الأربعاء 04-نوفمبر-2026 - 24 جمادى الأول ، 1448

الهجرة النبوية وواقع الأمة المعاصر

169
2026-10-31

التعريف بالخطبة:

يتحدث الشيخ أحمد القطان رحمه الله عن المفهوم الحقيقي للهجرة النبوية وأبعادها الإيمانية والسياسية، محذراً من الهجرة العكسية لبلاد الغرب وتفريغ الأوطان الإسلامية من طاقاتها لأسباب مادية بحتة، ومسلطاً الضوء على تضحيات الصحابة الكرام وضرورة توحيد الأمة وجمع كلمتها بدلاً من التفرق والتمزق.

 

عناصر الخطبة:

  • فارق الهجرتين المؤلم!
  • خطر تفريغ الأوطان
  • سياسة التكتلات النبوية
  • الإسلام يوحدنا والكرة تمزقنا!
  • الرحمة النبوية ومراعاة مشاعر القلوب
  • حقيقة الهجرة والمهاجر

 

نص الخطبة:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

 

فارق الهجرتين المؤلم

أما بعد، عباد الله...

إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يجمعني معكم في ظل عرشه على منابر النور، وفي فردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقاً، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

أيها الأحبة الكرام..

مضى عام وأقبل عام، مضى العام العشرون، وأقبل العام الحادي والعشرون الهجري، يستقبلنا عام جديد، وعلى عملنا شهيد، فلنغتنمه بالباقيات الصالحات.

أيها الأحبة الكرام..

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم تعلمنا دروساً عظيمة، لم يهاجر عليه الصلاة والسلام إلا بعد أن علم من الله، أنه لن يهتدي الآن من قريش أحد، عطّلت قريش قلوبها وأسماعها وأبصارها، وفرّغت جهدها لتعذيب المسلمين واضطهادهم، فكيف يؤمن من يقوم بالتعذيب؟ (وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) (الكهف: 57)، وما دام (فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا)، فما الذي يبقيه بينهم؟! حتى يزدادوا حقداً وغضباً، فيشددوا العذاب عليه وعلى أصحابه فأذن الله له بالهجرة، ظروف قاسية جداً دفعته دفعاً هو وأصحابه من أن يتركوا أحب البقاع إلى الله، وأحب البقاع إلى أنفسهم.

واليوم مع الأسف الشديد يفهمون الهجرة فهماً معكوساً، فكثير من الشعوب الإسلامية تحت ظروف ليست بقسوة الظروف التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يريد أن يحسّن وضعه الاقتصادي، يريد أن يجد له عملاً أحسن، يريد أن يجمع الآلاف، يريد أن ينتقل إلى مجتمع تقني تكنولوجي، فتراه يأخذ نفسه وأسرته وينتقل إلى الغرب، يتغرب ويتفرنج، ملايين من هذه الأمة اليوم يسكنون بلاد الغرب، بلاد الكافرين، وقد شاهدناهم في أسفارنا للدعوة إلى الله، فرأينا أبناءهم تحولوا إلى مسخ.. مسخ حقيقي، الأب يصلي صلاة الجمعة فقط، ولا يصلي باقي الصلوات، وبعضهم لا يصلي، والبعض الآخر يصلي، ولكن في البيت ويجمع الفروض بعضها على بعض، شهدنا بعض أئمة المساجد إذا فتحوا الثلاجة لإحضار العصير وجدت في الثلاجة قارورة الخمر، وأما أبناؤهم وبناتهم، فمنهم «الهيبز»، ومنهم «الفانكس»، ومنهم «الفنكوشي»! يصبغون ألوانهم وشعورهم وأشكالهم، لماذا حدثت هذه التحويلة الخطيرة والانتكاسة؟

قال: أنا مهاجر تحت ظروف اقتصادية قاسية في بلدي جعلتني أهاجر.

 

خطر تفريغ الأوطان

إذا فرغت أوطان المسلمين من شعوبها المسلمة، فماذا يبقى من هذه الأوطان؟ الكويت عند الاحتلال هاجر قوم وبقي قوم، ولو هاجر كل الناس وأصبحت أرضاً بلا شعب وبلا وطن، لن تجد في يوم من الأيام من يقف معها؛ لأن الناس تقف مع الشعوب الصابرة الثابتة، فلهذا، من أخطر ما يفهم الناس من الهجرة أنهم يتركون بلادهم وأوطانهم ومرابعهم ومواطنهم وقيمهم وبلادهم وعاداتهم الكريمة، ويذهبون إلى الغرب، يتفرنجون، ويتغربون، ويتحول أولادهم كأبناء القردة والخنازير وعبد الطاغوت، والغرب ما عنده مانع أبداً أن يفتح لك اللجوء السياسي كما تريد، لهذا سوف ترى مئات الألوف والملايين من الناس هناك.. نعم.. الذي هُدّد في عرضه، والذي هُدّد في دمه يقول الله عنه: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) (النساء: 100)؛ وأول المراغمة: الجوع والتشريد والتعذيب والسجون والمعتقلات والقتل، ثم لا تُطاق الحياة، أرض الله واسعة، فهاجروا فيها، أما أن يترك الإنسان وطنه ودينه لأتفه الأسباب بحجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر فأنا أهاجر.. لا.. فلا هجرة بعد الفتح.

وإذا أردت أن تنطلق وتسيح، إنما جهاد ونية؛ «سياحة أمتي الجهاد»، هذا مفهوم عظيم، لأننا نعيش في زمن تهجير شعوب وتهجير أمم، أهل فلسطين لو مكثوا فيها مهما كانت الظروف قاسية، فالآن في فلسطين وفي غزة، وفي كثير من بلادهم أناس موجودون، لماذا خرج الباقون إلى أوروبا وألمانيا وأمريكا؟ لماذا هذا الفرار من موقع الجهاد؟ قالوا: الضغوط صعبة، وما نستطيع المكوث في الوطن، الرسول صلى الله عليه وسلم خرج من مكة، وفي نيته أن يفتحها من جديد، ويستعيدها من جديد، لهذا سأل الله: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) (الإسراء: 80)، فلما كان له السلطان النصير؛ الدولة والجيش، اتجه حالاً بجيشه وفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.

سياسة التكتلات النبوية

ومن الدروس التي نستخلصها من الهجرة ومن العام الهجري الجديد، أن النبي صلى الله عليه وسلم ما استطاع وحده أن ينتصر؛ (هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ {62} وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) (الأنفال).

فعلم هذه الحقيقة فحافظ على وحدة قلوب المسلمين، وعلم أن زمنه الذي كان فيه زمن تكتلات؛ قريش وحلفاؤها من القبائل، فعلم أنه لن ينتصر إلا إذا جمع نفسه فوحّد بين الأوس والخزرج، وصاروا أنصاراً، وبين الأنصار والمهاجرين، فصاروا إخوة الإيمان، وبين بعض المسلمين المؤمنين من القبائل حوله، كغفار، وأسلم، وخزاعة، تعاقد مع القبائل التي فيها بعض المسلمين، فدخلوا أحلافاً معه، فصارت كتلة إسلامية قوية فيها مسلمون، وفيها غير مسلمين، لكنهم قوة ضاربة أرهبت قريش، من صلح الحديبية إلى فتح قريش هي مرحلة التكتلات الإسلامية والوحدة الإسلامية القوية، لهذا لما اعتدت قريش على خزاعة، وخزاعة فيها مسلمون وكافرون، والكفار أكثر من المسلمين، ولكن ماذا قال صلى الله عليه وسلم لما جاءه شاعر خزاعة عمرو بن سالم؟ قال:

هم بيتونَا بالوَتير هجدا *** وقَتَلُونَا رُكّعَاً وسُجّدَا

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «نصرت يا عمرو بن سالم، نُصرت يا عمرو بن سالم، نُصرت يا عمرو بن سالم»، وحرّك جيش الفتح وفتح مكة.

 

الإسلام يوحدنا والكرة تمزقنا!

واليوم مع الأسف الشديد الكرة تفرّقنا، دول الخليج والخليجي 20 مؤتمر قمة لم يستطيعوا أن يتخلصوا من عداوات الكرة، إذن كيف ينتصرون على أعدائهم، واليهود مقبلون يركضون بمؤتمرات واقتصادهم وخططهم وفتنهم ومشكلاتهم، كرة.. إن غلبونا في الكرة.. تنسحب العداوة من قلب إلى قلب، ومن روح إلى روح، ومن شعب إلى شعب، ومن أمة إلى أمة بسبب كرة! الإسلام يوحّد، والكرة تمزق وتفرق! إذن، عندما يأتي العام الهجري الجديد ونحتفل بهذه المناسبة، ونحن نعيش حالة التمزيق كرة قدم، كيف ننتصر على أعدائنا؟! وكيف نستخلص العبرة؟!

كيف نستخلص العبرة، والرسول صلى الله عليه وسلم حلّ جميع الأزمات في دولته المدينة المنورة؟ حلها بالأخوة، وأي بادرة من بوادر العداوة يقوم بنفسها بحلها، ولو على حفنة ماء، وقف رجل من الأوس ليسحب الماء من الجليب، ورجل من المهاجرين يسحب الماء، فتعاركا على الجليب كل منهما يريد الأسبقية، فقال الأوسي: يا معشر الأوس! وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين! فرُفعت السيوف؛ فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم وقال: «أمر الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم، دعوها إنها والله منتنة»، ثم قرأ: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 103).

ماذا سيقول محمد صلى الله عليه وسلم لو رآنا نتنازع على كرة قدم، أكرمكم الله؟! ماذا سيقول؟ المهاجري والأنصاري يسحبان الماء وكانا في جهاد، كانا في غزوة، ما كانا في كرة، الكويتي يكره السعودي، والسعودي يكره الكويتي، والكويتي يكره القطري، والقطري يكره العُماني بسبب الكرة! ثم نحتفل بعد ذلك بعام هجري جديد، صاحب الهجرة ما قام الهجرة وما فعل الهجرة إلا لتحكيم شرع الله، ونحن نحتفل بالهجرة وأول ما نعادي شرع الله، ونعطل حدود الله، وحدود رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم يهاجر لتبيين الحلال واتباعه، وتبيين الحرام واجتنابه، ونحن نحتفل ونأكل الربا، ونستحل الربا، وإعلانات الربا في كل مكان، تعال اربح، ما هذا التناقض الذي تعيشه هذه الأمة؟ هل الدين احتفال، أم الدين شريعة من الله؛ افعل أو لا تفعل؟ (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 54).

أيها الأحبة الكرام..

إننا نحتاج لتغيير داخلي وخارجي في القرن، وفي العام الهجري الجديد؛ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، الاحتفالات لا تغير، إنما السلوك والمنهج العملي التطبيقي الذي قام به رسول الله عليه وسلم، الله يراه، ورسوله يراه، والأمة هي المستفيدة؛ (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 105).

 

 

الرحمة النبوية ومراعاة مشاعر القلوب

أيها الأحبة الكرام..

والرسول عليه الصلاة والسلام في هجرته كان يراعي العواطف والمشاعر حتى لا تجرح أي جرح خفيف، أول ما نزل، نزل في منطقة قباء، أتدرون بماذا كافأ منطقة قباء؟ قباء هي أول منطقة استقبلته، بنى فيها مسجداً، الركعتان فيه عن عُمرة، وبعد ذلك تسابق الناس إليه، العشائر والقبائل، عمرو بن عوف، والخزرج، والأوس، وغيرهم.. انزل عندنا.. يريدون البركة، ويريدون التشريف.

ساوى بين الجميع، ثم ترك الأمر إلى الله، وأمرهم بترك خطام الناقة القصواء، «لا تمسكوها.. لا تمنعوها.. إنها مأمورة»، من الذي أمرها؟ الله، بماذا أمرها الله؟ لماذا لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار العشيرة، ويختار القبيلة، ويختار المنزل، ويختار الموقع؟ حتى يراعي مشاعر الناس، إذن، لماذا الناس اليوم يعيشون هذه الطبقية والعنصرية المقيتة؟ لماذا يعيشون هذا الحقد المبطن، وهذا التفاوت النفسي والقلبي؟ نحن لا نعيش في بلد شيوعي، نحن نعيش في بلد مسلم وشعبه مسلم، فلا بد أن يراعي كل واحد منا على جميع المستويات الحكومية والشعبية، مشاعر الناس، وقلوب الناس، وعواطف الناس.

فلما جاءت الناقة ونزلت في موقع المسجد النبوي، أعادها مرة ثانية، ومرة ثالثة، حتى يطمئن الناس أنه أمر الله وليس أمر البشر، وأول ما بدأ ما بنى بيته ولا بنى قصره، ولا قصر أصحابه المهاجرين من حوله وهم عمالقة، خير القرون؛ أبو بكر، عمر، عثمان، عليّ، سعد، أبو عبيدة.. عمالقة فتحوا الديار وفتحوا الأمصار ما بنى لهم بيتاً واحداً.

أول ما بدأ ببيت لله، طين، وهو يبني فيه جريد نخيل، جذوع نخل، حصى مفروش، لكن فتح الروم وفتح الفرس، لأنهم تجردوا من الدنيا وأقبلوا على الله.

أحبتي في الله..

معانٍ من معاني الهجرة نحن بأمسّ الحاجة إليها اليوم، وأولادنا يضيعون تؤثر بهم محطات الإرسال من جميع آفاق الدنيا، والرسول عليه الصلاة والسلام يستحوذ على أبناء المسلمين، يحتضن أبناء المسلمين، يلعب مع أبناء المسلمين لعبة الجهاد، يخرج إليهم وهم يتضاربون بسيوف الخشب، ونبال الخشب، فيقول: «ارموا.. ارموا..»، هذا بعد هجرته، «ارموا آل إسماعيل..»، يردهم على جدهم إسماعيل بن إبراهيم، ما يردهم على المغني الأوروبي، وعلى الرياضي الأمريكي، وعلى الفنان، وعلى الممثل والمغني، يردهم إلى إسماعيل أكبر بطل في الجزيرة العربية، يستخلص رزقه من الصحاري والبراري، ويطيع والده حتى في تغيير زوجته، لما زاره أبوه إبراهيم رأى زوجته غير صالحة، قال غير عتبة بابك، قال لها «ألحقي بأهلك»، «ارموا آل إسماعيل.. إن أباكم كان رامياً»، ثم انضم إلى فريق السيوف، فقالوا: كيف نرميهم وأنت فيهم يا رسول الله؟! إنهم يوقرونه ويحبونه وينصرونه، وهو هو عليه الصلاة والسلام لا يترك الطفل الصغير الذي يلعب بالنغر بالعصفور، يداعبه، ويلاعبه، ويقول: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟!»، يقود الجيوش ويفتح الجزيرة، ويلعب مع طفل صغير ويقول له: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟!»، ما هذه الرحمة المتدفقة؟! كيف يستحوذ على هذا الجيل، فيربيه هذه التربية الجهادية الممزوجة بالرحمة والعاطفة؟! إننا نحتاج إلى وقفة حقيقية، أيها الآباء، أيها المربون، أيها المدرسون من حادث الهجرة لعل الله سبحانه وتعالى ينهض بنا، ويفتح لنا، وهو أرحم الراحمين، أقول الذي تسمعون، وأستغفر الله.

 

الخطبة الثانية:

حقيقة الهجرة والمهاجر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الصادق الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه.

أيها الأحبة الكرام..

هاجر أصحابه معه، يا لها من هجرة! سابق الروم صهيب، أول الروم، سابقهم، يهاجر ماشياً حافياً تساقطت أظافره في الطريق، وأصاب الرمد عينه، ووصل المدينة وكان يتلمس الجدران؛ لأنه لا يرى الطريق، قد هلك من الجوع والظمأ، وقد طارده الكفار حتى نثر كنانته، وقال: ويحكم، تعلمون أنني من أرمى الناس، والله لا أدع سهماً إلا في واحد منكم، أو تأخذوا مالي كله خذوا أموالي واتركوني، فشرى نفسه بأمواله؛ لأن الدين أغلى من المال، وأن رضوان الله أكبر من المال، اليوم الإنسان يجري وراء المال الحرام، ويترك ربه ورسوله، وقرآنه ودينه وراءه، فأنزل الله القرآن: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة: 207)، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمسك يده، مثل العمي لأنه أرمد، عيونه مغلقة، قال له: «ربح البيع يا أبا يحيى»، لقد أخبره الوحي بالصفقة التي تمت بينه وبين قريش، «ربح البيع يا أبا يحيى، ربح البيع يا أبا يحيى»، وهو يتلمس التمر يجمع بين التمرتين في فمه من الجوع، ويبلع الطعام.

هذا سابق الروم، صهيب الرومي، وهذا سابق الفرس سلمان الفارسي، دار الدنيا كلها وهاجر راح عند أحبار النصارى وقساوستها، من واحد لواحد لواحد، إلى أن استقر به المقام في المدينة المنورة، زراعا خادماً عند يهودي، لماذا كل هذا؟ لماذا يترك سلمان عزّه وملكه، وأبوه برتبة ملك، سادن النار، وكبيرهم مثل البابا اليوم، لماذا يهاجر ويتغرب سلمان؟ إنه يبحث عن الحق، الحق المنشود، وما إن سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر إلا وتلقاه ودار حوله، وشم رائحته والتزمه، واشتراه وأعتق، واليهودي من غضبه وحنقه على سلمان يلكمه في عينه، من شدة الحقد، حتى اشترى سلمان نفسه من اليهودي، وجمع له المسلمون المال اللازم للإعتاق حتى اشترى نفسه، الله أكبر! وهذا بلال، سابق الحبشة، يهاجر رضي الله عنه بعد ما سُلخ جلده، وجُر على الرمضاء، ودخلت الحجارة إلى عظمه بيد أمية بن خلف، يهاجر ويصل بين الحياة والموت رضي الله عنه حتى قال الصحابة عنه وعن أبي بكر الذي اشتراه وأعتقه: بلال سيدنا، أعتقه سيدنا أبو بكر، هذه هجرة سابق الروم، وسابق الفرس، وسابق الحبشة.

فيا أيها الأحباب..

اعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطانا عينة من المهاجر، وعينة من المسلمين، فقال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، و«المهاجر ما هجر ما نهى الله عنه»، فيا له من تعريف للمسلم! ويا له من تعريف للمهاجر!

الخاتمة والدعاء:

اللهم أعنا على أن نكف أيدينا وألسنتنا عن الناس، اللهم أعنا على أن نهجر الذنوب والمعاصي، لا إله غيرك ولا رب سواك، اللهم انصر المجاهدين في الشيشان وفي كشمير وفي فلسطين، وفي كل مكان، اللهم إنا نسألك أن تجعل عامنا الهجري عام نصر وفتح وتمكين لهذه الأمة.

اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، لا إله غيرك، ولا رب سواك، عباد الله..

إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. 

تحميل