الخميس 09-أبريل-2026 - 21 شوّال ، 1447
الموت
الموت
أيها الكرام البررة، يقول الحق تبارك وتعالى: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} (سورة ق، الآية: 19).
جاءت بالحق، والحق أنك تموت، والله حي لا يموت.
جاءت بالحق، والحق أنك ترى ملائكة الرحمة، أو ترى ملائكة العذاب.
وجاءت بالحق، والحق إما قبرك روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران.
وجاءت بالحق {ذلك ما كنت منه تحيد}.
تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، تحيد إلى الطعام، إذا أحسست بالجوع، تحيد إلى الشراب إذا شعرت بالظمأ. ثم ماذا؟
أيها القوي الفتي، أيها الذكي العبقري، أيها الكبير، ويا أيها الصغير، أيها الأمير، ويا أيها الوزير، وجاءت سكرة الموت بالحق، {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}، قال صلى الله عليه وسلم: "أكثروا من ذكر هادم اللذات" (رواه الترمذي رقم 2308 في الزهد، والنسائي 4/4 في الجنائز، وهو في صحيح الجامع.
قال رجل من الأنصار: يا نبي الله: من أكيس الناس وأحزم الناس، قال صلى الله عليه وسلم: "أكثرهم ذكراً للموت، وأكثرهم استعداداً للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة" (رواه الطبراني).
مات رجل، فجعل الناس يثنون عليه يمدحونه، فقال صلى الله عليه وسلم: "هل كان يكثر ذكر الموت؟ قالوا: لا، قال: هل كان يضع كثيراً مما يشتهي، قالوا: لا، قال: ما بلغ صاحبكم كثيراً مما تذهبون إليه" (رواه الطبراني بإسناد حسن).
وعن البراء رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بلى الثرى ثم قال وهو ينظر إلى حفرة القبر: لمثل هذا فأعدوا يا إخواني لمثل هذا فأعدوا وظل يكررها عليهم" (رواه ابن ماجه بإسناد حسن).
وعن معاذ رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أوصني قال: "اعبد الله كأنك تراه واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجانبها حسنة، السر بالسر والعلانية بالعلانية" (رواه الطبراني بإسناد جيد).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، فقلت: يا نبي الله أكراهية الموت، فكلنا يكره الموت، قال صلى الله عليه وسلم: "ليس ذلك ولكن المؤمن إذا بُشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وآية الكافر إذا بُشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله فكره الله لقاءه" (متفق عليه).
قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} (سورة آل عمران، الآية: 185).
وقال تعالى: {أفرأيت إن متعناهم سنين. ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} (سورة الشعراء، الآيات: 205 – 207).
قال صلى الله عليه وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" (رواه ابن ماجه والترمذي بإسناد حسن).
وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون. ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} (سورة الأنعام، الآيات: 93 – 94).
هكذا تقبض روح الكافر وهكذا يقال لها عند قبضها... فيا أيها اللاهي الساهي إلى متى؟ أما ترى الشيب في شعرك مرة زهرة عمرك، تب إلى الله قبل فوات الأوان...
دعْ عنك ما قد فات في زمن الصبا
واذكر ذنوبك وابكها يا مذنبُ
لم ينسه الملكان حين نسيته
بل أثبتاه وأنت لاه تلعبُ
والروح منك وديعةٌ أُدعتها
ستردها بالرغم منك وتسلبُ
وغرور دنياك التي تسعى لها
دار حقيقتها متاع يذهبُ
الليل فاعلم والنهار كلاهما
أنفاسنا فيهما تُعد وتُحسبُ
عن أبي هرير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حضر المؤمن" (احتضر للموت) "أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون أخرجي راضية مرضياً عنك إلى روح من الله وريحان ورب غير غضبان فتخرجُ كأطيب من ريح المسك حتى لينولوها بعضهم البعض حتى يأتون أبواب السماء فيقولون ما أطيب الريح التي جاءتكم من الأرض فيأتون بها أرواح المؤمنين فهم أشد فرحاً من أحدكم من غائبه يقدم عليه".
أرواح المؤمنين في عليين تفرح وتتبشر إذا جاءتها الروح المؤمنة أشد من فرحة المسافر الغائب إذا رجع إلى أهله فيسألونه "أرواح المؤمنين" تسأل القادم؟ ماذا فعل فلان يسألونه عن شخص كان بينهم ظاهره الإيمان، وباطنه الشقاق والنفاق.
الغيب لله، يرونه راكعاً ساجداً، فلما جاءت الروح سألوها عنه ماذا فعل فلان؟ فيقولون: "ملائكة الرحمة" دعوه فإنه في غم الدنيا، دعوه يرتاح، لأنها جاءت من غم الدنيا، ثم اسألوها بعد ذلك ملائكة الرحمة تدافع عن الروح المؤمنة.
فتقول الروح المؤمنة – لقد مات ما أتاكم؟ قالوا: "الملائكة" ذُهب به إلى أمه الهاوية إلى النار...
وإن الكافر إذا حُضر "جاءه الموت" جاءته ملائكة العذاب بمسح من النار فيقولون: أخرجي أيتها الروح الخبيثة ساخطة مسخوطاً عليك إلى عذاب الله عز وجل، فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتون به باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الريح حتى يأتون به أرواح الكافر". (رواه النسائي بإسناد حسن).
وصدق ربنا القائل: {ليميز الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} (سورة الأنفال، الآية: 37).
وقال: {يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي} (سورة الفجر، الآيات: 27 – 30).
وقال: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون. لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} (سورة المؤمنون، الآيات: 99 – 100).
أرأيتم الكافر اللئيم {رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً}. حتى في لحظات الموت فهو غير متأكد إن كان يعمل صالحاً أم لا.
{فيما تركت}، ماذا تركت يا ظالم؟
أموالاً نهبتها من الحرام والربا والرشوة.
تركت زوجة وبنات وأبناء لم يسجدوا لله سجدة واحدة.
تركت تدمير الأسرة المسلمة.
يأتيه الجواب كالقنبلة تقذف في وجهه {كلا إنها كلمة}، هواء تافه حقيره لا وزن لها، لا قيمة لها، ولا حقيقة لها، ولا يجيبها الله.
أيها المسلم: اصبر، الدنيا سجن المؤمن، لحظات، ساعات، أيام، سنون، كالحلم، ثم يفرج عنك إلى جنة عرضها السموات والأرض.
اصبر لمر حوادث الدهر
فلا تحمدن مغبة الصبر
وامهج لنفسك قبل مماتها
وادخر ليوم تفاض لزخر
فكأن أهلك قد دعوك
ولم تسمع وأنت محشرج الصدر
وكأنهم قد عطروك
بما يتزود الهلكى من العطر
وكأنهم قد قلبوك
على ظهر السرير وظلمة القبر
يا ليت شعري كيف أنت؟
على ظهر السرير وأنت لا تدري
يا ليت شعري كيف أنت؟
إذا غُسلت بالكافور والسدر
أوليت شعري وما قولي
إذا وضع الحساب صبيحة الحشري
أن لا أكون فقدت رشدي
أم أقبلت ما استدبرت من أمري
يا سوءتاً مما اكتسبتوا
ويا أسفاً على ما فات من عمري
أما سعمت الداعي يناديك: تدخل المقبرة كل يوم حاملاً، وغداً تدخلها محمولاً، واليوم تدخل وتخرج، وغداً تدخل ولا تخرج، إلا يوم الدين.
أيا من يدعى الفهم
إلى كم يا أخي الوهم
تتبع الذنب بالذنب
وتخطئ الخطأ الجم
أما بان لك العيب
أما أنذرك الشيب
وما في نصحه ريب
أما نادى بك الموت
أما سمعت الصوت
أما تخشى من الفوت
فتحطات وتهتم
فكم تسير في السهو
وتختال من الزهو
وتنفض إلى اللهو
كأن الموت ما عم
كأني بك تنحط
وتسعى في هوى النفس
فتحتال على الفلس
وتنسى ظلمة الرمس
ولا تذكر ما تم
كأني بك تنحط
إلى اللحد وتتغظ
وقد أسلمك الرهط
إلى أضيق من سم
هناك الجسم ممدود
ليستأكله الدود
إلى أن ينخر العود
ويمسي العظم قد رم
فذود نفسك الخير
ودع ما يعقب الضير
وهيئ مركب السير
وخفف من لُجة اليم
لذا أوصيك يا صاح
وقد بحتك من باح
فطوبى لفتى راح
بآداب محمد يأتم
والله يقول: {كلا إذا بلغت التراقي. وقيل من راق. وظن أنه الفراق. والتفت الساق بالساق. إلى ربك يومئذ المساق} (سورة القيامة، الآيات: 26 – 30).
وفتح الملف وإذا به: {فلا صدق ولا صلى. ولكن كذب وتولى} (سورة القيامة، الآيات: 31 – 32).
اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، اللهم رحمتك نسأل، يا أرحم الراحمين.