الخميس 11-يونيو-2026 - 25 ذو الحجة ، 1447
أنواع الأمراض في القرآن والحياة
التعـريف بالخـطـبة:
تناولت الخطبة الحديث عن أنواع الأمراض
في القرآن، فأوضحت أنها صنفان؛ أمراض أبدان وإيمان، ثم ذكرت الشواهد من القرآن على
ابتلاءات الأنبياء، ثم نوهت بأن البلاء يكون بالنعمة كما يكون بالشدة والنقمة، ثم
ختمت الخطبة بالحديث عن نوع ثالث من الأمراض وهو ما سماه الشيخ بمرض السحايا
السياسي الذي كان سبباً في بتر أعضاء من جسد الأمة الإسلامية.
عناصــر الـخطبة
أنواع الأمراضت في
القرآن الكريــم
الابــتـــــــلاء في حـيـاة
الأنـبــيـــــاء
مــــــرض الــــســـحـــايا
السيـاسـي
الـمـقـدمـة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي
هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد الله الذي خلق فسوى، والذي
قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى.
الحمد لله الذي خلق من عدم، وأسبغ
علينا وافر النعم، كبرنا من صغر، وأطعمنا من جوع، وسقانا من ظمأ، وسترنا من عورة،
وشفانا من مرض، وكثرنا من قلة، ورفعنا من ذلة، وهدانا من ضلالة، وعلّمنا من جهالة،
وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، لا نحصي
ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
وأصلي وأسلم على قائدي وقدوتي وحبيبـي
وقرة عيني محمد بن عبدالله، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين، ومن دعا
بدعوتهم إلى يوم الدين، نشهدك اللهم على حبهم أجمعين.
عـبـاد الله..
أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ (وَمَن يَتَّقِ
اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق)،
ويحفظ ذريته من بعده: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً
ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً
سَدِيداً) (النساء: 9).
أمـا بعـد، أحـبـتي فـي
الله..
إني أحبكم في الله، وبعد جولتي الطويلة
متفقداً أحوال المسلمين من الأفغان، إلى باكستان، إلى كشمير، إلى فليبين، ثم الحج،
وأحداث الحج، ثم بعد ذلك إلى القارة الخضراء أفريقيا، ثم العودة إلى منبر الدفاع
عن الأقصى.
ولما عدت وجدت الناس يخافون من مرض
يسمى مرض السحايا، قيل: إنه انتشر، ونقله الحجاج، الحجاج ينقلون الطاعات
والعبادات، وإنما يأتي البلاء من الذنوب.
والأمراض في القرآن نوعان:
- أمراض الأبدان.
- أمراض الإيمان.
فماذا قال الله عن أمراض الأبدان؟
رمز الله لمرضى البدن: أيوب النبي،
إمام الصابرين في المرض، عليه الصلاة والسلام، وجاء ذكره في القرآن ليكون أسوة
وقدوة إلى تلك الفئة المنسية، التي لا يذكرها في بلائها إلا حبيب أو قريب.
أولئك المرضى المقعدون، الذين يعانون
ما يعانون من الآلام والهموم، جعل الله نبياً من أنبيائه قدوة لهم، إنه أيوب عليه
الصلاة والسلام.
صبر أيوب على البلاء
ماذا قال الله عن أيوب؟ قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى
وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ) (النساء: 163)، فجاء ذكر أيوب بين نبيين، أحدهما من
أولي العزم وهو عيسى، وبعده يونس، ولله حكمة في ذكر اسم أيوب بين ذكر اسم عيسى،
ويونس.
فعيسى عليه الصلاة والسلام أعظم طبيب
معجزة عرفه الوجود، ماذا يقول الله عن علاج عيسى للمرضى؟ الله قادر على أن يشفي
المرضى بسبب من البشر وبدون سبب من البشر؛ لأنه هو الشافي الكافي لا إله إلا هو،
جعل عيسى بإذنه يشفي الأكمه والأبرص، والأكمه: هو الذي يولد لا سمع له ولا بصر ولا
نطق، والأبرص: الذي تغير جلده ولونه، بمسحة نبوية من يد عيسى بإذن الله يشفيان،
وأشد من ذلك أنه يحيي الموتى، فإن كان الأطباء اليوم يعالجون الأكمه والأبرص، فأنى
لهم أن يعالجوا الموتى في القبور، عيسى يمسح على الميت، فيحيا بإذن الله رب
العالمين حتى لا يأتي طبيب بعد عيسى فيقول: أنا الأول، فأطباء الله دائماً وأبداً
أعظم.
لفتة قرآنية دقيقة
ويونس جاء بعد ذكر أيوب في هذه الآية
لحكمة، لأن يونس لما ألقاه الحوت ألقاه سقيماً، ولم يلقه في مستشفى أو مصحة، إنما
ألقاه في العراء، لا أطباء، ولا دواء، ولا لجان، ولا كبير أطباء، ولا علاج في
الخارج، ولا وساطات، ولا شفاعات، إنما عالجه الله بشجيرة صغيرة اسمها شجرة
اليقطين، أنبتها عليه، وجلده مسلوخ، من أحماض معدة الحوت فنمت وغطته، وشجرة
اليقطين يقول عنها الزرّاع: إن الحشرات بجميع أنواعها لا تقربها، وفيها ثمرة سهلة
الهضم، تغذى منها يونس، فبرئ بإذن الله.
إذاً، يونس عليه السلام شفاه الله بلا
أطباء ولا دواء.
وأيوب اسمه يأتي بين عيسى، ويونس، حتى
يبين الله للمرضى وللزمنى أن الله في شفائهم على كل شيء قدير.
أيها المريض.. اعلم أن الله قادر على
شفائك فلا تيأس من رحمة الله
لنستمع ماذا قال الله عن هذه الحقيقة،
يقول عن عيسى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ
وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي) (المائدة:
110)، ويقول عن يونس: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ {139} إِذْ أَبَقَ إِلَى
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ {140} فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ {141}
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ {142} فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ
الْمُسَبِّحِينَ {143} لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ {144}
فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ {145} وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً
مِّن يَقْطِينٍ {146} وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ {147}
فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (الصافات).
فيا أيها المريض، اعلم أن الله قادر
على شفائك فلا تيأس من رحمة الله.
لفتة قرآنية ثانية
ونعود إلى ذكر أيوب في القرآن العظيم،
فنراه في آية أخرى في سورة «الأنعام»، بعد أن ذكر إبراهيم، ونوحاً: (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ
دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الأنعام: 84)، سبحان الله! هنا يأتي ذكر اسم أيوب
بين ملكين عظيمين، ونبيين كريمين: سليمان، الملك النبي الرسول، ويوسف، الملك النبي
الرسول، وكأن الله يبين، كما أنه يبتلي بالمرض والبلاء والنقمة، فكذلك يبتلي
بالمُلك والنعمة، وكلاهما بلاء.
سليمان ابتلاه الله بالمُلك، فآتاه
الله ملكاً لم يؤته أحداً من قبله ولا من بعده، ويوسف آتاه الله الحكم، وأنقذ به
البشرية الجائعة من القحط في سني الجفاف، أنقذ الله به أهل مصر والشام وفلسطين وما
حولها ببركة الملك الصالح والحاكم الصالح يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام، يأتي
أيوب هنا بينهما لكي يبين الله سبحانه وتعالى أن البلاء نعمة ونقمة، مرض وصحة، غنى
وفقر، ضراء وسراء، شدة ورخاء، والناجح من يصبر في كليهما، ماذا يقول الله عن حقيقة
الذي ابتلي بالملك؟
سليمان أوتي عين القطر، معناها: قطر
الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والألمونيوم، وكل أنواع المعادن تقطر لسليمان،
يصنع منها ما يشاء.
ابتلاء سليمان عليه السلام
لنستمع ماذا يقول الله عن هذه الحقيقة
العظيمة، سليمان عليه السلام لما سمع خطاب النملة إلى النمل في وادي النمل، ماذا
قال؟ استمع إلى الدعاء، دعاء الملوك الصالحين عندما يجدد الله لهم النعمة يجددون
لله الحمد والثناء: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ
عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي
بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل: 19).
إذاً، هذا الملك لم يطغه ملكه، ولم ينس
فضل الوالدين: (عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ)، اليوم الواحد منا إذا تخرج وصار
دكتوراً أو مثقفاً أو رئيس قسم، أو مديراً نسي أمه وأباه، إلا من رحم الله، صار
الأخ مثقفاً، والأب في نظره جاهل والأم متحجرة.
سليمان عليه السلام في آخر الدعاء لم
يطلب أن يلتحق بركب الملوك، إنما طلب وقال: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ
فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).
ولما رأى عرش بلقيس جاءه بطرفة عين،
وهذا ما لم يتوصل إليه العلم الحديث، ماذا قال؟ (فَلَمَّا رَآهُ
مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ
أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ
رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل: 40).
ابتلاء يوسف عليه السلام
ويوسف لما رأى أبويه وإخوته، ماذا قال
أمام هذه النعمة؟ (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم
مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ {100}
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ
فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف)، نفس الملحق
الذي طلبه سليمان: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، نسأل الله أن يلحقنا
بالصالحين، هو ولي ذلك والقادر عليه.
إذاً، أيها الأحباب الكرام، أيوب عليه
السلام جاء اسمه بين عيسى، ويونس، وكذلك بين سليمان، ويوسف، لحكمة يريدها الله،
وإن ملوك الآخرة أهل البلاء، قال صلى الله عليه وسلم: «لو علم أهل العافية ما لأهل
البلاء عند الله لتمنوا أن يقرضوا بالمقاريض»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «وإن الله ليكتب
للعبد الدرجة في الجنة لا يبلغها بعمله، فيسلّط الله عليه البلاء ليرفعه إليها».
والأساس في ديننا أن نسأل الله
العافية، لا أن نسأله البلاء، فوصية النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس، قال: «يا عماه، اسأل الله
العافية في الدنيا والآخرة».
ونعود إلى أيوب في القرآن العظيم،
والله يقص علينا قصته، استمع، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَأَيُّوبَ إِذْ
نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ {83}
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ
وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)
(الأنبياء)، هاتان الآيتان وردتا في سورة «الأنبياء».
أدب أيوب في شكواه
نلاحظ هنا أن أيوب لم يصف مرضه كما
يفعل كثير من الناس: آه يا رأسي، آه يا عيني، آه يا ظهري! لم يقل أيوب ذلك، أيوب
وصف حاله بكلمتين، ووصف ربه بكلمتين، استمع ماذا قال أيوب عن نفسه وعن ربه، قال عن
نفسه: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) وهما كلمتان، وقال عن ربه: (وَأَنتَ أَرْحَمُ
الرَّاحِمِينَ) وهما كلمتان.
فكان هذا الأدب الذي كان يتلقاه من جده
إبراهيم عليه السلام يوم أن كان يدعو الله فماذا يقول؟ كان يقول: (الَّذِي خَلَقَنِي
فَهُوَ يَهْدِينِ {78} وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ {79} وَإِذَا
مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء)، نسب الخير إلى الله، والشر إلى
نفسه، وإذا مرضت أنا فهو يشفيني سبحانه وتعالى، هذا هو أدب الأنبياء مع الله تبارك
وتعالى.
أما في سورة «ص»، فاستمع ماذا يقول
الله عن أيوب: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ
الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ {41} ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ
بَارِدٌ وَشَرَابٌ {42} وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ
رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ {43} وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً
فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ
إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص).
نلاحظ في آخر الآيات في سورة
«الأنبياء» وسورة «ص» أن الله سبحانه وتعالى يذكر أولي الألباب، (وَذِكْرَى
لِلْعَابِدِينَ)، وهنا يقول: (إِنَّهُ أَوَّابٌ)، سبحان الله! ما السر في ذلك؟
السر في ذلك، يا أحبابي، أن الدين
الإسلامي ليس وكالة بدون بواب فمن شاء أن يدخل دخل، ومن شاء أن يخرج فليخرج، أو
مجرد دعاوى باللسان، لا.. بل الدين الإسلامي فيه تكاليف العبادة، وتكاليف العقيدة،
وتكاليف الإيمان، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاءه رجل قال: إني أسلمت، أحب
الله ورسوله، قال: «انتظر البلاء»، لم يقل له: انتظر المناصب، انتظر العلاوة، لا.
لهذا ذكرى للعابدين، فالعابدون لا بد
أن يؤدوا ضريبة التوحيد والعبادة والإيمان،
ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم
وإمام العابدين محمد صلى الله عليه
وسلم، ينظر إليه الصحابة في مرضه فيقولون: يا رسول الله، إنك توعك وعكاً شديداً،
فيقول: «إني أوعك وعك الرجلين منكم»، أي: لو نزل مرضي على رجلين لم
يحتملاه.
وبنته رقية ماتت في المرض، وأم كلثوم،
وزينب، والقاسم، وعبدالله، وإبراهيم، وهو صلى الله عليه وسلم، وهم أحب الخلق إلى
الله، وبُشِّر بوفاة فاطمة عند موته، فأخبرها بذلك ففرحت لسرعة لقائها به صلى الله
عليه وسلم، فهو الذي احتسب كل أولاده بناتاً وذكوراً في حياته صلوات الله وسلامه
عليه، وهو أحب مخلوق إلى الله.
بشريات للمرضى
إذاً، بشراكم أيها المرضى، فإن نسيكم
الناس فإن الله لا ينساكم، فالله يقول: «عبدي مرضت ولم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت الله رب العالمين؟ قال:
لقد علمت أن عبدي فلاناً قد مرض، ولو عدته لوجدتني عنده».
ويقول صلى الله عليه وسلم: «عائد المريض في
مخرفة الجنة»؛ أي: في رياضها، «إن شاء فليمكث، وإن شاء فلينصرف».
وقال صلى الله عليه وسلم: «من عاد
مريضاً، أو زار أخاً له في الله، ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة
منزلاً»، وقال: «من عاد مريضاً ممسياً استغفر له سبعون ألف ملك حتى يصبح».
نظرة الإسلام للمرض
والإسلام لا يشجع على المرض ولا يحبه،
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «عباد الله، تداووا، ما من داء إلا وجعل الله له دواء، علمه من علمه،
وجهله من جهله، فإذا أصاب الدواء مكان الداء برئ بإذن الله رب العالمين»،
وكان يأمر بالحجر الصحي، فيقول: «لا يدخلن ممرض على مصح»، ويقول صلى الله عليه
وسلم: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، وكان ينهى أن يدخل إلى البلاد
الموبوءة أو يخرج منها من كان فيها.
هذا هو ديننا الإسلام في مكافحة المرض،
وقد قامت وزارة الصحة مشكورة بتطعيم الناس ضد مرض السحايا الذي يصيب الدماغ
البشري، ونرجو أن تقوم وزارات الإعلام والصحة والأوقاف والتربية والشؤون بمكافحة
أوبئة الأخلاق، وتنظيف بيئة القلوب والإيمان، لبث الوعي الصحي الإيماني الإسلامي
الخُلقي القويم، فإنه أشد فتكاً في الناس من مرض السحايا، فالمصابون بمرض السحايا
لم يصل عددهم عشرين، وأما الذين أصيبوا بسحايا الإيمان فما أكثرهم.
اللهم احفظ بلادنا من الفتن والمحن،
والزلازل والفتن، والمرض والبلايا، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم أمنا في أوطاننا، نسألك العافية
في الجسد، والإصلاح في الولد، والأمن في البلد، برحمتك يا أرحم الراحمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم،
فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا
على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله.
أما بعد، عباد الله..
أوصيكم بتقوى الله العاصم من القواصم،
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله
ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، من قال ذلك
خالصاً من قلبه، وجبت له الجنة.
ثانياً: أمراض القلوب والإيمان:
أعود إلى النوع الثاني من المرض، الذي
ذكره القرآن، وهو مرض الإيمان.
وهذا، كما قلت لكم، لا يصيب خلايا
الدماغ، وسحايا الدماغ، إنما يصيب خلايا قلب الإيمان.
الله سبحانه وتعالى أخبر عنه في كتابه
الكريم، فماذا قال؟ قال: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ
أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة: 10).
أما انتشاره، فهو منتشر في معظم الناس
على الكرة الأرضية: قال تعالى: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ
يُؤْمِنُونَ) (هود: 17).
وأما أثره على أعضاء الجسم، فماذا يقول الله عن هذه الحقيقة؟ اسمع أثر هذا المرض، على جسم الإنسان: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ) (الأعراف: 198)؛ تعطل السمع، (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) (الأعراف: 198)؛ تعطل البصر، وتعطل السمع والبصر بتعطل البصيرة، فهو يخترق من البصر إلى البصيرة.
وأما أثره على المجتمع، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ
مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا
فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ {204} وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي
الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ
يُحِبُّ الفَسَادَ {205} وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ
بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (البقرة).
وأما علاج هذا المرض، ومكان علاجه، فهو
متيسر في كل مكان: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ {36} رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ
تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء
الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ {37}
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (النور).
وأما مادة علاج هذا المرض، فماذا يقول
الله عنها؟ المصل الذي يعالج، الدواء الناجع، استمع، هل الدواء الناجع أن نذهب إلى
معسكر الشرق أو الغرب؟ لا، هل الدواء أن ندخل في جدل عقيم، باتجاهنا إلى المشرق أو
المغرب؟ لا، استمع العلاج في آية واحدة؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (لَّيْسَ الْبِرَّ
أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ
مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ
وَالنَّبِيِّينَ) (البقرة: 177)، هذا هو العلاج الأول
والجرعة الأولى: العقيدة.
الجرعة الثانية: التكافل الاجتماعي: (وَآتَى الْمَالَ
عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) (البقرة: 177) أخلاق وتكافل اجتماعي.
الجرعة الثالثة: عبادة: (وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى
الزَّكَاةَ) (البقرة: 177).
الجرعة الرابعة: العلاقات الفردية والأسرية والدولية،
وحفظ العهد فيها كلها: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ) (البقرة: 177).
الجرعة الخامسة: الصبر في جميع الظروف والأحوال: (وَالصَّابِرِينَ فِي
الْبَأْسَاء) (البقرة: 177)؛ أي: الفقر، (والضَّرَّاء) (البقرة: 177)؛ أي:
المرض، (وَحِينَ الْبَأْسِ) (البقرة: 177)؛ أي: الحصار، والجهاد في
سبيل الله.
التقرير الطبي الأخير: (أُولَـئِكَ الَّذِينَ
صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: 177).
شفي.. شفي، الحمد لله، مبروك على الصحة
والعافية في الدنيا والآخرة.
أحبتي في الله.. والذي
لا ينفع فيه هذا العلاج، ماذا يقول الله عنه؟ ندخله غرفة العمليات: (إِنَّمَا جَزَاء
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً
أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم
مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا
وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: 33)، هذا العلاج الأول:
(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 179)، وهذا هو العلاج الأخير، فالذي لا
ينفع فيه العلاج الأول ينفع فيه العلاج الأخير، ديمومة حياة البشرية بهذا: (وَلَكُمْ فِي
الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
أحبتي في الله..
وبعد نجاح العملية، وشفاء المجتمع، أين
المحجر الصحي والوقاية، والوقاية خير من العلاج؟ يعطينا القرآن الوقاية فيقول: (وَاعْتَصِمُواْ
بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران: 103).
انظر (فَأَصْبَحْتُم)؛ أي:
أن التفرقة والعداوة والاختلاف ليل مظلم فيه تصادم وسقوط، وأقل حركة في هذا الليل
المظلم، أمامك هاوية (عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ) (آل عمران: 103)
مباشرة.
وأما الوفاق والاعتصام بحبل الله فصباح
منير مشرق (فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا
حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ
آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ {103} وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران).
وأخيراً: مرض السحايا السياسي:
ومرض ثالث خطير، أريد أن أختم به،
تستطيع أن تسميه مرض السحايا السياسي، علامة هذا المرض يقول الله عنها: (لاَ تَتَّخِذُواْ
الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن
يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة: 51)؛ أي مصاب بهذا
المرض، (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)؛ أي: من جملة المرضى.
أما تمكن هذا المصاب وهذا المرض، الذي
هو السحايا السياسي، فيقول الله عنه: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى
تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة: 120)؛ هنا تمكن المرض، (حَتَّى تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمْ).
أما أثر هذا المرض في جسد الأمة
الإسلامية؛ فقد قطعت أرض فلسطين، وفيها رئتا الجسد الإسلامي: القدس، و«الأقصى»
الشريف، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وكيف يتنفس جسد بلا رئتين؟! كيف؟! وهم يحاولون
إدخال لبنان إلى غرفة العمليات لاستئصالها؟!
مرض السحايا السياسي ما علاجه؟ علاجه في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم
بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً
لا ينزعه منكم حتى تعودوا إلى دينكم»؛ أي: الجهاد.
وقوله سبحانه وتعالى: (فَلَا تَهِنُوا
وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن
يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد: 35)؛ والسلم: هو رفع السلام ومشاريعه،
هذا هو العلاج، أيها الأحباب الكرام.
دعاء الختام:
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك
العلا أن تحرر أرض فلسطين والقدس و«الأقصى»، وأن تحفظ ديار المسلمين بما تحفظ به
عبادك الصالحين، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين.
اللهم إني أسألك لي ولأمة محمد حسن
الاعتقاد، وإخلاص العمل، وصلاح النية، ونور اليقين، وبرد الرضا، وحلاوة الإيمان،
وأُنس الذكر، وإجابة الدعاء، وبركة الدعوة.
اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين،
وارحم موتانا وموتى المسلمين.
اللهم انصر المجاهدين، وثبت الغرباء،
وأكرم الشهداء، وفك المأسورين من إخواننا المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك الجنة ونعيمها، ونعوذ
بك من النار وجحيمها.
اللهم ردّ المسلمين إلى الإسلام رداً
جميلاً، اللهم وحّد بين قيادتهم، وبين قلوبهم، وانصرهم على من عاداهم.
اللهم إنّا نعوذ بك من الفتن الباطنية
والظاهرية، إنك على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.
اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا
الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء
والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه
يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.