الأحد 24-مايو-2026 - 7 ذو الحجة ، 1447

القبر

القبر

يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الموتى يُعذبون في قبورهم حتى أن البهائم لتسمع أصواتهم، هذا حديث حسن يخبر صلى الله عليه وسلم عنه ويقول: إنكم لتفتنون في قبوركم قريباً من فتنة الدجال، حديث صحيح، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدفنوا لدعوة الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه" نعوذ بالله من فتنة القبر، فقال الصحابة: نعوذ بالله من عذاب القبر، ثم قال: "تعوذ بالله من فتنة وعذاب القبر"، فتعوذوا ثم قال: "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن"، فقالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: "تعوذوا بالله من النار"، قالوا: نعوذ بالله من النار، قال: "تعوذوا بالله من فتنة الدجال"، قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال. (حديث صحيح).

وجاءت امرأة يهودية قرعت الباب على السيدة عائشة رضي الله عنها (عائشة "9 ق هـ - 58)، هي عائشة الصديقة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، أم المؤمنين، وأفقه نساء المسلمين، كانت أديبة عالمة، كنيت بأم عبدالله ، لها خطب ومواقف، وكان أكابر الصحابة، يراجعونها في أمور الدين). وقالت أعاذك الله من عذاب القبر، أعطيني مما أعطاك الله، فاستمهلتها حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته ما قالت العجوز، فقال: نعم، نعوذ بالله من عذاب القبر، إن عذاب القبر لحق، تقول السيدة عائشة: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا ويستعيذ من عذاب القبر. (رواه البخاري: 1372، في الجنائز، باب عذاب القبر، ومسلم: 584).

أيها المسلمون:

هل تذكرون الموت وسكراته، هل تذكرون القبر وعذابه، القبر ذلك المكان البعيد، المكان المنسي، المكان المهجور، الذي ألهتنا الدنيا عنه، فلم نذكره إلا في اللحظات الأخيرة، وانطمست ذكراه من نفوس الناس حتى إنك تراهم يشيعون المجنوز ويدفنونه في لحده ويهيلون عليه التراب وهم يتضاحكون فيما بينهم، ويشربون السجائر على قبره، ومنهم من يُنكت وهو صاف يعزي أهله، ومنهم من يبيع ويشتري.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكرنا الآخرة". (رواه ابن ماجه، بإسناد صحيح، من حديث ابن مسعود رضي الله عنهما).

فأصبحت القبور وأصبح عذاب القبر وأصبح الموت لا يذكر الناس بالآخرة، بل دخولهم المقبرة كدخولهم أي سوق قست القلوب، وجفت العيون، وأصبح الناس في هم الدنيا، ونسوا همّ الآخرة، فطمس الله قلوبهم، والعياذ بالله.

والرسول صلى الله عليه وسلم يمر على قبور ستة فيسمع عذابها، وتجفل فيها بغاته "بغلته" حتى تكاد أن تلقيه على الأرض، فيقول صلى الله عليه وسلم لمن حوله: من يعرف أصحاب هذه القبول؟ فيقول أحد الصحابة: إنهم ستة من المشركين ماتوا على الشرك، فقال: "إن هذه الأمة لتعذب في قبرها". (رواه مسلم: حديث زيد بن ثابت، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار، وهذا الحديث).

ومر صلى الله عليه وسلم على قبرين، فسمع صياحهما وهم يعذبان، فنزل صلى الله عليه وسم وقال: "إنهما يعذبان وما يعذبان في كبيرة (في مفهوم الناس ليس بالعظيم)، أما أحدهما فيسعى بين الناس بالنميمة، وأما الآخر فلا يستتر من بوله ولا يستبرئ من البول". (رواه البخاري ومسلم: حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم).

أرأيت سبب عذاب القبر، السعي بين الناس بالنميمة، ينقل كلام هذا إلى هذا، لكي يُفسد ذات بينهم، ويحطم الأسر، ويفرق الأصحاب، ويوغل القلوب، ويدمر المجتمع بواسطة الكلمة المنقولة، والأشعة المجرمة، وبواسطة الفتنة التي ينقلها بلسانه، هذه النميمة.

المسلم غافل لا يعلم ما يقال خلفه، فيأتيه هذا يحملها على لسانه ويديه ويقدمها له جاهزة، فيأتي الشيطان فينفخ فيها فتتقطع الأرحام، وتنفصم الصلات يحل الشر مكان الخير، وتتدمر الأمة بسبب هذا العنصر الخبيث الساعي بالنميمة، فكان جزاؤه إذا أشعل النار بين المجتمع والأسر والأشخاص والأفراد، وجعلها حرباً مستعرة فيما بينهم بسبب نميمته، أشعل الله عليه قبره ناراً، لأن الجزاء من جنس العمل، وهذا الذي لا يستبرئ من بوله الذي لا يحب النظافة، الذي لا يطهر ثوبه، لكي يستقبل ربه في صلاته طاهراً، هذا الذي لا يستتر من الناس وهو يفعل هذه الفعلة، والذي لا يستبرئ من النجاسة ديننا دين النظافة والطهارة، جزاؤه أن يعذب في القبر لأنه كان قدوة سيئة أمام المسلمين... فأشعل الله عليه ناراً، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لأن هذين الشخصين مسلمان، كان رحيماً بهما: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (سورة الأنبياء، الآية: 107).

أمر صلى الله عليه وسلم بإحضار جريدة نخل رطبة ثم شقها نصفين وغرس كل واحدة منهما على قبر واحد من هذين الرجلين، ثم قال: عسى أن يخفف عنهما ما لم ييبسا" ما دام هذا الجريد رطباً أخضراً، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نفعهما به وذلك من رحمته صلى الله عليه وسلم.

ومن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم إذ أخبرنا بسبب العذاب وهو النميمة والنجاسة، وأخبرنا أيضاً أنهما يعذبان حتى نأخذ حذرنا، ثم لم يتركهما صلى الله عليه وسلم هكذا يُعذبان، ولكن خفف عنهما لحظة من اللحظات ثم يُعذبان.

أيها المسلم:

توهم نفسك وقد نزل بك ملك الموت تراه واقفاً عند رأسك، وترى ملائكة العذاب أو ملائكة الرحمة أمام عينيك ماذا ستقول؟ ماذا ستفعل؟ تخيل نفسك بعد لحظات ستكون أنت المسجى على فراش الموت، ماذا تقول لملك الموت؟ وهو يناديك:

أيتها الروح الطيبة: أخرجي إلى رب غير غضبان إلى روح وريحان، فتنزل روحك كما تنزل القطرة من فم السقاء.

أو أيتها الروح الخبيثة: أخرجي إلى غضب من الله ولعنة، فتفزع الروح وتتشعب في الجسم، فينتزعها كما تنتزع الشوكة من الصوب الرطب.

ماذا ستفعل في هذه اللحظة؟ من سينفعك؟ من سيحميك؟ من سيدافع عنك؟، ليس لك إلا الله، ليس لك إلا عملك الصالح والخير والبر، والله في هذه اللحظة ستنسى أموالك وقصورك وأولادك وأصحابك، وكل من حولك، ولا تذكر إلا حسنة تكون بمثقال ذرة، أو ابتسامة صادقة ابتسمتها في وجه مسلم، أو مسحة رأس يتيم، أو مالاً أخرجته سراً في سبيل الله أنفقته بيمينك ما لم تعلم به شمالك، أو دمعة في حجم رأس الذبابة وقفت بها أمام الله في الليل تناجيه، فسالت على خدك والله في الجوف الأخير من الليل يقول:

"هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، أنا الملك أنا الملك أنا الملك"، في سكرات موتك، وفي كربات نزعك، تجد هذه الدمعة تضيء لك الطريق، وتسوقك إلى أرحم الراحمين، إلى قبر فيه جنات الخلود، ويمتد إليك مد البصر.

أخي المسلم:

توهّم نفسك وأنت مسجى على فراش الموت، كيف أنت لو وضع الحساب صبيحة الحشر؟ الحساب يوم أن يناديك قيوم السموات والأرض، وتجد قبرك فوق رأسك، بدأ التراب يتزحزح، وبدأ ينهال عليك، وبدأت ترى نفسك تتخلق من عجب الذنب تنتشر أطرافك، وتمتد أعضاؤك، وبدأ القبر يتسع، أو يضيق، وبدأ إسرافيل ينفخ للنشور، وبدأ القبر ينشق، فترى أمام أهوال يوم القيامة، نجوم تدمر، وأفلاك تذهب، سموات تتفجر، بحار تتفجر، أرض تتدحرج، جبال تنسف، خلائق تسعى من الإنس والجن والطير والوحش، يحشرهم الله في أرض المحشر، فتراهم يموج بعضهم في بعض، تبحث لك عن موطئ قدم تجدها، من سيكون معك في هذه اللحظة؟

هل سألت نفسك: هل أنت المدفون الأول أم المدفون الثاني؟ أم العاشر؟ فلعل أُناس دفنوا قبلك، وأُناس دفنوا بعدك، وأُناس دفنوا فوقك.

رب لحد قد صار لحداً مراراً

ضاحك من تزاحم الأضداد

ودافين على بقايا دافين

من قديم العصور والآباد

سر إن استطعت في الهواء

رويداً لا اختيالاً على رفات العباد

إنها اللحظة الحاسمة أيها المسلم.

توهم نفسك وأنت مدفون في هذا القبر، أي جزء من أجزائك سيبدأ فيه البلى، عيناك هذه المترفة الناعمة، أيهما ستسيل على خديك أو وجديك، لسانك الذي تتذوق به، وتتكلم به، سيأتيه الدود والبلى.

هل تذكرت هذه اللحظة يوم أن يأتوك الملائكة ويقولون لك: من ربك؟ فتقول لهم: ربي الله الذي لا إله إلا هو، ما دينك؟ فتقول: دني الإسلام، ماذا فعلت بالرجل الذي أرسل فيكم؟ فتقول: هو عبد الله ورسوله، فيقولون: وما يدريك؟ فتقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به، فيقولون: انظر عن شمالك، فتفتح عليك نافذة من النار، فيقولون: هذا مقامك لو أنك كفرت بالله ثم تغلق، ثم يقولو: انظر عن يمينك، هذا مقامك في الجنة، ويمتد قبرك مد بصرك، ترى فيها أطيارها، وأزهارها، وأنهارها، ويأتيك من روحها وريحانها، فتقول: ربي أقم الساعة حتى أذهب إلى أهلي ومالي، فيقال لك: نعم في قبرك نوم العروس، فتمر عليك فترة البرزخ كصلاة ظهر أو كصلاة عصر.

ماذا فعلنا لهذه اللحظات؟ ألم يهلنا التكاثر؟ ألم تلهنا البيوت والأموال والأولاد والزوجات؟ {ألهاكم التكاثر. حتى زرتم المقابر} (سورة التكاثر، الآيات: 1 – 2).

تأتي عائشة رضي الله عنها للرسول صلى الله عليه وسلم وهو يذكر عذاب القبر، فقتول: ماذا أفعل يا رسول الله وأنا المرأة الضعيفة؟ عند ذلك يقرأ عليها قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين} (سورة إبراهيم، الآية: 27).

تذكروا عذاب القبر، تذكروا ضمته، والرسول صلى الله عليه وسلم يسعى جاهداً على قدميه متجهاً آخر الليل إلى بيت سعد بن معاذ يقول: لعل الملائكة سبقتنا إليه، فلما دخل داره لم يجد لنفسه موطئ قدم يقف، إذا أحاطت الملائكة بسعد بن معاذ يشيعونه ويغسلونه ويعدون جنازته، حتى رفع ملك من الملائكة جناحه، فوقف مكانه الرسول صلى الله عليه وسلم ويخبره جبريل في هذه اللحظة أن عرش الرحمن قد اهتز لموت أحد أصحابك، فعلم أنه سعد بن معاذ، فيحمله ما أخف جنازته، لأنها خفت من السيئات، وما أثقالها في الميزان، لأنها ثقلت بالحسنات، ويدفنها المحبوب صلى الله عليه وسلم ويشيعه إلى لحده، فلما نظر إلى قبره اقفهر  وجهه، وتغيّرت ملامحه، وأشاح عنه صلى الله عليه وسلم وبكى، فقالوا له: لما فعلت هذا يا رسول الله؟ قال: لقد ضم القبر سعد ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ.

ماذا أعددنا لهذه الضمة؟ أنت ثيابك تضيق عليك، تكون مزحوماً في مكان ما تخرج فلا تحتمل، ماذا ستفعل في ضمة القبر؟ يوم أن يقترب منك؟ من سينجيك؟ جدرانه تضغط عليك، ماذا تقول؟ عن ماذا تنادي؟، إنه رب العالمين، فاذكر الله ليكون لسانك رطباً بذكره، فيرطب لك قبرك بروح وريحان الجنة.

أيها المسلمون:

نعوذ بالله من عذاب القبر وفتنة القبر.

يذكر أحد الصالحين قال: دخلت على أحد المقابر وكان من عادتي أن أرفع يدي بعد أن أسلم على المقبورين، ثم أقول: اللهم آنس وحشتهم، وارحم غربتهم، واغفر ذلتهم، واقبل حسنتهم، يقول فكنت يوماً من الأيام متعجلاً فلما دخلت عليهم لم أدعو لهم بهذا الدعاء، فلما ذهبت إلى بيتي فإذا بي أرى فيما يرى النائم كأن أهل القبور قد خرجوا عليّ من قبورهم وقد سالت أحداقهم على وجناتهم، وتفتقت أعضاؤهم وأشلاؤهم من عظامهم، وقد نزلت أكفانهم إلى أحواقهم، ثم جاؤوا يسعون مادين إليّ أيديهم شعس الرؤوس، غبر الأقدام والوجوه، يقولون: يا أخانا: لما تركت الدعاء الذي كنت تدعو به إلينا، فوالله لقد كان الله يؤنسنا به ويرحم غربتنا به، فإنا نسألك أن لا تترك الدعاء الذي كنت تدعو لنا به، فيقول: فما تركت الدعاء لهم بعد ذلك أبداً.

ويقول أحد الصالحين: مررتُ على أحد المقابر، فغلبني النوم، فصليت ركعتين، ثم وضعت رأسي على صخرة فنمت، فإذا بي أجد أهل القبور يخرجون ويقولون: قوم من نومك، أمثالك لا ينام، فوالله إن ركعتيك التي ركعتهما تساوي عندنا أهل القبور الدنيا وما فيها، أما تعلم أنك في دار عمل، ونحن في جار جزاء، فيقول: ففزعت وهربت وأخذت أذكر الله تبارك وتعالى.

أيها المسلمون:

هذه الفرصة أمامكم، وهذه الدنيا ممتدة، بين أيديكم، وقد أفسح الله في أعمارنا، فاذكروا الله كثيراً، وتوبوا إلى الله كثيراً، واعملوا فعل الخير، وقد علمنا الله والرسول صلى الله عليه وسلم سورة عظيمة في كتاب الله وردت فيها الأحاديث الصحيحة والحسنة، ليسميها الرسول صلى الله عليه وسلم المانعة والمنجية.

يقول صلى الله عليه وسلم: "إن سورة تبارك، سورة الملك في قلب كل مؤمن، إنها تأتي يوم القيامة تحاج عن صاحبها، فلا تدعه حتى تدخله الجنة". (قال ابن القيم – رحمه الله -: قال أبو عمر بن عبد البر: وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سورة ثلاثين آية، شفعت في صاحبها حتى غفر له: {تبارك الذي بيده الملك} رواه أحمد والترمذي، ثواب القرآن وحسنه وأبو داود وابن ماجه وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني).