الخميس 09-أبريل-2026 - 21 شوّال ، 1447
أيتام المسلمين
التعريف بالخطبة
يتحدث الشيخ أحمد القطان -رحمه الله- في هذه
الخطبة عن فضل كفالة اليتيم المسلم وعظيم أجره عند الله، مبيناً مأساة اليتامى في
بقاع الأرض ومنبهاً الأمة إلى مسؤوليتها تجاههم. كما يسرد مواقف نبوية وقصصاً من
حياة السلف في إكرام اليتيم، محذراً في الوقت ذاته من أكل أموالهم أو قهرهم،
ومصوراً واقع الأمة الذي بات فيه "الوطن" نعشاً كبيراً لليتامى.
عناصر الخطبة
وَيْلٌ لآكِلِي
أَمْوَالِ اليَتَامَى.. نَارٌ فِي البُطُونِ وَقَبْرٌ يَسْتَعِر!
اقْتِحَامُ
العَقَبَة.. السِّرُّ الذِي يَفْتَحُ لَكَ أَبْوَابَ الجِنَان!
فِي مَدْرَسَةِ
النُّبُوَّة.. مَوَاقِفُ الخُلُودِ فِي جَبْرِ القُلُوب
كَيْفَ جَبَرَ
النَّبِيُّ ﷺ خَاطِرَ يَتَامَى الصَّحَابَة؟
كَيْفَ اشْتَرَى
ابْنُ المُبَارَكِ فَرَحَةَ الأَيْتَام؟
أَصْنَامُ التَّمْرِ
قَدِيماً.. وَأَصْنَامُ الغَرْبِ حَدِيثاً!
نَحْنُ لِمَنْ؟
وَنَحْنُ مَنْ؟ صَرْخَةُ الضَّمِيرِ فِي وَجْهِ التَّيْه.
المقدمة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه
ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له،
ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله.
أما بعد.. فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد
صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل
ضلالة في النار.
عباد الله.. أوصيكم
ونفسي بتقوى الله، حيث أمرنا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم
مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102)، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل
لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2-3)، وأعطانا
الضمان لذريتنا بالتقوى والدعوة إلى الله فقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ
تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا
اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ (النساء: 9).
اللهم ألّف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا،
واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور. اللهم رد المسلمين إلى الإسلام
رداً جميلاً، اللهم انصرنا على من عادانا، اللهم عليك باليهود وأعوانهم، اللهم
أرنا في اليهود عجائب قدرتك، نسألك اللهم أن تحرر المسجد الأقصى وأرض فلسطين.
اللهم أنت ملاذنا ومعاذنا ونصيرنا وظهيرنا وحسبنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير. رحماك..
رحماك بالنساء الثكالى، والأطفال اليتامى، والشباب الحيارى. نسألك لأمة محمد
قائداً ربانياً يقرأ كتاب الله ويسمع كتاب الله ويسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها،
ويحكم بكتاب الله وتحرسه.
وَيْلٌ لآكِلِي
أَمْوَالِ اليَتَامَى.. نَارٌ فِي البُطُونِ وَقَبْرٌ يَسْتَعِر!
أيها الأحبة الكرام، أما بعد..
فاليتامى وما أدراك ما اليتامى، يتامى فلسطين،
يتامى لبنان، يتامى الأفغان، وفلبين، وآسام، يتامى المسلمين، لسان حالهم ينذر
عنهم، فيقول: ثياب بالية، وخيام خاوية، وبطون طاوية، ودموع جارية، وجلود عارية،
وجوه شاحبة، وأيادٍ بالية. هؤلاء يتامى المسلمين، اليتيم ليلة العيد ينتظر
لباساً جديداً، والأطفال يفرحون واليتامى لا يفرحون. اليهود يشكّلون جسراً جوياً كي
ينقلوا اليتامى والجائعين من أفريقيا والهند.. ويتامى المسلمين لا مأوى لهم!
اليهود يشكّلون جسراً جوياً كي ينقلوا اليتامى والجائعين من أفريقيا والهند،
ويتامى المسلمين لا مأوى لهم، ولا لشعوبهم، يسحقون ويذبحون ويهملون، يستمتع اليهود
وأعوانهم في التمثيل بهم، يتامى المسلمين يؤسرون في سجون «إسرائيل»، وآخر الأخبار
تنبئنا أن الجنود اليهود والسجانين يفعلون الفاحشة باليتامى والأسرى.
من يثأر لهم؟ من ينتصر لهم؟ أيتام.. كشعوب الأمة
العربية والإسلامية. لنعد إلى كتاب الله، أعوذ بالله السميع العليم من
الشيطان الرجيم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهمْ خَيْرٌ
وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
الْمُصْلِحِ﴾ (البقرة: 220)؛ يعلم المفسد الذي ينتهب أموالهم، ويأكلها في بطنه،
ويبعث يوم القيامة يخرج منه النار.
﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ
الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ (الإسراء: 34)، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى *
وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا
الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (الضحى: 6-9)؛ وكل اليتامى مقهورون، ﴿وَأَمَّا
السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (الضحى: 10)، والشعوب العربية كلها سائلة تثور من أجل
لقمة الخبز، وتستقبل الرصاص في جسدها لأنها لا تجد الخبز، وأموالها يُشترى بها
السلاح لكي يعرضها إلى حملات إبادة. ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ *
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾؛ ولكنهم ينهرون السائل ويقهرون اليتيم،
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: 11).
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي
يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ
عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن
صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾
(الماعون: 1-7)؛ في سورة واحدة، جمع الله أمراً اجتماعياً وأمراً عقيدياً، وأمراً
سلوكياً، وأمراً تعبدياً في سورة واحدة. إن ديننا لا يفرق أبداً بين جوانب الإسلام
إنما الذي يوحد الله ويصلي لله ويعبد الله هو الذي يرعى اليتيم ويحض على طعام
المسكين.
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
أَمْوالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ (النساء: 10)، ولم يقل سبحانه: وسوف يصلون سعيراً،
فالسين هنا تفيد تعجيل العذاب في الدنيا والقبر قبل يوم القيامة. وحدث أن رجلاً
فتح قبراً فوجد في بطن صاحبه ناراً، فلما سأل عنه علم أنه وصي على يتامى، وكان
يأكل أموالهم.
ويقول سبحانه: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكرمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا
تَحاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً
لَّمّاً
* وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ (الفجر: 17-20)، ويقول سبحانه:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً *
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا
شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً *
فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً *
وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ (الإنسان: 8-12).
اقْتِحَامُ
العَقَبَة.. السِّرُّ الذِي يَفْتَحُ لَكَ أَبْوَابَ الجِنَان!
فالذي يمسح على رأس اليتيم، ويجبر قلبه المنكسر،
ويلقمه لقمة الطعام، ويدخل السرور على قلبه؛ ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً
وَحَرِيراً﴾؛ حريراً ناعماً يلبسونه، نعومة في الباطن، ونعومة في الظاهر؛ جزاء
لإكرام اليتيم.
إن بينكم وبين الجنة عقبات لا تقتحم للتجاوز عبر أبواب الجنان إلا
بإطعام اليتيم والمسكين والقريب. ثم يقول سبحانه: «إن بينكم وبين الجنة عقبات»،
وهذه العقبات لا تقتحم للتجاوز عبر أبواب الجنان، إلا بإطعام اليتيم والمسكين
والقريب؛ ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾
(البلد: 11-12)؛ عقبة كؤود مهول، يضخمها الله ويهوّل فيها ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا
الْعَقَبَةُ﴾؛ ما وسيلة الاقتحام والوصول عبر هذه العقبات ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾
(البلد: 13)؛ تحرير العبيد، تحرير الشعوب المسحوقة والمستعبدة والمستذلة والمهانة،
وإعطاؤها حرية التعبير، وإعطاؤها ثرواتها المنهوبة والمسلوبة، وحقن دمائها
المسكوبة، وصيانة أعراضها المسلوبة. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ
ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾
(البلد: 13-16)؛ بهؤلاء تقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة!
أيها الأحبة..
انظروا إلى الرحمن الرحيم كيف يرحم اليتيمين،
لهما كنز تحت جدار، لو علم بها الطواغيت لأخذوها، ولكن رحمهما الله، إذ سخّر
عاملين من عماله، أشرف عاملين في الوجود، موسى عليه السلام، والخضر عليه السلام،
بدون مقابل مادي، وإنما كان أجرهما على الله، يعمل موسى، والخضر عمالاً في بناء
جدار اليتيمين، ليحمي الله كنزهما من أن تمتد يد الطاغوت إليه. أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ
فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً
فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا
رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ (الكهف: 82). يا أرحم الراحمين، ارحم يتامى المسلمين، والشعوب
المسلمة، كما رحمت هذين اليتيمين برحمتك يا أرحم الراحمين. لماذا لا يُرحم اليتيم
والحبيب يقول: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»؟
[أخرجه أبو داود والترمذي]. ويقول: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وفرّج بين
السبابة والوسطى. [أخرجه البخاري].
وقد شهدنا هذه الإشارة؛ التفريج بين السبابة
والوسطى بعد مذابح صبرا وشاتيلا، بعد مذابح اليتامى العزل، والأرامل العزل،
والعجائز الركع، والأطفال الرضع في بيوتهم، والحوامل اللواتي بقرت بطونهن، عُقد
بعدهن مؤتمر، وظهرت الزعامات العربية، وصور الجثث تحت أقدامها وهي تفرّج بين
السبابة والوسطى. أهكذا يُفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أهكذا يقتل
اليتامى؟! أهكذا تُرعى الشعوب؟!
فِي مَدْرَسَةِ
النُّبُوَّة.. مَوَاقِفُ الخُلُودِ فِي جَبْرِ القُلُوب
ويقول صلى الله عليه وسلم: «من عال جاريتين حتى
تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وضم أصابعه صلى الله عليه وسلم». [أخرجه
مسلم]. وتقول عائشة رضي الله عنها: دخلت عليَّ امرأة ولها ابنتان لها تسأل فلما لم
تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة، أعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها،
ثم دخل الرسول صلى الله عليه وسلم علينا فأخبرته، فقال: «من ابتلي من هذه البنيات
بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار». [أخرجه البخاري ومسلم].
وتقول عائشة رضي الله عنها: جاءتني مسكينة تحمل
ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة
لتأكلها، فاستطعمتاها.. نظرت ابنتاها إلى التمرة والتمرة مرفوعة إلى فيها فلما
وضعت في فيها نظرت إلى دمعتين تترقرقان فأخرجت التمرة وشقتها نصفين وأعطت كل واحدة
نصفاً، وظلت الأم طاوية جائعة، بعد أن ذاقت بطرف لسانها حلاوة التمرة الواحدة،
فماذا قال صلى الله عليه وسلم عندما رأى ذلك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله
قد أوجب لها الجنة، أو أعتقها بها من النار». [أخرجه مسلم].
والمسلمون الأولون يفقهون الآيات والأحاديث؛ فهذا
يتيم من الأنصار تظهر نخلة بين أرضه وأرض أبي لبابة، فيقول اليتيم: إنها نخلتي يا
أبا لبابة، فيقول أبو لبابة: لا إنها نخلتي، ويذهبان إلى النبي يشتكيان إليه، فلما
عاين النخلة رآها في أرض أبي لبابة، قال: إنها نخلتك يا أبا لبابة، وهنا بكى
اليتيم وانحدرت دموعه، فرقّ له النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أبا لبابة،
أعطه النخلة، ولك بها عزق في الجنة، ولكن أبا لبابة ذهب وتولى غاضباً، فأدركه أبو
الدحداح، وقال: يا رسول، إذا اشتريت نخلته بحديقتي كلها ألي العزق في الجنة، قال:
نعم، قال: يا أبا لبابة، بعني نخلتك، بحديقتي، قال: هي لك، فقال أبو الدحداح:
النخلة لك، لا تبكي يرحمك الله. واستشهد أبو الدحداح في معركة «أُحد»، والنبي يقف
فوق رأسه وهو معفر في ثيابه والتراب ويقول بأعلى صوته والناس يسمعون: «رب عزق الآن
مذلل لأبي الدحداح في الجنة». [أخرجه مسلم].
كَيْفَ جَبَرَ
النَّبِيُّ ﷺ خَاطِرَ يَتَامَى الصَّحَابَة؟
وبعد معركة «مؤتة»، يصله خبر استشهاد جعفر بن أبي
طالب رضي الله عنه، وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم خَلقاً وخُلقاً، الذي
تقطعت يداه وهو يحمل الراية، فرزقه الله جناحين يطير بهما في الجنة لهما قوادم
حمر، فلما دخل النبي بيته، والنساء يجتمعن حول زوجته الثكلى، رأى أولاده الصغار
يتجارون أمامه، فالتزمهم على صدره الشريف، وأخذ يشمهم ويقبلهم والدموع تتحدر رحمة
من عينه، ويقول: «أيها الناس، اصنعوا لآل جعفر طعاماً إنهم شغلوا عن طعامهم اليوم»
[أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه]، ويقبلهم ويمسح على رؤوسهم، ويلتفت إلى
المسلمين: «من أراد أن تقضى حاجته، ويلين قلبه، وينسأ له في أثره، فليمسح على رأس
اليتيم، وليطعمه من طعامه». [وردت معانٍ مشابهة في مسند أحمد].
ويأتيه خبر استشهاد أبي سلمة رضي الله عنه، فيذهب
إلى أم سلمة بعد انقضاء عدتها وهي تعول أطفالاً صغاراً من أبناء وبنات، فخطبها
رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة باليتامى، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، إنني
امرأة مضية، قال: «يا أم سلمة: أولادك أولادي، ادعي الله، وقولي: اللهم آجرني في
مصيبتي وأخلفني خيراً منها». تقول: وهو هناك خير من أبي سلمة، فاستجاب الله دعوتي،
فأخلفني خيراً منه، أخلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم. [أخرجه مسلم].
كَيْفَ اشْتَرَى ابْنُ
المُبَارَكِ فَرَحَةَ الأَيْتَام؟
اليتيم، وما أدراك ما اليتيم! عبدالله بن المبارك
رضي الله عنه يذهب إلى الحج في عام، وفي الطريق تموت له دجاجة، فألقي بالدجاجة في
المذبلة، وإذا فتاة تبحث في المذبلة بين أكوام القمامة تخوضها بساقين نحيفين، فلما
رأت الدجاجة الميتة التقطتها وفرت بها، فجرى خلفها ابن المبارك وأمسكها، فقال لها:
ويحك يا بنية! ما تفعلين بهذه الميتة؟! قالت: قتل أبي منذ شهر، وأعيش أنا وأخي
الصغير في هذا الكوخ، أترقب ما يلقى في المذبلة، وقد أُحلت لنا الميتة منذ شهر.
فبكى عبدالله بن المبارك، وأخذ جميع أموال الحج التي معه وخصم منها نفقة الرجعة،
وأعطاها لهذه اليتيمة، وقال لوكيل أعماله: أسأل الله أن يكتب الله حجنا هذا العام
بهذه اليتيمة المسكينة التي جبرنا قلبها.
ولما جاء شهر رمضان فرش له حصيراً ووضع عليه
أكوام التمر وأكوام الدراهم، وصاح: يا معشر اليتامى، كلوا من تمري هذا، وأشتري كل
نواة بدرهم، فيجتمع اليتامى ويأكلون من التمر وهم يضحكون ويشبعون ويجمعون النوى
بأيديهم، فإذا أشبعهم وألقى السرور في قلوبهم، جاؤوا يحاسبونه على أن كل نواة
بدرهم، ثم يحملون الدراهم في أثوابهم وهم فرحون، فإذا تولوا جلس على صخرة يبكي،
ووجد في صدره من الرحمة واللين، ثم يقول: هكذا فافعلوا، إن أحب العبادة إلى الله
إدخال سرور على قلب مسلم.
ماذا يُفعل بيتامى المسلمين اليوم؟ إدارات
الأيتام في العالم العربي والعالم الإسلامي يودعون أموال اليتامى في البنوك
الربوية، ويدخلها الحرام، ويأكل اليتامى الحرام، وآباؤهم في قبورهم يحزنون، والسبب
غياب شرع الله، وحكم الله. اللهم إنا نسألك يا أرحم الراحمين رحمة منك من
رحماتك النازلات الغافرات المنجيات أن ترحم يتامى المسلمين. اللهم إنا نسألك رحمة
كرحمة يوم عرفات ترحم بها شعوب المسلمين. اللهم إنا نشكو إليك ظلم الطواغيت ثقة
بحكمك وعلمك افتح بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الفاتحين. اللهم إني أسألك أن تجبر
القلوب المنكسرة، وأن تكفكف العيون المتحجرة، وأن تجبر العظام المنكسرة. اللهم
أطلق أسرى المسلمين وفك المخطوفين وأعدهم إلى أمهاتهم يا رب العالمين. أقول
قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.
الخُطْبَةُ
الثَّانِيَةُ:
أَصْنَامُ التَّمْرِ
قَدِيماً.. وَأَصْنَامُ الغَرْبِ حَدِيثاً!
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على
الظالمين، وأصلي وأسلم على محمد الصادق الأمين، حبيبي وقائدي ومعلمي وقدوتي وقرة
عيني أبي القاسم محمد بن عبدالله. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، وأوردنا
حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً. أما بعد، عباد الله..
وإدارة الأيتام في البيت الأبيض والبيت الأحمر،
وظفت أوصياء على أيتام تسمى شعوب العالم الإسلامي، وأوصت وصاياها قائلة: نوصيكم
بيتامى العالم العربي والإسلامي، نوصيكم أن تنهبوا أموالهم، وتسفكوا دماءهم،
وتهتكوا أعراضهم، وتدمروا عقيدتهم، وتنهبوا شرفهم، وإذا ما ثاروا عليكم يطلبون
لقمة الخبز اشتروا بأموالهم سلاحاً ومدرعات وراجمات وطائرات، دكّوا بها اليتامى
المسماة بالشعوب العربية والإسلامية، فقال أوصياء البيت الأبيض والأحمر لإدارة
الأيتام هناك: لبيك وسعديك، والعبد خاضع بين يديك، فنفذوا جميع الوصايا.
واقرؤوا الصحف لتعلموا حقيقة ما أقول، وزوروا
المعتقلات لتصدقوا ما أقول. إن إدارة الأيتام في البيت الأبيض والبيت الأحمر أوصت
واختارت أوصياء أصناماً، ولكنها ليست من الحجر أو الشجر أو البقر، إنما أصناماً من
البشر، بتوقيع واحد يسحقون الألوف ويدمرون الشعوب!
فِي زَمَانِ الجَاهِلِيَّةِ كَانَتِ الأَصْنَامُ
مِنْ تَمْرٍ وَإِنْ جَاعَ العِبَادُ فَلَهُمْ مِنْ جُثَّةِ المَعْبُودِ زَادْ وَبِعَصْرِ
المَدَنِيَّةِ صَارَتِ الأَصْنَامُ تَأْتِينَا مِنَ الغَرْبِ، وَلَكِنْ بِثِيَابٍ
عَرَبِيَّةٍ تَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ، وَتَدْعُو لِلجِهَادِ وَتَسُبُّ
الوَثَنِيَّةَ وَإِذَا مَا اسْتَفْحَلَتْ، تَأْكُلُ خَيْرَاتِ البِلَادِ وَتُحَلِّي
بِالعِبَادِ رَحِمَ اللهُ زَمَانَ الجَاهِلِيَّةِ
وأصبح زمان الجاهلية رحمة، في زمان أيتام العالم
العربي والإسلامي.
نَحْنُ لِمَنْ؟
وَنَحْنُ مَنْ؟.. صَرْخَةُ الضَّمِيرِ فِي وَجْهِ التَّيْه
نَحنُ لِمَنْ؟ وَنحْنُ مَنْ؟ زَمانُنا يَلْهَثُ
خارجَ الزّمَنْ لا فَرقَ بينَ جُثّةٍ عاريَةٍ وجُثّةٍ مُكْتَسيَةْ.. سَواسِيَة موتى
بِنعْشٍ واسِعٍ يُدعى الوَطَنْ أسْمى سَمائِهِ كَفَنْ بَكَتْ علينا الباكِيَةْ وَنَامَ
فوقَنا العَفَنْ
وإذا ما جاء المناضلون لكي يثأروا لليتامى،
يثأرون لهم بالغناء في الإذاعات، والقرارات بعد المؤتمرات.
هَرِمَ الناسُ.. وَكانوا يرضَعونْ عِندما قالَ
المُغني: عائِدونْ يا فِلسطينُ وما زالَ المُغني يَتغنى.. وَملايينُ اللُّحونْ في
فَضاءِ الجُرُحِ تَفنى واليَتامى مِنْ يَتامى يُولدونْ يا فِلسطينُ وأربابُ
النِّضالِ المُدمنونْ ساءَهُمْ ما يَشهدونْ فَمَضوا يَستنكِرونْ وَيخوضونَ
النِّضالاتِ عَلى هَزِّ القَناني والبُطونْ! عائِدونْ.. وَلَقدْ عادَ الأسى لِلْمَرَّةِ
الألْفِ.. فَلا عُدْنَا.. وَلا هُمْ يَحزنون!
اليتامى في العالم، اذهبوا وانظروا إلى يتامى
النصارى، قابلت يوم أمس مسؤول اليتامى في فلسطين والقدس والأردن، الأستاذ المسلم
الفلسطيني هاشم العشائر ثبته الله ونصره، وهو مسؤول عن دور اليتامى هناك، يتامى
لبنان، ويتامى أيلول، ويتامى فلسطين، وأخذ يحدثني عجباً، يقول: إن دور يتامى
النصارى تجد فيها كل شيء، ونحن نبذل قصارى جهدنا على أن نجاريها مادياً، ولكننا لا
نستطيع، لأن العرب والمسلمين بخلاء، أحدهم يفكر ألف مرة قبل أن يخرج الدينار
والدرهم والجنيه والدولار، واليهود والنصارى ينفقون الملايين من الدولارات، لا من
أجل الإنسان وحقوق الإنسان، بل من أجل الحيوان وحقوق الحيوان، ثم يوظفون أوصياء
علينا منا وفينا يحملون أسماءنا، ولكنهم يذبحوننا ذبح الخراف.
الأخ عشائر جاء إلى الكويت طمعاً بأن يقوم
المحسنون من هذا المسجد وغيره بالدفع لهؤلاء اليتامى الذين يعلمهم القرآن الكريم،
وبنى لهم المدارس، وألبس البنات الحجاب، وأوجد لهم المطابخ، وأسس لهم المساجد،
واشترى لهم المناهج الإسلامية، وهم يرعرعون كالورود المتفتحة التي بوجودها يتبقى
بعض القليل من الضمير العربي والإسلامي، وإلا واقع الحال كما يقول الشاعر:
أَهْرُبُ مِنْ خَوْفِي إِلَى خَوْفِي.. عَلَى
خَوْفِي أَرْكُضُ وَالمَوْتُ عَلَى خُفِّي يَدُ الرَّدَى عَلَى يَدِي يَدُ
الرَّدَى قِبَالَتِي يَدُ الرَّدَى خَلْفِي تَحَوَّلَتْ خَرِيطَةُ الأَرْضِ إِلَى
سَيْفِي مُلَطَّخٍ بِالدَّمِ.. وَالخَوْفِ أَهْرُبُ نَحْوَ اللهِ.. أَدُورُ حَوْلَ
بَيْتِهِ أُشَمِّرُ اليَدَيْنِ فَوْقَ دَارِهِ أَقُولُ يَا اللهُ.. أَصِيحُ يَا
اللهُ.. أَصْرُخُ يَا اللهُ يَخَافُ صَوْتِي مِنْ فَمِي.. وَيَخْتَفِي صَدَاهُ وَالبَابُ
صَمْتٌ وَدَمٌ يَسِيلُ مِنْ أَعْلَاهُ
أليس هذا واقع العالم العربي؟! بلى والذي نفسي
بيده.
الدعاء والختام
اللهم فرّج عن أمة المسلمين، يا كاشف الهم يا
دافع الغم يا مقيل عثرات العاثرين يا راحم المذنبين، ادفع غمومنا واكشف همومنا
برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين
معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا،
ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على
من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا
أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا
أرحم الراحمين.
اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا
قضيته، ولا مريضاً إلا شافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا
تائباً إلا قبلته، ولا مؤمناً إلا ثبته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا
صرفته، ولا عيباً إلا أصلحته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً قصمته. اللهم
ثقّل ميزاننا، وحقق إيماننا، وأمّن روعاتنا، واستر عوراتنا، حقق بالصالحات آمالنا،
واختم بالطاعات أعمالنا. اللهم إنا نلجأ إليك ونستغيث بك فأغثنا، أغثنا يا مغيث.
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس فنضيع، كما صنت أيدينا أن تمتد
إلى أحد غيرك، وصنت وجوهنا أن تسجد لأحد سواك، اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير
أيامنا يوم لقائك، وأمواتنا وأموات المسلمين. آنس وحدتهم وارحم غربتهم، واغفر
زلتهم، واقبل حسنتهم، واملأ قبورهم نوراً وإيماناً، ويقيناً ورضواناً، وروحاً
وريحاناً، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك
التكلان، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك التواب الرحيم.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى،
وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله يذكركم،
واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.