الخميس 03-أبريل-2025 - 5 شوّال ، 1446
غزوة احد

غزوة احد
وبين الماضي والحاضر زمن طويل، ولكن القرآن العظيم يختصر الزمان وينقلنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يعقد مجلس الشورى، يشاور أصحابه في معاركه، ولا يستبد، يستفيد منهم وهو المعصوم، يستشيرهم في معركة أحد كما استشارهم في بدر، فيجمع كبار الصحابة على أ، يتحصنوا في المدينة، فإذا دخل الكافرون عليهم قاتلوهم قتالاً مستميتاً، يشارك فيه النساء والأطفال، براجمات الحجارة، من فوق الدور، ويلتحم المجاهدون في الطرقات، في حرب شوارع حتى يفتح الله لهم.
ولكن الشباب المتحمس وهذه طبيعة الشباب، قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف لا تخرج إليهم وقد أتونا؟ هل نحن جبناء؟ فلنرى الخروج يا رسول الله، وسيرى الله منا ما لم يره في بدر، وكثير منهم لم يشهد بدراً، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يؤسس قاعدة الشورى لأمته، أن الأغلبية تريد الخروج للقتال، فتنازل عن رأيه صلى الله عليه وسلم وقد وافق وزيراه أبو بكر وعمر، وقام رئيس المنافقين عبدالله بن أُبي بن سلول يتشبث برأيه للقتال في المدينة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم حضرته جنازة فصلى عليها، ودخل بيته في يوم الجمعة، وخرج على المسلمين وإذا بمظهره الخارجي هو الجواب والقرار الأخير، والشباب قد تنازلوا عن رأيهم، وقالوا: لأننا أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتال، وإذا بهم يخرج عليهم في رأسه المغفر، ولامة الحرب، وقد لبس درعين وسيفه وكامل عدته، قالوا: يا رسول الل، كأننا أرغمناك على القتال، ترضى ما ترضى، قال: لا، ما كان ينبغي لنبي إذا لبس لامة الحرب أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، الأمة التي تتذبذب بعد اتخاذ القرار الأخير لقتال عدوها، وهو يأخذ أرضها، شبراً شبراً وقطعة قطعة، يهدر الدماء، ويسلب الأموال، ويهتك الأعراض، ما كان يعرف ذلك محمد صلى الله عليه وسلم، مع أنه يعلم نتيجة المعركة، وأنه سيكون بها ذبح، لأنه تلك الليلة رأى رؤية حق.
ويمضي صلى الله عليه وسلم يعبئ الصفوف، ونظر نظرة فاحصة لأرض المعركة، فرأى ثغراً، جبل الرماة خلف جيشه عليه 50 رامياً بقيادة عبدالله بن جبير، وعقد اجتماعاً معهم فقال: لا تغادروا مكانكم، لا تتركوا الجبل ولو تخطفتنا الطير، أشهد الله على ذلك، كل هذه التأكيدات، لكي يبين أن الأمر العسكري يختلف عن سائر الأوامر.
فارتقى الرماة على الجبل، بدأت المعركة حاسمة يتقدمها أبطال مسلمون، بقيادة محمد صلى الله عليه وسلم، حقق الله فيها نصراً مؤزراً، للمسلمين حتى اجتاحوا الكافرين، وعدد المقاتلين من المسلمين 725 مقاتلاً، والكفار 3000 مقاتل، وقد انهزم الكافرون، بقيادة ابن سلول، ورجع بثلث الجيش، ومع هذا حقق الله النصر للمسلمين، واجتاحوا معسكر الكافرين، وأخذت نساؤهم تصعد الصخور والجبال، وأخذ المسلمون في نهاية هذا النصر يجمعون الغنائم، وفي هذه اللحظة في بعض القلوب لا تكتمل التربية، هناك ثغر واحد في ميدان محمد صلى الله عليه وسلم اختلفوا فقالوا: انتهت المعركة، فلنجمع الغنائم.
قال لهم قائدهم عبدالله بن جبير: لا، وذكّرهم بالأمر العسكري النبوي، فعصوه، ونزلوا يجمعون الغنيمة، وخالد بن الوليد ومعه 200 فارس، والمسلمون 50 فارساً، خالد من بدأ المعركة، وهو يرى أن محمداً صلى الله عليه وسلم أعلم منه، يوم أن سد تلك الثغرة، فظل ينظر إليه حتى نزل الرماة، فلما تركوا، صعد إليه، وقتل الباقية، كما انحدر بكماشة بخياله خلف الجيش، وهو يجمع الغنائم، وإذا بخالد يحاصرهم من خلفهم، وتحول النصر إلى هزيمة.
وهنا بدأت البطولات الفردية تظهر، فهذا صلى الله عليه وسلم وهو في أزمة القتال، يمر عليه أُبي بن خلف وهو رئيس الكفار، كان يستهزئ بالرسول بمكة، يقول له: يا محمد: إن عندي حصان أُطعمه الذرة سأقتلك على ظهره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليه: بنفس الأسلوب: أنا سأقتلك على ظهره بإذن الله.
في مثل هذا الجو الصاخب، زخم القتال، صليل السيوف، وإذا به يلتفت يرى أُبي بن خلفن صاح بالقوم، يقول: عليّ تطايرنا منه، وجاء الرجل يشتد على حصانه وما أن اقترب فمد النبي صلى الله عليه وسلم الرح حتى دخل نصره في ترقوته، وفار الدم ثم سقط ميتاً، الوحيد الذي قتله صلى الله عليه وسلم، لأنه وعد، والأنبياء لا يخلفون الميعاد، واحتدم القتال حلو النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا التفت يميناً ترى أبا دُجانة "سماك بن خرشة" وعلى وجهه عصابة الموت الحمراء، وجاءت نُسيبة العامرية تضرب من أمامه صلى الله عليه وسلم ومن خلفه، وتدفع أبناءها وقالت: اللهم إني أسألك رفقتك في الجنة، قال: اللهم اجعلها رفيقتي في الجنة، وجاء كعب بن مالك والناس يقولون: قُتل رسول الله، فنظر فوجد عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرقا، بكل حيوية، وشجاعة، قال: أبشروا لم يقتل النبي، قال صلى الله عليه وسلم حتى لا يعلم الكفار موقعه، ثم بعد ذلك جاء وحشي الذي أمره جُبير بن مطعم أن يقتل حمزة ثم يعتقه لأنه عبد، يقول: فأخذت أتحرى حمزة وهو يهد الكافرين هداً، حتى جاءه سباع بن عبدالعزى فضرب رأسه كأنه أخطأه وإذا رأسه مقوص فضربته بالحربة في أحشائه فخرجت من بين رجليه، فالتأم على الجرح وجاءني يجري ولكنه سقط ومات وأخذت الحربة وذهبت إلى الخيمة ودارت معركة رهيبة ظهرت فيها البطولات العظيمة، بطولات كبيرة مصعب بن عمير يستشهد على العلم وهو يحمله، والصحابة يضربون على النبي سبعة من الأنصار يستشهدون وذلك الرجل يمر أنس بن النضر مالكم أنتم قاعدون؟ قالوا: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأجد ريح الجنة دون أحد، ثم قاتل حتى استشهد، فلم تعرفه إلا أخته ببنانه أو شامة في جسده.
أحبائي في الله:
تدبروا كثيراً وتفكروا واربطوا بين الماضي والحاضر... وسلطوا أنوار الماضي على ظلمات الحاضر، لتكشف لكم الزيف والخداع والعمالة والخونة، ولن يكون النصر إلا بعد أن نطيع الله، ونطيع الرسول صلى الله عليه وسلم، ما شفع للمسلمين في أحد؟، ما شفع لهم من الهزيمة والقتل، إن كان من بينهم خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم، ما شفع لهم من القتل والهزيمة، إن كان من بينهم عمر الفاروق وأبو بكر الصديق، ما شفع لهم أبداً إن كان من بينهم خير القرون من المهاجرين والأنصار، نزلت بهم الهزيمة، ونزل بهم القتل.
ماذا نقول الآن وليس من بيننا عمر ولا أبو بكر ولا الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحن نعصي الله، ونأكل الربا، في الليل والنهار، أكثر من ثلاثين عاماً يصبر الله علينا صبراً لم يصبره أحد، ونحن نحاربه بالربا، ثم نريد أن ننتصر على عدو؟ كيف ينتصر مسلم أعلن الحرب علانية يوم أن أصر على الربا.
كيف ننتصر على عدونا والصحابة خالفوا مخلفة واحدة فما شفع لهم خُلص الناس، لا نصر إلا بعد أن ننصر الله.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله، العاصم من القواصم، اتلو عليكم آيات نزلت في غزوة أحد، تدبرونها، وتفكرونها فيها: {وإذا غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عيم} (آل عمران: 121).
إذن من أول المعركة الله سميع عليم، وفي كل المعارك من أطاعه نصره، ومن عصاه خزله، لأنه سميع عليم: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ (124) بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) } (آل عمران: 122 – 127).
الله هو الذي يقطع طرفاً من الذين كفروا أسقط المجاهدون في كل مكان جيوش الكفار من نصر الله نصره الله، {أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} (آل عمران: 128).
سبحانه أو يتوب عليهم تاب على خالد، وعلى عمرو بن العاص، وعلى عكرمة بن أبي جهل، وعلى أبي سفيان وعلى زوجته، وزوجة عمرو بن العاص، وعلى زوجة عكرمة بن أبي جهل، وعلى معظم الذين قاتلوا في أحد، تاب الله عليهم وشرح صدورهم للإسلام والإيمان، وكانوا أبطالاً في الفتوحات الإسلامية من يعطي مثل الله، من يرحم مثل الله {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} (الأنفال: 38)، فما لنا إلا ربنا، الوقت لا يتسع أن أقرأ عليكم من ذلك، فما ذكرت منها شيء، وما هو إلا سرد تاريخي ولكن في ثنياه العبر والحكم والدروس التي يجب أن نضع واقعنا عليها، درساً نفصله لتشفى أمراضنا، وليحقق الله فينا وعده ونصره.
أختم الخطبة الثانية بهذه الآيات التي أدخلها الله في خضم المعركة، وصليل السيوف، وصراخ الأطفال، إن الله دخل موضوع الربا وكأنه يقول: إن الذين يأكلون الربا مصيرهم طال الزمان أو قصر الهزائم والحروب، والآيات التي نزلت في غزوة أحد {ولله ما في السموات وما في الأرض} (آل عمران: 128)، {لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة} (آل عمران: 129)، {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} (آل عمران: 132).
طاعة الله ورسوله في الشعائر التعبدية في الزكاة في السلوك والأخلاق في كل حركة وسكنة، نزلت في هزيمة أُحد وكأن الله يقول: إن بعض العلائق التي مت بينكم وبين اليهود والمرابين في المدينة فحول النصر إلى الهزيمة.
انتبهوا لهذه المعاني، وأرجو أن تقرؤوا هذه السور عندما تعودوا إلى بيوتكم، الآيات من سورة الأنفال وآل عمران، إلى آخر الآيات التي نزلت في غزوة أحد.