السبت 09-مايو-2026 - 22 ذو القعدة ، 1447
غفلة الناس
غفلة الناس
يقول الله جل ثناؤه: {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون. أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} (سورة يونس عليه السلام، الآية: 7 – 8).
وهذه الأمة تتحدث عن صنف من الناس نسأ الله أن لا نكون منهم، ولا نعرفهم، ولا يعرفوننا، ذكرت أسباب هذه الغفلة ونحن إذا وضعنا أيدينا على الأسباب ضمنا على الله النجاة، لأن الإنسان إذا عرف الداء وشخصه، أصبح وجود الدواء سهلاً، فالداء أين يكون؟
الآية تذكر عدة أدواء: {إن الذين لا يرجون لقاءنا}، الداء الأول.
أبغض شيء عنده هو لقاء الله، والموت الذي سيجعله يلتقي مع الله حتى إذا مر على القبور صدفة، حزن سائر اليوم، وتمنى لو أنهم لم يمر على هذه القبور، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، وعائشة تستفسر كلنا يكره الموت، قال صلى الله عليه وسلم: "ليس ذلك، ولكن العبد يعمل الصالحات ويحسن الظن بالله، فيشتاق إلى لقاء الله".
وهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما نزل عليه جبريل عليه السلام في مرضه مرض موته، يُخيره بين الخلود في الدنيا، وكنوزها، والجنة، أو لقاء الله والجنة، فقال: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى" (صحيح، رواه البخاري، باب آخر ما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم).
فالمرض الأول التي تذكره الآية لهؤلاء الغافلين أن معاصيهم تراكمت، فأصبحوا في وحشة بينهم وبين الله ولو أنك في عداء مع شخص فأنت لا تريد أن تراه أبداً.
{ورضوا بالحياة الدنيا}:
أصبح بينهم وبين الحياة الدنيا رضا متبادل راضين عليها، ولو كانت حياة الدون ولو كانت حياة الديدن في القيعان، فهم راضون عنها، وتجد بعض الناس يعيشون في الدنيا في قمة الانحطاط، ومع هذا هم راضون أشد الرضا بهذه الحياة.
زوج تيه، لزوجة كاسية عارية عاصية له، تخرج على هواها، وقد يعلم أن لها علاقة وتمارس الخيانة، ومن أجل الجاه ومنصب رضا بهذه الحياة والعار.
والقرآن يذكر هذا الصنف في عزيز مصر، عندما دخل وسمع السعار المنبعث من زوجته تجاه يوسف عليه السلام، تهيأت لك: {قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} (سورة يوسف عليه السلام، الآية: 23).
وما أكثر ما يفعل الصنف من الناس الغافل في المقامرة وفي السياحة... إلخ، قال العزيز أكثر ما فعله في هذه المرأة الفاسقة: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} (سورة يوسف عليه السلام، الآية: 29)، وكأن لم يحدث شيء فالله يقول: {ورضوا بالحياة الدنيا}، ولو كانت هذه الحياة منحطة.
{واطمأنوا بها}:
لكنه في قلق مستمر، ولكنه عندما يرى الرذيلة فضيلة هذا الانتكاس الرهيب لهذا، والذين يمارسون الرذيلة في أمريكا عندهم قلق بسبب انتشار الإيدز، لأنهم الرذيلة أصبحت عندهم فضيلة، وكما تقول ليلى السبعاوي في فلسفتها الماركسية: الأخلاق كثياب نلبسها متى شئنا، وننزعها متى شئنا، إنما يتحكم في أخلاقنا المصلحة، لهذا هنا الأخلاق ضبط وربط من أجل الدولار.
إذاً كان يأتي من الحشيش لا بأس، من الاستعمار يستعمر، يأتي من اللواط والزنا، يفعل ولا يبالي، فربه وخالقه الدولار، فهم في انتكاسة رهيبة أن مرحلة الاطمئنان بالدنيا قال: {واطمأنوا بها} النتيجة {والذين هم عن آياتنا غافلون}.
هذه الأدواء الثلاثة ولدت الغفلة للناس، فأصبحوا بعيدين عن الله واليوم الآخر والجزاء: {أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون}، لما قال الله يعملون، وإنما كلمة مكسب لأنهم يعتبرون الشهوة مكسباً، والمخدرات مكسباً، والرشوة مكسباً، كل هذا مكسب، الذي تظنه مكسباً وربحاً هو السبب في عذابك، كلمة سخرية واستهزاء لهم، هذه الآية تتكلم عن صورة من صور الغفلة عن قطيع من الناس يعيشون بهذه الغفلة الرهيبة، هذا الإنسان متى ينتبه من هذه الغفلة؟ هل سيظل هكذا إلى أن يلقى الله ينتبه يوم لا ينفع الانتباه؟
ويستيقظ يوم لم لا ينفع الاستيقاظ {حتى إذا جاء أحدهم الموت} (سورة المؤمنون: الآية: 99).
وهذه اليقظة والانتباه أكثر ما تولد عنده الحسرة والندم والشياطين من الإنس والجن هي التي غلفت حياته بغلاف الشهوات والغفلة وما أن أنتبه إلا في اللحظة الأخيرة يوم لا ينفع الانتباه، ولذلك قبل هذه الآيات: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. وأعوذ بك رب أن يحضرون} (سورة المؤمنون: الآيتان: 97 – 98).
وما أكثرهم في زماننا، ويأتيهم الموت ويتمنى العودة، ولكن مرت الفرصة حتى تغرغر الروح في الحنجرة انتهت الفرصة الآن.
والله عندما يذكر هذه الغفلة يبين أنها أنواع السابق هو نوع الكافرين، هناك نوع أقل من الكافر وهو المؤمن الذي يمر بين الحين والحين بغفلات، وهذه الغفلة هي نوع لا ينجو منه حتى الأنبياء والرسول، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول عنها: "وإن ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في المجلس الواحد سبعين مرة".
تمر عليه مرحلة ينسى ذكر الله تبارك وتعالى، لأنه بشر يصيبه ما يصيب البشر، والله عندما يذكر صنف المتقين ويحددهم بهذه الصفة.
إذن التقوى هي جهاز الإنذار واليقظة الذي يدفع الغفلة وينبهك، فماذا قال الله عنه: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} (سورة الأعراف، الآية: 201).
وهذا الطائف الشيطاني لا يأتي بمفرده إلا بسوء ذنب ومعصية لأن الذنب والمعصية لها ظلمة تحيط بالإنسان والطاعة لها نور تطرد الشيطان، لذلك عندما تعمل الطاعة الملائكة تستغفر لك فيغشاك النور: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} (سورة الأحزاب، الآية: 43)، أي من ظلمات الذنوب إلى نور الطاعة، لهذا الله سبحانه وتعالى أعطانا التقوى، وعلاج الغفلة.
فهي السيف المطلق على الضمير تعدل كل معوج، وهي العاصم من القواصم، واليقظة في لحظات الغفلة التي تنجيك من مصارع الغفلات ومواطن الفتن ما ظهر منها وما بطن، الإيمان بالتنزيل وعبادة الجليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
إذن علاج الغفلة هي تقوى الله، ثم بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنفاً من أصناف الغافلين: "لأعلمن أقواماً يأتون يوم القيامة بحسنات كأمثل جبال تهامة، بيضاء يجعلها الله هباء منثوراً، ألا إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، إير أنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها".
ثم بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم صنفاً من المتيقظين وهم أصحاب الإحسان، والمحسنين: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن تكن تراه فإنه يراك" (رواه البخاري)، وهي درجة المراقبة واليقظة عند الإنسان، وغفلة الغافلين بما نراه اليوم في زماننا هذا بما يسمى بقتل الوقت، والوقت هو الحياة، يعني حياتك الحقيقية في الآخرة.
أيها المسلم:
لا تجعل عدوك وعدو دينك يريدك أن لا تدخل الجنة عن طريق الغفلة، الشيطان يقطع علينا الطريق بالغفلة، وله في ذلك عشر محاولات... وأعظم محاولة هي الغفلة، وهي القمة بأن يأتيك الشيطان فيطلب منك إنكار وجود الله، فترفع شعار لا إله، والحياة مادة، ماركس وستالين، وهناك دول ومعسكرات ترفع هذا الشعار في أي غفلة هم؟ مع أن الواحد منهم لا يساوي جناح بعوضة.
بنت ستالين التي هربت إلى أمريكا تقول: لقد كنا لا نستطيع الاتصال به، وهو أبونا إلا أن يأذن الحزب، ولا يأذن إلا بعد أن يعقد المجلس الأعلى الشيوعي، حتى أنه يصيبه المرض، ونراه في الليل يتألم، والحرس يمنعونا من الوصول إليه، حتى اشتدت حالته فأذنوا لي أن أدخل عليه، فرأيت إنساناً يختنق بدمعه ويموت ببطء، ورأيت وجهه يزرق ويتجعّد، وعيونه تجحظ من مكانها، ويشير أمامه لشيء يريدنا أن نراه، فأنظر فلا أرى شيئاً، ثم بلغنا، ويقول: ألا تشاهدون ما أُشاهد؟ فهو يرى ملائكة العذاب، وهم لا يرونهم، تقول: فمات أبي موتاً معذباً بطيئاً، تقول: فعلمت أن الله لا يهب الموت المريح إلا للمؤمنين.
نعوذ بالله من الغفلة.