراحمين.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء المنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تحميل