الأربعاء 01-أبريل-2026 - 13 شوّال ، 1447
خروج الروح
خروج الروح
اللهم كما صُنت وجوهنا ألا نسجد لأحد غيرك، فصن أيدينا أن تمتد لأحد سواك، وأسألك اللهم يا معلم آدم وإبراهيم أن تعلمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، ويا مؤتي لقمان الحكمة آتنا الحكمة، وفصل الخطاب.
نسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه على منابر من نور يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فمحصوا قلوبكم قبل لقاء ربكم، فكونوا للمسلمين هينين لينين، سهلين، مبشرين، ميسرين، وإذا جئتم إلى مضاجعكم فقولوا اللهم أيما عبد أو أمة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ظلمنا فقد عفونا عنه وتركناها له، فكما عفونا فاعفُ وتجاوزنا فتجاوز، سماحنا فسامح فأنت أجود وأكرم بيننا وبينك ذنوب لا يعلمها إلا أنت، فكما غفرنا لعبادك فاغفر لنا يا رب العالمين.
واحذروا من احتقار المسلمين، أو الحقد، أو الحسد، أو الغل، بل كونوا للمسلمين كما تكون الأم لأولادها، هذا تفسير الصحابة لقوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} (سورة الفتح، الآية: 29)، كرحمة الأم بأولادها.
يعني الأولاد فهمهما خربوا وكسروا ودمروا ماذا نفعل بهم؟ الأم تهذبهم وتربيهم وتحبهم وتنظفهم، وتغذيهم، وتنشفهم، وتطيبهم، وهكذا كونوا للمسلمين، قوى تقعد تخاصم يوم القيامة يا مسكين، أليس أولى بك أن تنطوي تحت لواء العدل: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} (سورة الشورى، الآية: 40).
شعار الأنبياء في ذلك اليوم اللهم سلم نفسي نفسي، فمن تخاصم المستأمن بذكر الله لا يخاصم يكون للمسلمين كالأرض الزلول يطأها الكبير والصغير، وكالسحاب يظل البعيد والقريب، وكالمطر يسقي من يحب ومن لا يحب.
لا يخاصم في حظوظ نفسه، ولا ينتصر لها وهل هناك أعظم من أن يقوم يهودي ابن يهودية اسمه لبيد بن الأعسر الساحر، فيسحر الحبيب صلى الله عليه وسلم في بشريته، فيعزله عن زوجاته ستة أشهر، ونزل الوحي يخبره أنه مسحور في الجانب البشري، وليس في الجانب التشريعي، وأعطاه العلاج ليفك عن حبيبه السحر اليهودي، فذهب وأخرجه من البئر وأبطله، وعلم فاعله فعفا عنه صلى الله عليه وسلم، أرأيتم القلوب الكبيرة، نحن لا نقول لك اعفو عن يهودي ساحر، نقول لك: اعفو عن مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ومن دعاء الحبيب صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من التردي والهرم وسوء الكبر، والغرق والحرق والردم، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً وأعوذ بك أن أموت لديغاً، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عن الموت".
وهذه أشده عندما يقترب الأجل وتأتي اللحظة الحاسمة وتنزل ملائكة الرحمة أو العذاب وينزل ملك الموت ويفزع الإنسان، فهو يتنازعه الحزن والخوف معاً...
الحزن على ما خلف من خلفه أم باكية وأولاداً يتامى، وأرحاماً ستنقطع، وآمالاً لم تحقق، ومستقبلاً مجهولاً، لا يدري ماذا سيحدث لهم فيه، وبين خوف مما هو آت، لا يدري أين سيكون مصيره، أيسلب الإيمان منه في هذه اللحظة أم سيموت موحداً.
والإنسان منا إذا أُصيب بصداع ومشكلة الدوام يكاد أن يفقد عقله لا يطيق أهله ولا يطيق ولده، ولا الناس أجمعين، وهو مجرد صداع فكيف إذا دنت لحظة قبض الروح؟ وأن يتحول الجسد كله إلى موت، فكيف يكون حال الإنسان؟ لهذا كان هذا الدعاء: وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ويوصيه ربه في القرآن: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. وأعوذ بك ربك أن يحضرون} (سورة المؤمنون، الآيات: 97 – 98)، إذا لهم همزات ولهم حضور....
يقول صلى الله عليه وسلم: "استعينوا بالله من فتنة المحيا والممات، منذ أو أوصى بها إلى أن مات يستعيذ من أربع: "من الدجال، وفتنة المحيا وفتنة الممات، وعذاب القبر، ويستعيذ من النار، ويسأل الله الجنة، فمن استعاذ من النار، قالت النار: اللهم أعذه مني، ومن سأل الله الجنة سالت الجنة أن يكون من أهلها...".
في هذه اللحظة الحاسمة والعبد عينه تدر وبه سكرات الموت، وكرباته والناس من حوله يراهم مرة ويغيبون عن بصره مرات، ويرى أحدهم يصغر في عينه حتى يكاد يكون كالنملة، ثم يراه يكبر حتى يكاد يملأ الغرفة يراهم شفاهم تتحرك ولا يسمع صوتاً ولا يسمع إلا أصواتاً كطرق الطبول في أذنيه، يريد أن يحرك شفة عن شفة فكأنما يزحزح جبل عن جبل، ويرى دبيباً في أطراف أصابعه، وبرداً عجيباً أشد من برد الثلج في الزمهرير يزحف قليلاً يأخذه من أصابع رجله وهنا يرى أمامه خلقاً من خلق الله ما كان يراهم من قبل في هذه اللحظة وملك الموت ينتظر اللحظة التي كتبها الله لا تزيد ثانية ولا تنقص ثانية، والإنسان في هذه اللحظة قلبه في رعب، وروحه تخفق، وأنفاسه تتردد، ووجهه يزرق، وشفته تسد، وتبدأ خلايا بدنه تبرد، وعروقه تخفق، وتلتصق تحت الجلد، ويبأ الجلد يتغير لونه، وتبدأ وجنتاه تغوران، وعظام الجنتين يبرزان، والعينان تجفان، ويبدأ العرق يتصبب من جبينه.
هنا يرى أمامه شياطين يسميهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفاتنات، كان يرصدونه طول عمره، إن كان صالحاً لا يقدرون عليه إلا بطائف يطوف أو خاطرة تخطر أو فكرة أو لمم من الذنوب، فإن تمكنوا في أقصى جهدهم لم بكبيرة فوفقه الله لتوبة فغفرها له.
ولكنه الآن ليس في قوته، لقد كان في الماضي الصلاة إلى الصلاة، كفارة لما بينهما، العمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهما، الحج إلى الحج كفارة لما بينهما، الدعاء في ظهر الغيب، صدقة، تطفئ غضب الرب، الآن انتهى كل شيء.
وتبدأ هذه الفاتنات تتخطى أمامه بأشكال وأشباح حتى يبلغ من الفزع منتهاها، ويريد أن يتعلق كالغريق بين أمواج سوداء متلاطم يحس بينهما بالاختناق عند القاع، ومرة تفرج عنه فتأتيه نسمة من هواء ثم يعود بعد ذلك في الظلمات، وفي هذا الجو الصاخب المرعب فجأة يتم سكون ويظهر عن يمينه والده، هادئ البال، قد تجمل وتكمل، والإنسان في هذا الظرف في أمسّ الحاجة لقوة يلتجئ إليها فكيف وإن رأى أباه.
الذي فات ومات، والآن يزوره من عالم الأموات... من أبي!! أين أنت... ألا ترى ما حولي يريدون فتنتي... الحمد لله الذي جاء بك استنقذني يا والدي، لا تتركني لهؤلاء الشياطين، فيقول: أي بُني... عرفتني، أنا أبوك... أليس طاعتي عليك واجبة، بلى يا أبي، إني قد جئتك من عالم السماء جئتك ناصحاً أميناً، لقد رأيت بعد الموت الحق، وكنت عنه غافلاً، أي بُني خذ وصية والد حنون.... احذر أن تموت على الإسلام.. فإن الإسلام دين باطل، مت يهودياً، أو مت نصرانياً فهو خير الأديان.
هاه... ماذا تقول يا أبتاه... أموت يهودياً أو أموت نصرانياً، ومحمد والقرآن والإسلام، والصيام... والصلاة.... ماذا أفعل؟
إذا أردت النار فمت مسلماً وأنا أعلم منك بالنار والجنة، أنا جئتك من عالم الأرواح والسماء، أنا أبوك، أتعق أباك وأنت في آخر لحظة من حياتك؟ تريد أن تختم عمرك بمعصية وربك يوصيك بطاعتي، ألا تطيعني، أطيعك يا ولدي... مت يهودياً.
وفجأة وإذا به يحس بمسحة من حنان... أمي من أين جئت، جئتك من عالم السماء، أسمع لأبيك يا ولدي، إن الدين اليهودي هو الدي الحق، وما علمنا ذلك إلا بعد الموت، يلتفت يميناً فيجد أباه بنظراته الهادئة، ويلتفت شمالاً فيجد أ/ه، فإذا بدأ هنا يتردد من التقدم والتأخر بين الطاعة والمعصية بين أن يموت على لا إله إلا الله أو على الصليب والتلمود.
هنا تهبط الملائكة من السماء فيفر كل من حوله تتقافذ الشياطين ويختفي والده وتختفي أمه ويرى أمامه رجالاً ثيابهم بيض ووجوههم بيض، رائحتهم طيبة، يشرق النور من وجوههم يقولون: أي عبد الله لا تخف، ولا تحزن، إنا معك ستموت على الإسلام، إن أباك هذا شيطان تمثل بصورة أبيك، يريد أن يفتنك، وأمك هذه شيطانة جنية تمثلت بأمك تريد أن تفتنك، لقد استنقذك عملك الصالح شعفت لك الصلاة، شفع لك القرآن، شفعت لك حملة العرش، شفع لك كفالة اليتيم، شفع لك دمعة في قيام رمضان.
فيبدأ يسكن قلبه وتهدأ روحه ويبدأ تعود له الذاكرة قليلاً ليتذكر أعظم ما ابتدأ به، حتى ينتهي به توحيد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ۞} (سورة إبراهيم، الآية: 27)
{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)} (سورة فصلت، الآيات: 30 – 33).
ويموت على التوحيد....
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102)} (سورة آل عمران، الآية: 102).
أيها المسلمون:
الحذر، الحذر من هذه اللحظة، السابقون من الرعيل الأول كانوا يبكون منها، كلمة تذكروها، ابن عمر يقول: إنها القاسمة الظهر، ورب الكعبة، لا أدري بما سيختم لي، إنما الأعمال بخواتيمها.
وسفيان الثوري رحمه الله وهو يحتضر يبكي فيقول له: لقد كنت تنشر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت فعلت كذا، قال: اسكتوا، إن الذي يعطي الإيمان قادر على أن يسلبه.
يعطي يأخذه وأخافوا أن يسلبني الإيمان الآن.
الإمام أحمد بن حنبل ظلت الشياطين ترصده فعجزت، حتى جاءت اللحظة الأخيرة ودنا أجله، فجاءه الشيطان حزيناً كئيباً يقول له: يا أحمد لقد فتني، وأحمد يقول له: لا، لا، قال فتني، قال: لا بُعدك وأولاده حوله يقولون له: يا أبتاه قل لا إله إلا الله، وهم لا يسمعون، الشيطان يكلمه وأبوهم إمام أهل السنة المجدد في الدين المطيع لرب العالمين، الذي عُذب في الله وصبر في الله، ونجح في الامتحان، أولاده يقولون له: قل لا إله إلا الله، والشيطان يقول له: فتني يا أحمد، أخ ما قدرت عليك، يريده أن يزكي نفسه في اللحظة الأخيرة، فيحبط عمله، فإذا قال الإمام أحمد: نعم فتك، ما قدرت علي زكى نفسه.
الشيطان يقول له: فتني، الإمام يقول: لا بعد ما دمت أنا في الدنيا لا أعلم نهايتي على الإيمان أم على الكفران.
الأمر إلى مشيئة الله لا إلى مشيئتك أنت أيها الشيطان، لا عندك علم ولا أنا عندي علم، بالنهاية، قال: أقول لك: فتني يقول ل، وأولاده يقولون له: يا أبتاه قل لا إله إلا الله، يقول: لا بعد إلى أن أفاق مرة ثانية، فقال له أولاده: يا أبتاه نقول لك قل لا إله إلا الله وأنت تقول لا، أقول ذلك للشيطان، ذلك الشيطان يقول لي فتني يا أحمد، فقلت له: لا، ثم أخذته غاشية الموت مرة ثانية فانصرف الشيطان ونزلت الملائكة.
فقال له أولاده وهو يحتضر: يا أبتاه، قل لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وفاضت روحه إلى الله.
وهذا الإمام أحمد، وهذا الإمام ابن القيم رحمه الله، يقول: إن من داوم على الطاعة كانت بريداً له للموت على التوحيد والإسلام، ومن داوم على المعاصي والسيئات كانت طريقاً له لموت على الكفر والعصيان: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124)} (سورة طه، الآية: 124).