السبت 09-مايو-2026 - 22 ذو القعدة ، 1447

الأمن والأمان

الأمن والأمان

الجميع يبحثون عن الأمن والأمان، كل الدول، كل المعسكرات، كل الأحزاب، على المستوى الجماعي الدولي والفردي، يبحثون عن شيء مفقود اسمه الأمن والأمان.

نعود إلى التاريخ.. إبراهيم عليه السلام لما دعا الناس، ودعا أباه إلى التوحيد ماذا قال له أبوه: {قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك} (سورة مريم، الآية: 46)، أي أقتلك رجماً بالحجارة، يُقام حد الزنا للمحصن على يد والد ينفذ في ولوده من أجل ماذا؟ من أجل أن يقول: لا إله إلا الله {لأرجمنك واهجرني مليا} (سورة مريم، الآية: 46).

ماذا فقد إبراهيم؟ فقد عدم الاستقرار، لا يستطيع المكوث بينهم، إنه غريب في توحيده، اجتمع الناس وأقرب الأقربين إليه على زعزعة استقراره وأمنه، فحمل أهله وماله متجهاً إلى أرض مصر، فإذا به هناك لا يستقبل استقبالاً عادياً... فإذا بالجنود ينتظرون، يبعثهم طاغوت ذلك البلد في ذلك الزمان كل ما رأوا امرأة حسناء يقولون لمن معها أهي أختك أم زوجتك؟ فإن قال: زوجتي، ذبحوه ذبح النعاج وأخذوها منه لكي يستمتع بها الملك، منطق طاغوتي في كل مكان، وقال إبراهيم عليه السلام لسارة وكانت أجمل نساء زمانها، إن قلت لهم إنك زوجتي ذبحوني، بل سوف أقول لهم إني أخوك، وأنا أخوك في الإنسانية، فلما سألوه قال: هي أختي، فجروها ولم يذبحوه، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا ينصره أحد في ميزان البشر، لا حاكم معه، ولا محكوم، وظل إبراهيم وحيداً فريداً في أرض غربة لا يدري ماذا يفعلون بعرضه وهو ينظر لزوجه وهي تُساق إلى طاغوت جبار، وأدخلوها عليه في القصر وألبسوها أحسن الثياب والحُلى وجاءت الليلة المظلمة، التي تُهتك فيها الأعراض، ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، وما أكثر تلك الليالي المظلمة في زماننا هذا، فكم من الأعراض تنتهك؟ وكم من المحرمات تُسلب؟ وكم من الأحشاء تملأ بأولاد الفاحشة والزنا، فلما تجهز الملك وخطا خطواته الأولى إليها، وهي زوجة الخليل خليل الله، فلما مد يده ارتجف واهتزت الأرض من تحته، وشلّت أطرافه وخر على الأرض، وهي هادئة مطمئنة راضية بقضاء الله، واثقة بعدل الله، وإن لم يكن معها زوجها يحميها، أو قريبها يدافع عنها، وحيدة في غربتها، وأفاق الملك مرة ثانية وحاول التجربة من جديد، سعار الشهوة والجنس يتصاعد من نفسه الكنود، ويمد يده من جديد، فإذا بها تتصلب وتتحجر وإذا بكل جسمه ينتفض ويخر على الأرض فتعجب أي امرأة هذه؟ أأنت ساحرة؟ أأنت من الجن أم أنت من الإنس.

لماذا يحدث لي هذا الأمر الذي لم يحدث لي من قبل مع نساء كثيرات، قالت: إنك لا تعلم من أنا، إنني زوجة نبي من الأنبياء، زوجة إبراهيم خليل الله، عندها تراجع الملك وعاد إلى كرسيه خاسئاً ذليلاً، ودخلت عليه الرهبة وجاءته جنود الرعب يسوقها الله إليه سوقاً، فقال: ألا أخبرتني؟ ألا أعلمتني، ما كنت أدري، ثم قام وخرج وانتقى لها أحسن جواريه خُلقً وأحسنها سلوكاً، وقدمها هدية لها وهي هاجر (المعروف أن هاجر كانت أمة مملوكة وكن حقق الكاتب الكبير العلامة القاضي محمد سليمان المنصور فروى أنها كانت حرة، انظر رحمة الله، 1/474) أم إسماعيل عليها السلام.

وخرجت الضعيفة ليس معها أحد من أقاربها تحيط بها الجيوش ذات اليمين وذات الشمال معززة مكرّمة، وإبراهيم هناك لا يقول إلا كلمة واحدة، حسبي الله ونعم الوكيل، قالها يوم أن جمع له النمرود حطباً وأوقدها ناراً، حتى إذا الطائر مر عليها ينشوي ويقع في لهيبها، قالها وهو يقذف في أجواء الفضاء في معلاق ضخم ثم يهوى في النار وهو مربوط، وبعد لحظات تتحول النار يوم أن سلبت منها خاصية الإحراق، تتحول برداً ولو ظلت برداً لتجمد إبراهيم، ولكنها برداً وسلاماً على إبراهيم، كلمة واحدة "حسبي الله ونعم الوكيل"، ولذلك {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} (سورة الطلاق، الآية: 3)، الله حسبه، هنا يحس إبراهيم إحساساً صادقاً أن هناك ضرورة ملحة على أن توجد البقعة التي يتوفر فيها الأمن المكاني والأمن الزماني، وبدون توفر هذا الأمن لن يقوم مسلم على وجه الأرض يدعو ربه، وهو في عافية من دينه وعرضه وعقله ودمه وماله، وهنا يهاجر إبراهيم من مصر يتجه هناك إلى بقعة اختارها الله له كان اختياراً فريداً من نوعه.

بقعة من الأرض صحراء قاحلة تحيط بها جبال سوداء لا نبات فيها ولا ماء، لا عطاء ولا نماء، ليس فيها أحد، تعصف بها الرياح، خالية من جميع مقومات الحياة.

إن الدول لا تقوم نهضتها واقتصادها إلا بمقومات لقرب الأنهار أو أرض خصبة أو معادن أو حضارات أو صناعات، أما اختيار الله لهذه الأرض لكي يثبت للعالم أن الله قد قام بتوفير الأمن المكاني والزماني ستستمر هذه البقعة التي هي مكة المشرفة عبر الدهور والعصور دائمة ثابتة إلى أن تقوم الساعة، وليس فيها مصانع ولا حولها أنهار، ولا عندها إنتاج ولا فيها مياه، فيها جبال صماء، وتراب رمضاء، ولكن فيها الأمن والأمان الذي أنزل الله.

حضارات تأتي وتزول اليونان والفرس، والإغريق، والرومان، وغيرها، وهي راسخة، يأتيها الناس بأفئدتهم وأرواحهم من بلاد الحضارات وبلاد الإنتاج والصناعات، فلا يجدون فيها غير الأمن والأمان الذي فقدوه بين أرحامهم وأصحابهم، وجدوه هناك عند جبال صماء لا لشيء، إلا أن إبراهيم الخليل لما فقد الأمن رفع يده إلى الله قائلاً: {رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} (سورة البقرة، الآية: 126).

رفع إبراهيم يده لكي ينقذ البشرية ويعطيها ما تفقده وهي في بلدها عند قواتها بين حكامها، يفقدون أعز ما يملكه الإنسان، الأمن والأمان.

فإذا بإبراهيم يقول: {رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} (سورة إبراهيم، الآية: 35).

أيها المسلمون:

فلما توفر الأمن المكاني والزماني في بقعة من الأرض، في مكة المكرمة، أعطانا الخليل في ضمن دُعائه الوقاية والحماية والجهاز الأمني الدقيق الذي يحافظ على أمني وأمنك، وبلدي وبلدك، واستقراري واستقرارك، ألا وهو توحيد رب العالمين، أن تعبد الله واحداً في قيوميته في عبوديته، في أفعاله يوم أن تكون كذلك، يتوفر الأمن المكاني والزماني.

{لإيلاف قريش. إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. فليعبدوا رب هذا البيت. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} (سورة قريش).

ويأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ويستباح له الأمن الزماني والمكاني ثم يحرره الله إلى يوم القيامة، لا يقتلع نباته، ولا يؤذى فيه شيء كرامة من الله.

الحيوان آمن، النبات آمن، حتى عالم الجماد يقول مع الحاج: لبيك اللهم لبيك، ويشهد بالتوحيد لله رب العالمين.

ويعترض الكفار على دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون له لو أننا آمنا بدينك واتبعناك سنُصاب بحصار اقتصادي {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} (سورة القصص، الآية: 57)، معسكر الكفر يعترف لمعسكر الإيمان إن الهدى مع الإيمان، ونادراً ما يعترفون بذلك، وقالوا: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا}، فما كان الجواب: {أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون} (سورة القصص، الآية: 57).

{أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون} (سورة العنكبوت، الآية: 67)، المؤشر يشير إلى خطر قادم عندما ينتشر الخبث وأهل الشر، فأصبح الإنسان يقبض على قلبه في الصباح ويقول: {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين. ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} (سورة يونس، الآيات: 85 – 86)، وفي المساء: {ربما لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا}.

الأمن والأمان نعمة لا تُقدر بثمن، لا يعرفها إلا من فقدها، فكم من أم لا تجد حليباً لولدها، وكم من رب بيت يخرج أول النهار، ويعود آخر النهار وليس معه إلا القليل، نحمد الله على نعمة الأمن والأمان.

وتذكرون حال الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، المجتمع المثالي في العالم من قبل ومن بعد: "خير القرون قرني".

ماذا يحدث للنبي صلى الله عليه وسلم عندما تهب الريح؟

يقوم صلى الله عليه وسلم ويقعد ويدخل يصفر وجهه، ترتجف أوصاله، حتى تقول له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إنها ريح، يقول لها صلى الله عليه وسلم: نعم، لقد أرسلت إلى قوم فقالوا: {هذا عارض ممطرنا} (سورة الأحقاف، الآية: 24)، وإذا هي ريح عقيم فيها عذاب أليم.

محمد صلى الله عليه وسلم يخاف أن يضيع الأمن منه والاستقرار في بلد نموذجي هو حاكمه والقرآن دستوره، والشهادة أسمى أمانيه.

ويقرر إبراهيم عليه السلام لقومه هذا المفهوم يوم أن هددوه وأخافوه بالتهم، يقول: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (سورة الأنعام، الآيات: 81 – 82).

نسأل الله الأمن والأمان، والإيمان وصالح الأعمال.