الأربعاء 15-أبريل-2026 - 27 شوّال ، 1447
الحلال والحرام
الحلال والحرام
اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا.
فالحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والخلق خلقك، والأمر أمرك، والحكم حكمك.
خطب أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز يوم أن ولي الخلافة فقال: "أيها الناس ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله من حلال فهو حلال إلى يوم القيامة، وما جاء في كتاب الله وسنة رسوله من حرام فهو حرام إلى يوم القيامة".
وقامت خلافته على هذه القاعدة، تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله، فسادت دولته، انحلت فيها جميع الأزمات، فما تراكمت عليها القروض والديون، ولا يوجد في دولته الممتدة إلى إفريقيا إلى حدود روسيا لم يوجد فقير يأخذ المال من الزكاة..
وخرج الناس بأموالهم ينشدون الفقراء ليأخذوها فلم يجدوا.... وكم امتد حكمه ؟ عامين..!
انحلت جميع الأزمات الاقتصادية عند هذه الأمة بعدل عامين، وأمتنا اليوم تتراكم عليها الديون الربا أضعافاً مضاعفة، تحصرها تخنقها تركعها أمام أعدائها اليهود، واليهود الملاعين منذ القدم يحاصرون الناس اقتصادياً..
وأذكر وأنا أقرأ تاريخ فلسطين الحبيبة أنه من ضمن الوسائل التي تمت بها السيطرة على بعض الأراضي هو الربا، يأتون إلى الفقير فيقرضونه بالربا، فيعجز عن التسديد فتتضاعف وتتراكم فيسلبون أرضه وداره ويطردونه ولا يستطيعون أن ينتصر لنفسه.
وفي القدم، كانوا يقرضون الأوس لحرب الخزرج، ويقرضون الخزرج لحرب الأوس، وهم صناع السلاح، وتستمر الحرب، ويستمر الربا، وينهار الاقتصاد في يثرب، ولولا قدوم محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام لما حلت المشكلة الاقتصادية عند الأوس والخزرج، وعند العرب إلى يومنا هذا.
والقرآن يذكر هذه الأخلاق عند اليهود فيقول عز وجل: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً} (سورة النساء، الآيات: 160 – 161).
هذه الأخلاق السيئة انتقلت إلى كثير من الحكومات العربية والإسلامية، بدأوا يحرمون طيبات أحلها الله، ويخبر أحد المسلمين أنه ذهب إلى إحدى الدول العربية فأصابه وأهله العطش فوقف أمام مقهى فقال له صاحب المقهى المخمور: ماذا تريد؟ قال: أريد ماء، قال: ماء أنا أفتح المقهى للماء، ألا تشرب الخمر؟ قلت له: لا، إنما أن عطشان أنا وأولادي، فقال له صاحب المقهى: سوف تكلفني مشقة تعالى عند الثلاجة فإذا هي مملوء بجميع الخمور العالمية والمحلية بجميع أنواعها، فأخذ يقلب حتى عثر على زجاجات ماء، هذه أحوال معظم دولنا اليوم.
وأخذهم الربا وقد نهو عنه، فهذه المؤسسات الربوية تملأ جميع الدول، وأكل أموال الناس بالباطل حدث ولا حرج، ولا يوجد إنسان غير مديون إلا أقل القليل، لا كما فعل ملك الصين قال: مظلوم يلبس ثوب أحمر. فأصبح لا يرى الناس لكثرة الظلم.
{أعتدنا للكافرين}، وهنا يبين الخطورة لمن يتعاطى الربا والكفر ويحشره مع أهل الكفر، إن لم يتب إلى الله رب العالمين.
وشعب مصر أمة كبيرة مسلمة واليهود يخافون منها، لهذا يحرصون على تحطيم هذا الشعب دينياً وإيمانياً وخُلقياً يحرص اليهود على بث المخدرات وتأتينا الإحصائيات على البغايا اليهود الحاملين لمرض الإيدز، ويحاصرونه إسلامياً واقتصادياً، ولكنه شعب صابر.
نقول أمام هذه المصيبة: ألا وهي الربا... الله يعطي الضمانات للقضاء على الأزمات الاقتصادية والعلاج بالزكاة والصدقات قبل أن يحرم الربا.... {فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذن يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون. وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} (الروم: 38 – 39).
{ظهر الفساد في البر والبحر} (الروم: 41).
إذن الفقر والانهيار الاقتصادي إنما هو بسبب كسب الناس للمعاصي والذنوب والقطيعة فمنع الزكاة والله لو أُخرجت الزكاة فقط ما وجدت إنساناً يقرض أو يقترض الربا، عندنا في عالمنا من الأثرياء يساوي حق الفقير، وهو 2.5% مما يملك الملياردير الثاني، والثالث في العالم لو أخرجوا الزكاة ما وجدوا فقيراً يأخذها: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم} (البقرة: 274)، {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} (البقرة: 275).
انظروا إلى وقاحة هؤلاء الناس لا يقولون الربا مثل البيع، عكسوا الآية، وجعلوا الربا هو الأصل، والبيع هو الطارئ، والمفروض يكون الربا: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} (البقرة: 275).
الله سبحانه وتعالى لم يفضل هذا الادعاء المزيف والتحوير وإطلاق أسماء على غير مسميات فوائد استثمار أرباح، وكلها ربا، ماذا قال لما تفلسفوا، قال: {وأحل الله البيع وحرم الربا} (البقرة: 275)، الذي يملك التحليل هو الله، ولا يناقشه أحد، والتحريم كذلك.
{يمحق الله الربا يربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم} (البقرة: 278)، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} (البقرة: 278).
الآية التي أعلنت الحرب على المفسدين في الأرض، وعلى الربا وتختم بالصدقة علاج رباني، ثم يأتي الختام والوعيد المنتظر.
تذكر هذه الآية وهي آخر آية بها الوصية، وآخر آية نزل بها جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوضعت هذه الآيات في آخر آيات الربا: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} (البقرة: 281).
والأحاديث تقول: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زانية" (رواه أحمد، والطبراني، من حديث عبدالله بن سلام رضي الله عنه، وكذلك حديث عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة).
"والربا بضع وسبعون باباً أهونها وأيسرها كأن يأتي الرجل أمه" (رواه البيهقي، من حديث أبي هريرة).
من أجل منصب أو حفنة من المال، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال الصالحة فتن كقطع الليل المظلم"، وقال تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم} (آل عمران: 129).
ثم قال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون} (آل عمران: 130)، ولو طبقت هذه الأمة هذه الآيات، ما احتجنا للاقتراض من أعدائنا، مصر فيها النيل، والتربة الخصبة، ولوا أكل الكبار للصغار، وعاشت هذه الأمة في القديم، يوم أن كان النيل يقف ولكن الآن النيل لا يقف، كان النيل في مصر لا يجري في شهر من شهور السنة، ويحضرون إليه عروس النيل فيلقونها، خرافة من خرافاتهم، فقال الفاروق: إن كنت تجري بأمرك فلا تجري، وإن كنت تجري بأمر الله فاجرِ، فلن أُلقي فيك أحداً، فجرى النيل من ذلك التاريخ إلى هذا التاريخ، لا يتعرضون فيه لقحط، شرع الله يسع الناس، فالعودة إلى دين الله تحل الأزمات.