الأحد 01-نوفمبر-2026 - 21 جمادى الأول ، 1448

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

الناس الآن يقتدون بأقزام العبيد من أصنام البشر، ويتشدقون بأقوالهم وأفعالهم، والله جل ثناؤه ربط قلوبنا بقلب واحد، وربط أعمالنا بعمل رجل واحد، ألا وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تضافرت الآيات والأحاديث على حبه صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به، والطاعة له، والدعوة لدعوته، فالله يعتبر بعثته صلى الله عليه وسلم ورسالته فضلاً ومنةً على المؤمنين، فهو يقول في كتابه الكريم: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (164) } (سورة آل عمران، الآية: 64).

كما الله الله سبحانه وتعالى أمرنا بنصرته حياً وميتاً { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (سورة الأعراف، الآية: 157).

ثم دعانا إلى حبه صلى الله عليه وسلم وقرن اتباعه ونتيجة اتباعه ثمرة ذلك حيازة حب الله وتعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) } (سورة آل عمران: 31).

ثم نصبه قدوة للعالمين من الإنس والجن إلى يوم القيامة.

ثم أمرنا باتباعه: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } (سورة الأحزاب، الآية: 21).

ثم أمرنا باتباعه: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) } (سورة الحشر، الآية: 7).

وأقول للذين يستهينون بأمره صلى الله عليه وسلم عندما يأمر بتحريم الربا، فلا يتبعونه، أو بالزنا، والخمور، والغيبة، والنميمة، والله حذر الذين يخالفون أمره صلى الله عليه وسلم أن أول عقاب يصيبهم في الدنيا قبل الآخرة أن يسلب الله الإيمان من قلوبهم: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) } (سورة النور، الآية: 63).

هذا النبي صلى الله عليه وسلم زكاه الله في كتابه الكريم، فأنت عندما تقتدي به صلى الله عليه وسلم لك الشرف، ومع الأسف الشديد، كثير من المسلمين المنتمين لهذا الدين بشهادة الميلاد والوفاة، إذا قلت لهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استهانوا وصدوا وأشاحوا بوجوههم، وإذا قلت لهم قال نابليون أو لينين، أو ستالين، أخذوا ذلك تصديقاً، تقليداً أعمى، كأنه نازل من السماء، وتقول له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لك: وما يدريك أنه حديث صحيح، ثم أخذ يلف ويدور ويتملص ويرد أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ولنستمع كيف زكى الله رسوله صلى الله عليه وسلم:

-       حفظ عقيدته فقالك {ما ضل صاحبكم وما غوى} (سورة النجم، الآية: 2).

-       حفظة لسانه فقال: {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى} (سورة النجم، الآيتان: 3 - 4

-       حفظ قلبه وعقله: {ما كذب الفؤاد ما رأى} (سورة النجم، الآية: 11).

-       حفظة بصره فقال: {ما زاغ البصر وما طغى} (سورة النجم، الآية: 17).

-       حفظ سلوكه وأخلاقه فقال: {وإنك لعل خلق عظيم} (سورة القلم، الآية: 4).

-       ثم أعطاه اسمين من أسمائه الحسنى فقال: {بالمؤمنين رؤوف رحيم} (سورة التوبة، الآية: 128).

-       ثم شرح صدره دون سؤال: {ألم نشرح لك صدرك} (سورة الشرح، الآية: 1).

-       ثم جمع له عينيه فقال: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} (سورة الطور، الآية: 48).

-       ثم رفع ذكره عبر العصور والدهور، حتى أن الذي في أقاصي الأرض في الصين أو في أفريقيا ليس من أهله ولا بلده ولا لغته إذا سمع اسمه صلى الله عليه وسلم بكى وصلى عليه فقال سبحانه: {ورفعنا لك ذكرك} (سورة الشرح، الآية: 4).

ويعاتب الله على الذين تخلفوا في الجهاد معه صلى الله عليه وسلم: { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } (التوبة: 120).

ما قيمة نفسك دون نفس الرسول صلى الله عليه وسلم، والله ما عرفنا عز الدنيا والآخرة إلا به صلى الله عليه وسلم، ما ترك وجهاً للخير إلا ودلنا عليه، ولا أمر شر إلا ونهانا عنه، ذلك هو محمد صلى الله عليه وسلم، الله جل ثناؤه أمرنا بالاقتداء به اتباعه: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} (سورة الأحزاب، الآية: 21).

ولا بد أن نقتدي به صلى الله عليه وسلم وهو القائل: "صلوا كما رأيتموني أصلي، خذوا عني مناسككم".

"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه وأهله" قال عمر: يا رسول الله: إنك أحب إلي من أهلي ومالي، وولدي، إلا نفسي يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يا عمر، إلا نفسك"، قال عمر: ونفسي يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم الآن يا عمر". (رواه البخاري).

وكان يقول عن نفسه صلى الله عليه وسلم: "أنا أتقاكم لله وأعلمكم بحدود الله".

للذين يستدعون في الدين ويزودون على سنته ويظنون أنهم على هدى أفضل من هديه صلى الله عليه وسلم.

يقول أيضاً: "أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يُقرع باب الجنة، أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم ومن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول شافع، وأول مشفع، ولا فخر".

"من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحُطت عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات" (رواه الترمذي).

ويقول عنه صلى الله عليه وسلم في حديث المحشر الطويل: "عندما تذهب الخلائق إلى آدم فيحيلهم آدم إلى نوح فيحيلهم نوح إلى موسى ثم إلى عيسى، فيقول عيسى: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون فيقول أنا لها، فيذهب صلى الله عليه وسلم فيخر تحت العرش فيُلهمه الله من التحميد والتسبيح ما يُلهمه، ثم يقول له: يا محمد، ارفع رأسك، اشفع تشفع، سل تعطى، ثم يقول: اللهم أمتي يا رب أمتي، يا رب أمتي" (رواه البخاري ومسلم).

وقال: إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً.

والله أعطاه السبع المثاني وهي أعظم سورة في كتاب الله، وقد أعطاه الله القرآن كله، فقال: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} (سورة الحجر، الآية: 87).

أيها المسلمون:

هذا نبينا وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم، ألا إننا نعتز به ونقتدي به، ألا دعوتنا هي دعوته، إلا إننا ننتسب، ونتشرف بالانتساب إليه وإلى أمته {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} (سورة فصلت، الآية: 33).

أيها الأحباب... جلس ثوبان في بيته مريضا، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، وقال: ماذا حدث لك يا ثوبان، قال: تفكرت يوماً، فقلت والله يا رسول الله إن لنشتاق إليك ونحن جالسين معك، فكيف وإن فرقناك بعد الموت، فوالله يا رسول الله فإن كنا في النار لن نراك بعد ذلك أبداً، وإن كنا في الجنة فإن منزلتك أعلى من منزلتنا، فكيف نراك في الجنة يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالتفت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وإلى ثوبان وقال: "أبشر يا ثوبان، المرء يُحشر مع من أحب" (رواه الإمام البغوي في تفسيره)، فنزل قوله تعالى: { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69) } (سورة النساء، الآية: 69).

اللهم إنا نشهدك على حبه وعلى حب من أحبه، من الصحابة، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

لما أنزل الله سورة النصر: {إذا جاء نصر الله والفتح} (سورة النصر، الآية: 1)، بكى أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فتعجب الصحابة لبكائه، فقالوا ما بال هذا الشيخ يبكي، ولم يعلموا أن الله ينعى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أصحابه، ويخبرهم أنه إذا فُتحت مكة ودخل الناس في الدين أفواجاً، فلينتظر حتى يأتيه اليقين، فإن أجله قد اقترب، لهذا بعد نزول هذه الآية حج حجة الوداع، وخطب خطبته صلى الله عليه وسلم وقال: لعلي لا أراكم بعد عامكم هذا، وكان جبريل ينزل عليه مرتين يراجع معه القرآن، فكان صلى الله عليه وسلم يخبر أن جبريل جاءه مرتين يراجع معه القرآن، وقال: إني أظن أجلي قد حضر.

ثم نزل له الأمر من الله بأن يذهب ويستغفر لأهل البقيع، وشهداء المسلمين، فخرج صلى الله عليه وسلم ومعه عائشة ومولاه ابن مويهبه فدعا ورفع يده حتى بان بياض إبطيه وهو يدعوا لشهداء البقيع ويترحم عليهم ثم قال ضمن ما قال: ليهنئكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضاً يتبع آخرها أولها، إني قد أعطيت خزائن الدنيا والخلد فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، ولقد اخترت لقاء ربي والجنة.

فعدا واشتكى من الصداع، فقالت عائشة: بل أنا ورأسي، وعائشة مريضة فقال: لا عليك فإن مت غسلتك بيدي، وكفنتك وصليت عليك، ثم يذهب صلى الله عليه وسلم متثاقل في مشيته صلى الله عليه وسلم تخط رجلاه الأرض، ويدخل صلى الله عليه وسلم لبيته ثم أخذته بحة وصداع وحمى شديدة حتى أن أم بش تقول له: ما وجدت هذه الحمى التي جاءتك على أحد يا رسول الله، فقال لها: إنا يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر، إنها من الأكلة التي أكلنا منها، أنا وابنك بشر في خيبر من الشاه، وكان اليهود قد أهدوا له شاة مسمومة وضعوا فيها السم، فأكل منها صلى الله عليه وسلم فلفظ، أما بشر فقد مات، وأبو بكر فقد لفظ، ولكن السم أوقف الله مفعوله، فكان يعوده كل عام في نفس الموعد حتى يجعله الله سبباً في نيل الشهادة، كما نال النبوة والرسالة، والصديقية أعطاه مقام الشهداء على يد الملاعين اليهود حتى نحمل كرههم وبغضهم إلى يوم القيامة.

وكان يوصي في وداعه الأخير يقول: الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، أوصيكم بالنساء خيراً، يخاف على أمته وعلى رسالته، ثم كان صلى الله عليه وسلم في لحظاته الأخيرة يضع يده في الماء ويمسح جبينه ويقول: اللهم أعني على كُرب الموت وسكراته، ومات صلى الله عليه وسلم وأخذ الصحابة يبكون كالأغنام تركها راعيها كي تلتهمها الذئاب، إنهم سينطلقون إلى الحياة، بلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيبلغون دعوة الله إلى العالمين.

أين جبريل الذي كان يقاتل معهم؟ أين الوحي الذي كان ينزل عليهم؟ أين كلام الله الذي يتردد عليهم بكرة وعشياً؟ أين محمد صلى الله عليه وسلم الذي إذا عطشوا تفجر الماء من بين يديه لكي يشربوا منه؟ وإذا جاعوا مسح على الضرع فضرّ حليباً يسقي جيشاً، وإذا سمعوا صيحة مرعبة كان يسبقهم إلى هذه الصيحة ليفديهم بروحه ونفسه، أين محمد صلى الله عليه وسلم؟ إنه قد مات، حتى كاد عمر أن يفقد عقله ويقول: واله ما مات، إنها غاشية كغاشية موسى، ثم يعود بعد أن يقابل الله ليقطع رقاب الكفار والمشركين، ويخرج سيفه، عند ذلك يأتي أبو بكر من عوالي المدينة، ويدخل عليه وهو مسجى وقد غُطي بقطيفة ويكشف عن وجهه ويقبله من بين عينيه، ويقول في ثبات كالجبال، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما أطيبك حياً وميتاً.